يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الرغبة في الاستيلاء على الأراضي النفطية الغنية في العراق وسورية، تعتبر إحدى القواسم المشتركة الرئيسة بين تنظيم "داعش"، وبين الماضي العثماني. فبينما سعى العثمانيون القدامى لإدخال تلك الأراضي في دولتهم الحديثة، ويحاول العثمانيون الجدد تكرار ذلك، نجحت داعش في غزوها، والاتجار في مواردها النفطية الهائلة مع قوى أجنبية ومحلية. 

في صيف العام 2014، تمكن "داعش" من السيطرة على مدينة الموصل شمال العراق. كما استطاعات مجموعاته المنتشرة في سورية السيطرة على المدن الرئيسة في منطقة الجزيرة السورية الواقعة على ضفاف الفرات: دير الزور والرقة والحسكة. وهو ما منح داعش فجأة الحق في التحكم بـ22 حقلا نفطيا دفعة واحدة بين سورية والعراق. أو بمعنى آخر، أعطاها مصدر دخل ثابتا ومستمرا، يمكنها من تمويل نشاطاتها العسكرية في المنطقة. 
 
في العراق، كان تنظيم الدولة ينقل النفط الخام من الحقول العراقية مثل (العلاس)، و(القيارة)، و(بيجي) إلى منطقة تقع جنوب الموصل تدعى (العذبة)، كانت تحوي مصافي نفطية صغيرة. ومنها كان البترول يوزع على ساحات النفط في الموصل. وهي أسواق افتتحتها داعش لبيع النفط الخام ومشتقاته. وكانت آلاف السيارات ذات الحوض الكبير، تنقل منتجات النفط إلى الأراضي السورية والتركية.

أما في سورية، استولى التنظيم بعد يونيو 2014 على 95 في المئة من حقول وآبار النفط السوري. وعلى رأسها الواقعة في محافظات دير الزور والرقة وحمص. وقد أدى ذلك إلى إلحاق ضربة قاصمة بالدولة السورية المركزية في دمشق، التي فقدت تصنيفها كدولة مصدرة للنفط، بعد أن خسرت تحكمها في مصادره. وانخفض إنتاجها من 385 ألف برميل يوميا، إلى 14 ألفا فقط. 

كان من النتائج العبثية لذلك الوضع الجديد، أن اضطر النظام السوري نفسه إلى شراء النفط من داعش، لتوفير احتياجاته من الطاقة. خاصة في ظل العقوبات المفروضة دوليا على البلاد منذ العام 2011. 

إضافة إلى ما سبق، كانت شبكة تهريب النفط التي أقامتها داعش لتهريب النفط السوري أو العراقي خارج تلك البلاد، هي الأمر الشاغل للمراقبين المحليين أو الدوليين. وبعد البحث، تبين أن تنظيم الدولة ينتج من النفط السوري فقط نحو 100 ألف برميل يوميا، يحقق من ورائها مكاسب تتراوح بين 1.2 إلى 3 ملايين دولار بشكل يومي. وأن تركيا هي المكان الأساسي الذي يستقبل ذلك النفط المسروق، في مقابل حصول مقاتلي التنظيم على الأسلحة، والسيارات، بل وحتى المعلومات الاستخباراتية من الأتراك.

القوى الغربية واجهت حكومة رجب إردوغان، كان وقتها رئيسا لوزراء تركيا،  بتلك الحقائق، وضغطت عليها كي توقف تجارة داعش الرابحة، وبالتالي تجفف من منابع تمويل التنظيم المسلح. وبالفعل رضخت أنقرة، وقامت بمصادرة ٨٠ ألف برميل من النفط الذي هربته داعش. ولكن استمرار الدعم اللوجستي التركي للتنظيم يؤكد أن حصول تركيا على النفط السوري أو العراقي من تنظيم الدولة لم يتوقف. وأنه أوجد لنفسه طرقا جديدة للتهريب. 

العثمانيون والنفط
الدور الذي تلعبه تركيا مع داعش في عمليات السطو على الممتلكات النفطية في سورية والعراق، يذكر بمحاولات العثمانيين الأتراك قبل أكثر من مئة عام الاستحواذ على النفط في نفس المنطقة. وبالتحديد في شمال العراق (الموصل/كركوك)، بما أن النفط السوري لم يتم اكتشافه قبل العام 1956. 
 
كان العالم قد بدأ يلتفت إلى أهمية النفط منذ أواخر القرن الـ19، خاصة بعد استخدامه في تشغيل المحركات بديلا عن الفحم. وفي الشرق الأوسط، قام ناظر المالية العثماني "حجوب باشا" في العام 1895، بتكليف أرمني عثماني يدعى "كالوست كولبنكيان" بكتابة تقرير مفصل حول إمكانية العثور على النفط في إيالة الموصل شمال العراق، والتي بشر الجيولوجيون من أوروبا بكونها بقعة نفطية واعدة للغاية. 
 
وقبل حتى إن يتم الكشف عن النفط في المنطقة، قام السلطان عبد الحميد الثاني بحركة استباقية ونقل جميع أراضي العراق في العام 1904 من نظارة التعدين إلى نظارة "المحفظة الخاصة"، والتي كانت تضم سائر الممتلكات الخالصة للسلاطين العثمانيين.

منح عبد الحميد حليفه قيصر ألمانيا "غليوم الثاني" امتياز التنقيب عن النفط في مساحة 20 كيلومترا على جانبي مشروع سكة حديد بغداد في النطاق الجغرافي للموصل وبغداد، ولكن البعثة الجيولوجية الألمانية فشلت في العثور على النفط في الموصل. الأمر الذي أدى إلى إلغاء عقد الامتياز الألماني. وتوقف عمليات التنقيب عن النفط في المنطقة. 

بعد خلع عبد الحميد الثاني على يد جمعية الاتحاد والترقي في العام 1909، وقعت مجموعة من الانقلابات الدراماتيكية في مسألة النفط العراقي. ففي العام 1910، تأسس البنك الدولي في تركيا، والذي كان ممثلا للمصالح البريطانية في الدولة الاقتصاد العثماني، واختير الأرمني كولبنكيان مديرا له. واتفق الإنجليز مع الألمان في أعقاب ذلك على التعاون وتقسيم النفط العراقي بينهما.

البنك الدولي في تركيا والبنك الألماني اتفقا في 31 يناير من العام 1911، على إنشاء شركة مشتركة لإنتاج النفط المستخرج من العراق. عرفت أولا باسم شركة "الامتيازات الآسيوية والإفريقية المحدودة"، ثم عرفت لاحقا بـ"شركة البترول التركية" في 23 أكتوبر من العام 1912. وكان رأس مالها يبلغ في ذلك الوقت 80 ألف جنيه إسترليني. 

حصص شركة النفط التركية قسمت على النحو التالي: 50% لصالح البنك الدولي في تركيا (مع 15% لصالح كولبنكيان وحده). و25% لصالح البنك الألماني، وأخيرا 25% لصالح شركة البترول الأنجلو سكسونية. أي أن الأتراك لم يحصلوا من نفط العراق سوى على اسم الشركة فقط. 
 
أتبع ذلك شروع بريطانيا في تحويل معداتها الحربية إلى الاعتماد على البترول. وهو ما دفع حكومة التاج الملكي إلى شراء غالبية الأسهم في الشركة الأنجلو فارسية التي كانت تنقب عن النفط في إيران، ثم الاستحواذ على الحصة الأكبر من الحصة الإنجليزية في شركة النفط التركية التي كانت تنقب في الموصل. 

وفي اجتماع جديد عقد في مكتب الشؤون الخارجية البريطانية في العام 1914، أعلن الإنجليز عن نيتهم إعادة توزيع الحصص في شركة النفط التركية. كان الاجتماع يضم ممثلين عن الحكومات البريطانية والألمانية والبنك الدولي في تركيا والبنك الألماني. وانتهى إلى منح الشركة الأنجلو فارسية 45% من أسهم الشركة، بينما منح البنك الألماني والشركة الأنجلو ساكسونية للبترول 25% لكل منهما، بينما منح السيد كولبنكيان حصة تبلغ 5% فقط. 

نص الاتفاق الجديد أكد على تحكم الشركة بشكل كامل في التنقيب عن النفط وإنتاجه في كل أجزاء الإمبراطورية العثمانية عدا المناطق الخاضعة للأسرة العلوية في مصر، أو الخاضعة لأمير الكويت، أو المناطق الحدودية بين الدولة العثمانية وإيران.

وحتى تتخلص بريطانيا وألمانيا من ملكية السلطان المخلوع عبد الحميد لأراضي العراق، فقد ضغطتا سويا على حكومة الاتحاد والترقي في إسطنبول كي تتحصلا منها على تنازل رسمي عن النفط في تلك الأراضي. وهو ما نجحتا فيه بالفعل في 28 يونيو من العام 1914، حينما اقتنصتا لشركة النفط التركية تنازلا من الصدر الأعظم "سعيد حليم باشا" عن كامل حقوق الدولة العثمانية في نفط العراق لصالح الشركة. 

تنازل الصدر الأعظم جاء فيه أن "وزير المالية الذي قام بسحب كل ملكيات النفط من المحفظة الخاصة في إيالة الموصل وبغداد، يتنازل عن كامل تلك الحقوق لصالح شركة النفط التركية". 

خطاب التنازل أنهى كافة الارتباطات بين إسطنبول ونفط العراق. وتلا ذلك بشهور قليلة اشتعال الحرب العالمية الأولى، واصطفاف تركيا إلى جانب ألمانيا القيصرية ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا. وكانت الهزيمة التركية - الألمانية في الحرب العام 1918، هي فصل الختام في عمر الدولة العثمانية. 

مصطفى كمال أتاتورك، القائد الجديد لتركيا في سنوات ما بعد الحرب العظمى، حاول أن يعود من جديد إلى مسألة النفط العراقي. فأصدر مع أعضاء الجمعية الوطنية الكبرى ما عرف باسم "الميثاق الملي"، والذي اعتبر أن الحدود الجديدة للجمهورية التركية المزمع إنشاؤها على أنقاض السلطنة العثمانية، يجب أن تضم شمال العراق (الموصل/ كركوك) بالكامل، بحكم أنه يضم وجودا إثنيا للتركمان. 

بريطانيا رفضت بنود الميثاق الملي، ومشروعه الجغرافي لتركيا الجديدة أثناء توقيع معاهدة لوزان العام 1923. واستنادا إلى حقيقة التنوع الإثني لشمال العراق، بين العرب والأكراد والتركمان، تم إرجاء الأمر إلى عصبة الأمم لتحسم مصير الموصل. وفي العام 1926، ضم شمال العراق إلى المملكة الهاشمية العراقية في بغداد. 

هكذا، فشل الأتراك في الحصول خلال بدايات القرن العشرين على نفط العراق الوفير. وحصلوا في مقابل ذلك على دولة لا تملك أي مصدر للطاقة من النفط والغاز الطبيعي. وهو ما أورث العقل السياسي التركي، على اختلاف مشاربه الأيديولوجية حنقا عميقا تجاه الجارة العراق، ثم ضد الجارة العربية الأخرى سورية، التي انضمت لاحقا إلى الدول المنتجة والمصدرة للنفط. وقد بدأت منذ الثمانينيات في استخدام ورقة المياه من خلال مشروع شرق الأناضول GAPK لمساومة الحكومات العراقية والسورية، واعتبارها ورقة ضغط في مقابل قوة النفط الذي تملكه بغداد،  أو دمشق. 

لعبة النفط مقابل المياه، والتي تعني في النهاية موازنة سياسية بين قوى سياسية منظمة ومعترف بها، لم تلبث أن انقلبت منذ العام 2011 إلى سعي تركي حثيث للوثوب على الشمالين السوري والعراقي، والسطو على ثرواتهما النفطية. 

أنقرة استغلت تفسخ الدولة المركزية في العراق وسورية، وبشرت تحت قيادة رجب إردوغان بقرب "استرداد" الأتراك ما يرونه حقا لهم في الأراضي العراقية والسورية. وعلى مستوى النفط تحديدا، وبدأت القيادة التركية في الانتقام بأثر رجعي لما فات الأتراك خلال بداية القرن،  فوقعت اتفاقا منفردا مع حكومة كردستان العراق في إربيل، تحصل من خلاله على نفط كركوك دون الرجوع إلى حكومة بغداد. في الوقت الذي كانت تتاجر فيه مع داعش في النفط المستخرج من الحقول السورية.

إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية قد نجح في مدة يسيرة في السيطرة على الثروات النفطية في الهلال الخصيب، مقابل فشل تركيا في ذلك طوال العقود السابقة. فإن تردي الأوضاع في المنطقة، ومستقبلها المضبب. قد يسمحان لتركيا بالولوج إلى المناطق النفطية في الشمالين السوري والعراقي، من خلال سياسة الأمر الواقع التي لعبتها سابقا في عفرين وفي إدلب. ولكن ستظل من جديد القوى الغربية الكبرى، والتي سترفض حتما استحواذ طرف غيرها على تلك الثروة، بمثابة العائق الذي لن يتمكن الأتراك أبدا من تخطيه، كما حدث قبل أكثر من قرن مع أجدادهم من العثمانيين. 

المصادر :


Qatalah