يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


استغل رجب إردوغان الفوضى التي أحدثتها الثورة الليبية، والتي أطاحت بنظام معمر القذافي، وبدأ في تنفيذ مخططه لبسط نفوذه، بإشعال الحرب الأهلية بين أبنائها، بمعاونة عملاء جماعة الإخوان الإرهابية.

بدأت خطة لص أنقرة بوضع سيناريو السيطرة على العاصمة طرابلس، حيث تتركز مؤسسات الدولة واستثماراتها الكبرى، بتقديم الدعم  للجماعات الإسلامية المتطرفة والميليشيات التي أعلنت ولاءها لأنقرة.
جند رجب إردوغان مجموعات مسلحة لإثارة الفوضى في جميع أنحاء ليبيا، لكنه اعتمد خطة الدعم السياسي لعملاء أنقرة في طرابلس، أو ما سمي "حكومة الإنقاذ الوطني".

ضربة البداية
بعد ثورة فبراير 2011 صعدت جماعة الإخوان الإرهابية إلى صدارة المشهد الليبي، ومن خلال انتخابات يوليو 2012 نجحوا في السيطرة على المؤتمر الوطني الليبي العام (أول جهة تشريعية بعد الثورة)، وفي 8 أغسطس 2012 سلم رئيس المجلس الوطني الليبي الانتقالي مصطفى عبدالجليل السلطة للإخوان، ممثلة في حزب العدالة والبناء الليبي، لتبدأ البلاد فصلا جديدا من الدمار وسفك دماء المدنيين الأبرياء.
كانت الدولة الليبية تدار من أنقرة، طوال عامي تصدر الإخوان للمشهد السياسي بعد الثورة، وذلك ما أكده مصطفى عبد الجليل نفسه عندما اعترف مؤخرا بفساد جماعة الإخوان، وفضح ولاءهم لتركيا، وخيانتهم للشعب الليبي طوال سنوات توليهم رئاسة المؤتمر الوطني العام، وحتى الآن.

 

 في عام 2014 انتهت ولاية المؤتمر الوطني العام، الذي ترأسه الإخوان، عبر حزب العدالة والبناء، وجرت انتخابات نيابية ساخنة في 25 يونيو 2014  لانتخاب مجلس النواب الليبي، والتي شهدت انحدار الجماعة، وفوزا ساحقا لمرشحي التيار الوطني والليبرالي بأغلبية المقاعد، وحصول المجموعات الإسلامية بما فيهم الإخوان على 30 مقعدا فقط.
هزت الهزيمة القاسية قلوب رؤوس الجماعة، كما شعرت تركيا أن الأمور في ليبيا تخرج عن سيطرتها، بعد إزاحة حلفائها في انتخابات نزيهة.
لذا أعلن الإخوان رفضهم لنتائج الانتخابات، وخرجوا بصحبة ميليشيات فجر ليبيا وأنصار الشريعة، وغيرها من الجماعات الممولة من أنقرة، إلى العاصمة طرابلس، للسيطرة عليها بالقوة ، في مشهد همجي بامتياز، لتدخل ليبيا منذ ذلك التاريخ في دائرة الصراع والاقتتال الأهلي.
قسمت خطة رجب إردوغان التي نفذها الإخوان الشعب الليبي، وظهرت على الساحة ثلاث حكومات، اثنتان تمثلان التيار الإسلامي، وتدعمهما تركيا، وهما حكومة الإنقاذ الوطني وحكومة الوفاق الوطني، بالإضافة إلى حكومة طبرق المؤقتة ، والتي يساندها الجيش، وتحصل على تأييد البرلمان الليبي ، ويعترف بها المجتمع الدولي ويدعمها.

ومع ارتفاع وتيرة الصراع، اضطر البرلمان الشرعي المنتخب للانتقال إلى طبرق، وتأييد الجيش الوطني الليبي، والعمل معه على تطهير ليبيا من الإرهاب.
بينما سيطرت حكومة الإنقاذ الإخوانية على طرابلس، والتف الإرهابيون حولها، حيث أعلن مجلس شورى ثوار بنغازي، والذي يضم تحت لوائه عدة ميليشيات إرهابية، تأييده الكامل لحكومة الإنقاذ، بالإضافة إلى غرفة عمليات ثوار ليبيا الإرهابية، والتي أثبتت وثائق نشرتها الصحف الليبية  في يناير الماضي، تمويل جماعة الإخوان لها بشكل مستمر، وغيرها من التشكيلات الإرهابية.

وتعول تركيا منذ نحو 4 سنوات على حكومة الإنقاذ لتأجيج الخلافات، وتنفيذ بعض العمليات الدموية، مع مجموعات أخرى، لتضمن بقاءها فى ليبيا، ونهب ثروتها النفطية عبر أتباعها من الإخوان، واستعادة مجد الدولة العثمانية الغابر في شمال إفريقيا، بعد تمكنها من اختراق مؤسسات دولة تونس المجاورة.
دخلت الجماعات والميليشيات الموالية للإخوان في قتال عنيف ضد الجيش الليبي الوطني، منذ 2014، وأزهقت آلاف الأرواح بين صفوف المدنيين، ودمرت أحياء سكنية وأحرقت مباني وأسواقا تجارية، حتى وضعت يدها مرة أخرى على أجزاء واسعة من طرابلس.

زيارة أنقرة
عقب خسارة حكومة الإنقاذ للانتخابات في ليبيا، ورفضها النتائج، وانقلابها على الشرعية القائمة، ثم الدفع بميليشياتها للسيطرة على العاصمة، ومن ثم ليبيا، توجه أعضاء الحكومة الإخوانية إلى تركيا، للاتفاق على الخطوات القادمة في خطة إردوغان، وذلك في يناير 2015.
زار خليفة الغويل رئيس حكومة الإنقاذ أنقرة، بعد أيام من الاستيلاء على طرابلس، وبينما كانت عناصره وميليشياته تخوض معارك ضد الجيش الوطني، التقى هو عددا من المسؤولين الأتراك، وقال رئيس حكومة الإنقاذ، إنه ناقش عددا من القضايا المهمة، وأن زيارته لأنقرة كانت مثمرة.
وأوضح الغويل، في مؤتمر صحافي، عقب عودته من الزيارة التي استمرت يومين، برفقة عدد من وزراء حكومته، أنه التقى رئيس الوزراء التركي، وقتها، أحمد داوود أوغلو، وعددا من المسؤولين، وأنه ناقش معهم عددًا من القضايا، منها ملف الاقتصاد، والاستثمار، والتعاون في مجال التطوير الإعلامي، وبحث عودة الشركات التركية لاستكمال مشاريعها في ليبيا.


وفي نفس الشهر، زارت قيادات من حكومة الإنقاذ الوطني أنقرة ، لمدة ثلاثة أيام، والتقوا برجب إردوغان شخصياً، لبحث سبل دعمهم، ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، وفق بيان رسمي أعقب الزيارة.
الزيارات المشبوهة، تلاها موجة من الفوضى عمت ليبيا، بشكل غير مسبوق، وبدأ الاقتتال الأهلي يأخذ منحى خطيرا، وسالت الدماء بغزارة في طرابلس، وأعمل مرتزقة أنقرة السلب والنهب والحرق في جميع أحياء العاصمة، ويبدو أنها كانت تعليمات عصابة أنقرة، التي نقلها أعضاء حكومة الإنقاذ للجماعات والميليشيات لاستمرار الفوضى والانقسام في ليبيا.
سيطرت حكومة الإنقاذ عبر ميليشياتها الإرهابية على عدة مناطق، في غرب وجنوب ليبيا، خلال عام 2015، ونجحت في استمالة عدد من جنود الحرس الرئاسي الليبي، والذين أعلنوا انشقاقهم بالفعل، وهو الخبر الذي انفردت به وكالة الأناضول التركية الرسمية، لتزداد وتيرة الفوضى وأعمال الاقتتال في الشوارع.
ورغم إعلان حكومة الإنقاذ الليبية، في 5 أبريل 2016، تخليها عن السلطة، وإفساح المجال لحكومة الوفاق، لتسلم الحكم، إلا أن عددًا من أعضاء المؤتمر الوطني والحكومة سيطروا على بعض مقرات المجلس الأعلى للدولة، في طرابلس، في 14 أكتوبر 2016، لتعود حكومة الإنقاذ لواجهة الأحداث.

توزيع أدوار
ظهر خليفة الغويل في مقطع فيديو، انتشر على صفحات حكومة الإنقاذ والميليشيات الموالية لها، في أكتوبر 2010، وهو يلقي بياناً من داخل قصر الضيافة الرئاسي في طرابلس، أعلن فيه إحكام السيطرة على طرابلس، وألمح إلى وقف عمل حكومة الوفاق الوطني، والاندماج الكامل معها، حتى الاستيلاء على حكم ليبيا.


ووفق "سي إن إن" فإن حكومة الإنقاذ الليبية، بقيادة خليفة الغويل كانت بالفعل تمارس مهامها من داخل طرابلس قبل 2014، ما يكشف علاقتها بحكومة الوفاق، التي يتولى أمورها فائز السراج، الموالي لتركيا، والمدافع عن سياسات إردوغان ومصالح أنقرة في ليبيا.
في كل تحرك لحكومة الإنقاذ، كانت تترك وراءها عشرات القتلى والمصابين، وتنشر الرعب والفزع بين المدنيين في مدن ليبيا، لفرض نفسها بقوة سلاح الميليشيات الإرهابية.

دعم الفوضى
جددت تركيا دعمها للإرهابيين في طرابلس، منتصف عام 2016، وصرح وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو، بأن أنقرة تريد أن تكون أول بلد يفتتح سفارته في طرابلس، حيث تسببت الاشتباكات التي أشعلتها ميليشيات حكومة الإنقاذ في إغلاق جميع السفارات في العاصمة.

وقال أوغلو في مؤتمر صحافي في طرابلس يوليو 2016، إن أنقرة ستعمل على إعادة إعمار ليبيا من جديد، مشيرا إلى أهمية دور الشركات التركية في هذا الجانب، خاصة في قطاعات النقل والاتصالات والطاقة، التي تعد أولوية للمواطنين، في الوقت الحاضر.
كما أعلن أيضا أنه بحث إعادة رحلات الطيران المباشرة للخطوط الجوية التركية بين إسطنبول وطرابلس، مؤكداً أن حكومة بلاده بصدد اتخاذ إجراءات تسهل حصول المواطنين الليبيين على التأشيرة التركية، وأنه إذا تحقق المستوى المطلوب من الأمن في طرابلس، فإن حكومة أنقرة ستمنح التأشيرة لليبيين بالمنافذ الجوية التركية.
وبعد ذلك سيطر الغويل بشكل رسمي على مقرات وزارية في طرابلس، لتنحية حكومة الوفاق الوطني ( المدعومة من الأمم المتحدة) وتصدر المشهد في طرابلس، حيث تريد تركيا أن يكون لها أكثر من ذراع، لتنفيذ أجندتها السياسية والاقتصادية، لذا تستفيد من حكومة السراج المعترف بها دوليا، وتطلق يد ميليشيات حكومة الإنقاذ لترويع الآمنين.
محمد شوبار صحافي  ليبي، قال إن القوات التابعة لحكومة خليفة الغويل، غير المعترف بها دوليا، اقتحمت مقرات وزارات العمل والتأهيل، والدفاع، والعدل، وكذلك وزارة الشهداء، وأعلنت سيطرتها عليها.


وفي نهاية عام 2016،  أصدر مكتب النائب العام الليبي أوامر للقبض على خليفة الغويل، ونائب رئيس المؤتمر الوطني، سليمان عبد الصادق، لارتكابهما جرائم، وتورط مجموعات يديرونها في قتل المدنيين، وإثارة الفوضى.
كما أوضح مدير مكتب التحقيقات بمكتب النائب العام، الصديق الصور، أن الأوامر صدرت بشكل واضح لجهاز البحث الجنائي، للقبض على رئيس الحكومة ونائب المؤتمر، ورئاسة الحرس الرئاسي، بوصفهم "متهمين في قضية الاعتداء على مقرات الدولة.

جرائم

تورطت ميليشيات حكومة الإنقاذ في تنفيذ عدد من الجرائم والمذابح بحق الليبيين، خصوصا كتيبة ثوار طرابلس، التي يقودها هيثم التاجوري، وتتبع اسميا لوزارة داخلية حكومة الوفاق، لكن المتحكم الحقيقي بها حكومة الإنقاذ.
وتتحكم "ثوار طرابلس" في مناطق عين زارة، وسوق الجمعة وقرقارش الواقعتين بجوار مطار طرابلس، حيث تعد من أكبر التشكيلات المسلحة بالعاصمة، من حيث الأفراد والقدرات العسكرية.
ميليشيات أخرى  في طرابلس، أعلنت ولاءها لحكومة الإنقاذ مثل "القوات الوطنية المتنقلة" التي تتحكم ببعض المناطق الساحلية غرب العاصمة، بالإضافة إلى كتيبة المرسى التي تمتلك معدات عسكرية ولوجستية مهمة، وتتواجد في قصور الرئاسة وغابة النصر، ويصل أعداد أفرادها لأكثر من 1000 إرهابي.
إضافة إلى لواء الحلبوص الإجرامي، الذي يقوده بشير عبد اللطيف، وهو فصيل متورط في عدة جرائم وعمليات دانتها الأمم المتحدة، ومؤسسات دولية كثيرة، وتعد أقوى كتيبة في مصراتة، وأكثرها تجهيزاً، وتسيطر على قصور الضيافة ومناطق أخرى، مثل غشير وصلاح الدين وخلة والفرجاني وطريق المطار، بالعاصمة طرابلس.

وقالت وكالة "هيومن رايتس ووتش" إن الاتحاد الأوروبي جدد في سبتمبر 2017 عقوبات لمدة 6 أشهر على 3 ليبيين، باعتبارهم يهددون السلام والأمن والاستقرار في ليبيا، ويعرقلون جهود المصالحة، على رأسهم خليفة الغويل، ونوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام.


المنظمة الدولية أشارت أيضاً في تقريرها المنشور بعنوان "ليبيا أحداث عام 2017" إلى جرائم الإعدامات الجماعية ، والتمثيل بالجثث، وقتل المدنيين، وحرق وتدمير المباني الحكومة، والتي حدثت بسبب فوضى طرابلس، التي أشعلتها عصابات حكومة الإنقاذ.

تنظيم داعش
علاقة حكومة الإنقاذ بتنظيم "داعش" واضحة ولا يمكن إخفاؤها، والسياسي الليبي محمد المحريزي، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، والذي كان متحدثاً باسم المجلس الانتقالي الليبي في 2012، ثم انتقل إلى طرابلس للعمل في الخفاء مع ميليشيات حكومة الإنقاذ،  صرح في عام 2017 بأنه يجب الدفاع عن داعش.
المحريزي قال في تغريدة على حسابه بموقع تويتر، بعد إعلان الجيش الوطني الليبي عن تحرير مدينة صبراتة من عناصر التنظيم الإرهابي "درنة، مصراتة، بنغازي، لماذا تصديتم لكتائب القذافي، وطردتم الدواعش وحاربتموهم، وهم أنصار لنا".
كما أعلن مجلس شورى ثوار بنغازي، الذي يظهر دائما تأييده لكل تحركات حكومة الإنقاذ بطرابلس، في يناير 2017، أنه حزين للغاية بعد انسحاب داعش من عدة مواقع، مثل حي الصابري والعمارات الصينية، وطالب بعودتهم مرة أخرى لمقاومة الجيش الليبي وفق روايته.

أموال الشعب الليبي
وفقا لوسائل إعلام ليبية فإن صديق الكبير، محافظ مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، وأحد صقور جماعة الإخوان في ليبيا، ومراقب عام الجماعة، الذي يحمل الجنسية السويسرية، مكن إردوغان من ابتلاع أموال الشعب الليبي.
وفي سبتمبر 2017، كشفت قناة "218" الليبية عن محاولة سرقة أموال البنك المركزي وإرسالها إلى أنقرة، حيث كشف تفاصيل المؤامرة، شخص يدعى عبدالله العنزي، من جمهورية بنين غرب إفريقيا ،طلب منه شحن حمولة صناديق تقدر حمولتها بـ56 طن إلى السودان، تمهيدا لتهريبها إلى تركيا .

.

الحمولة الضخمة جعلت العنزي يشك في محتواها، وبعد فحصها، تبين أنها تحتوي على ما يُقارب 25 مليون دولار،  من مطبعة المصرف المركزي الليبي، ومخزنة في مستودعات جمارك جمهورية بنين، وتمكنت المخابرات الليبية من التدخل، وأعادت الأموال قبل تهريبها.
ووفق صحيفة "المتوسط الليبية"، فإن "جماعة الإخوان المسلمين حولت ملايين الدولارات إلى الليرة التركية، في إطار جهود مكثفة يقودها الليبي علي الصلابي في طرابلس، كما تعمل الجماعة عبر وسائل إعلامها على ترويج أخبار، تدعو الليبيين لتحويل الدينار الليبي إلى أنقرة".
وأضافت "ورغم أنه من الصعب التأكد من قيمة تلك التحويلات المالية، إلا أن سيطرة قيادات إخوانية على مفاصل مهمة في الاقتصاد الليبي، بما فيها المصرف المركزي، قد يسهل تلك الجهود، إضافة إلى وجود ودائع للبنك المركزي بالدولار الأمريكي في أنقرة، وحصص في بعض البنوك التركية، وسط مخاوف من تحويل تلك الأرصدة المملوكة للشعب إلى الليرة، ما قد ينعكس سلباً على قيمتها، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعانيها نظام إردوغان وتدهور عملته المحلية.

Qatalah