يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن مراد الأول- ثالث سلاطين الدولة العثمانية - وهو يفكر في تكوين كتائب مسلحة تدين له بالولاء المطلق والخضوع التام يظن أن فرق الإنكشارية ستنقلب يوما على الدولة، وتتلاعب بحكامها، وتفرض سيطرتها الكاملة على مقاليد الحكم، وتصبح السيف المسلط على رقاب الحكام والعباد على حد سواء، لتقود الدولة من الانتصارات العسكرية إلى هزائم لم تنته إلا بسقوط الدولة.

التكوين
فشل مراد الأول في إحكام قبضته على جيش المرتزقة التركماني الذي تعامل مع المعارك التي يخوضها السلطان على أنها تجارة مربحة، اهتموا بالغنائم، وباتوا يتعاملون كمرتزقة حروب يتنقلون بين أيادي من يدفع لهم أكثر، وتحالفوا مع الولايات المنافسة لآل عثمان في أرجاء الأناضول، وأثبتوا خيانتهم للدولة طبقا لما ذكره المؤرخ خليل إينالجيك.

من هنا جاءت الحاجة في سبعينيات القرن الرابع عشر لفرق عسكرية جديدة تجمع بين الولاء المطلق لآل عثمان والكفاءة الكاملة في القتال، والتي تكونت من أسرى الحرب ونظام "الدوشرمة" الذي أشارت إليه دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية، بأن الصدر الأعظم قرة خليل خير الدين باشا الجاندرلي كان أول من وضع النظام الجديد تنفيذا لأوامر سيده مراد الأول.

الدوشرمة 
قامت فكرة الدوشرمة على انتزاع أطفال الأسر المسيحية من المناطق الخاضعة للسلطة العثمانية من أحضان أمهاتهم، وإدخالهم في منظومة تربوية صارمة، يجبرون فيها على اعتناق الإسلام، ويخضعون لتدريبات عسكرية قاسية ترفع من قدراتهم البدنية حتى يتفوقوا على أقرانهم التركمان والجيوش المعادية.

عزل العثمانيون الإنكشارية عن تأثيرات الحياة العامة، وحرموا الزواج الشرعي على أفرادها، ومنعوهم من العمل بالتجارة أو تملك الأراضي والعقارات، لتصبح مهمتهم هي القتال فقط حتى نهاية العمر.

علاقة السيد بالعبد
خضعت عمليات أسلمة الإنكشارية لمبادئ التصوف العثماني، والذي نشأ من تزاوج السلطة مع الطريقة البكتاشية التي تفوح منها رائحة التشيع وبقايا معتقدات شامانية وثنية ارتبطت بالقبائل التركية قبل اعتناق الإسلام، عندما سكنت سهول آسيا الوسطى. 

التصوف العثماني _ والذي عرض له جون كيري عرضا شاملا _ قدم بانحرافاته العقائدية وسيلة للسلاطين مكنتهم من التعامل مع الجند الإنكشارية من خلال ثنائية السيد والعبد، وهي الطريقة التي لعب فيها مشايخ البكتاشية دور الوسيط، فأدخلوا كل إنكشاري منذ نعومة أظافره في فلك معتقداتهم التي اتخذت من السلطان مفوضا إلهيا يجب الفداء من أجله بالدم، وحولته إلى زعيم دنيوي مقدس، يمتلك سلطات لا محدودة، خيانته خيانة للدين ومخالفته مخالفة لصحيح الشرع، بل أعلت من شخص السلطان في فترة من الفترات إلى مرتبة "المهدي المنتظر" كما حدث مع "محمد الفاتح" في أعقاب استيلائه على القسطنطينية.

التضخم العددي 
2000 جندي أول دفعة للإنكشارية انضمت للجيش العثماني في معركة كوسوفو في العام 1389، والتي جرت بين السلطان مراد الأول والقائد الصربي لازار، وانتهت بالانتصار الساحق للعثمانيين بفضل القوات الجديدة، ما دفع السلطان إلى العمل على تجنيد المزيد منهم.

تضخم العدد في السنوات التالية مع اتساع رقعة الدولة، ليرتفع في منتصف القرن الـ15 تحت حكم السلطان محمد الفاتح إلى خمسة آلاف جندي، وضاعف السلطان نفسه الرقم قبل وفاته في العام 1481، بحسب ما ذكرت دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية، ليصبح قوام الجيش الإنكشاري 12 ألفا في منتصف القرن السادس عشر، إضافة إلى ثمانية آلاف مستجد يتم تدريبهم تمهيدا لإلحاقهم بأقرانهم من ذوي الخبرة والتمرس في الحرب. 

تنوع تسليحهم بين النشاب والرماح والسيوف، وبدأوا يستخدمون البارود والأسلحة النارية منذ عهد السلطان مراد الثاني الذي منحهم التفوق النوعي طوال المعارك التي خاضوها سواء في أوروبا أمام قادة البلقان أو الهابسبورج حكام الإمبراطورية الرومانية المقدسة، أو في الشرق أمام الصفويين والمماليك. 

سيف على رقاب الرعايا
أطلق السلاطين أيادي الإنكشارية في ارتكاب المذابح وأعمال النهب، فاكتسبوا سمعة دموية مرعبة في كل حملة عثمانية خرجوا على رأسها، ولم يقتصر الخوف منهم على خصوم الدولة فقط، بل طال العاصمة وسكانها وسائر الأقاليم العثمانية التي تواجدوا فيها كحاميات عسكرية أو حتى كولاة (مثل ولايات مصر و تونس والجزائر). 

استخدم آل عثمان من بينهم فرقا للقيام بمهام شرطية ومطافئ وحرس ليلي في إسطنبول، فتحولوا إلى مصدر تهديد لسكان المدينة بدلا من أن يكونوا سببا في أمنهم، وقد ذكر سعيد أحمد برجاوي في كتابه "الإمبراطورية العثمانية..تاريخها السياسي والعسكري" أنه أثناء حريق 1588 الكبير في العاصمة، لم يلتزم الإنكشارية بمهمة إطفاء النيران واتجهوا إلى نهب وسلب على نطاق واسع.

الانحلال 
أفلست الحكومة العثمانية في نهايات القرن السادس عشر، فعجزت عن تدبير البارود الذي يتدرب عليه الإنكشارية مرتين في الأسبوع، فتراجعت قوتهم وانخرطوا في الانحلال على مدار ثلاثة قرون عاثوا في الأرض فسادا.

انكشف ضعف الإنكشارية في الحرب المجرية الطويلة التي خاضها العثمانيون ضد الهابسبورج بين عامي 1593 و 1606، ليسجل الصدر الأعظم ذلك في تقريره الذي أرسله من المجر إلى السلطان محمد الثالث بقوله: "لقد اتسم موقفنا العسكري بالحرج سواء في ساحات الحرب أو عند حصارنا للقلاع، لأن السواد الأعظم من جيشنا من الخيالة، بينما يلاقينا العدو وهو مدجج بالبارود والبنادق، والتي لا نملك سوى خبرات طفيفة للغاية في استخدامها".

ومع ذلك، فإن غبور أوغستون في دائرة المعارف العثمانية، أشار إلى أن آل عثمان عمدوا إلى زيادة حجم الفرقة الإنكشارية، كحل لمواجهة التفوق النمساوي بدلا من اللحاق بهم تقنيا، ليصل عددهم إلى 37 ألف جندي في العام 1606، ثم 50 ألفا في منتصف القرن السابع عشر، تلك الزيادات استلزمت تغييرا جذريا في طرق التجنيد بعد أن وقف نظام الدوشرمة عاجزا أمام تلبية الرغبة العثمانية الجديدة، وبالتالي فتحت أبواب الفرقة أمام الأتراك وغيرهم من المسلمين.

أهلكت رواتب الإنكشارية ومكافآتهم الخزانة العثمانية منذ تسعينيات القرن السادس عشر فتخلى السلاطين عن الشروط الصارمة القديمة، وأتاحوا لهم العمل بالتجارة، فهجم قادة الفرقة على المحال يمتلكونها بعد إعفائهم من الضرائب طوال القرن الثامن عشر، وفتح الباب أمامهم للزواج وتكوين الأسر، فغادروا المعسكرات وأقاموا في المدن وباتت رغبتهم في البقاء إلى جوار ذويهم أقوى من أي دافع للخروج في حملات القتال العثمانية طويلة الأمد.

لعبة العرش
أدركت الفرق الإنكشارية حجم قوتها عندما ساندت سليم الأول، الذي دخل في صراع مع والده السلطان بايزيد الثاني وبقية إخوته، لتخوض سلسلة طويلة من التدخلات المباشرة في لعبة العرش العثماني انحازوا فيها إلى أمراء ضد آخرين، وتلاعبوا بحريم القصر لتدعيم طرف ضد آخر، وحسب لهم الصدر الأعظم ألف حساب، فكانوا أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في شؤون الدولة التي خضعت لسيفهم، وهي الحقبة التي لم تنته إلا بعد تفكيك فرقتهم في القرن التاسع عشر.

المكافآت المالية الكبيرة التي ينالها الإنكشارية مع تنصيب كل سلطان جديد تسببت في تمردهم وانقلابهم عند أي بادرة لتأخير صرفها، ويعتبر ما حدث عند تولية سليم الثاني مثالا بارزا على ذلك، فقد أجرى حفل تنصيبه في إسطنبول بينما جيشه ووزراؤه لا يزالون في المجر، ولما لحقهم إلى هناك، أقام الإنكشارية حفل تنصيب جديد لينالوا المكافأة المعتادة، فلما رفض أعلن الجند تمردهم في أعقاب عودتهم إلى العاصمة، وطعنوا في شرعيته فاضطر للرضوخ إلى مطالبهم.

وصل التمرد من أجل المال إلى أقصى مدى في القرن السابع عشر، ففي العام 1623 تولى مراد الرابع الحكم، وفي غضون ست سنوات، أبلغ الصدر الأعظم قادة الإنكشارية أن خزانة الدولة فارغة، وأنه لا يمكنهم الحصول على رواتبهم المعتادة، فاقترحوا عليه صهر التحف الذهبية والفضية في قصر طوب قابي ثم سكها عملات يصرفون منها، كان رضوخ السلاطين لنزوات الإنكشارية سبيلا لهيمنتهم على شؤون الدولة.

خاتمة الإنكشارية
أبدى السلاطين من آل عثمان رغبة عميقة في الحد من نفوذ فرق الجيش، ونزع الصلاحيات الواسعة الممنوحة للعسكر الإنكشاري، وطرح السلطان سليم الثالث مشروعه تحت اسم "نظام جديد" في محاولة يائسة منه للحاق بركب العسكرية الحديثة في غرب أوروبا التي أذاقت العثمانيين هزائم مرة، فأشعل الإنكشارية إسطنبول بعمليات تمرد دموية انتهت بقتل السلطان ذاته في العام 1807م.

النهاية المأساوية لسليم الثالث أجبرت خليفته السلطان محمود الثاني، على تجنب أخطاء سلفه المقتول، فأعد العدة للتخلص منهم على مدار 20 عاما كاملة، ظل فيها يمهد للصدام النهائي بتشكيل فرقة عسكرية تتفوق في قوتها على العسكر الإنكشاري.

أعلن رسميا تحديث الجيش العثماني في العام 1826م، ليبدأ الإنكشارية في إشعال تمردهم كالمعتاد، ولكنهم وجدوا أنفسهم هذه المرة في مواجهة ما يقارب 12 ألف جندي عثماني مسلحين بقوة المدافع، ودارت حرب شوارع إسطنبول قتل فيها 6 آلاف إنكشاري، وتم التخلص من بقيتهم تباعا، لتكتب بذلك نهاية درامية لفرقة أراد لها العثمانيون أن تكون سوطا على الرعية فألهبت ظهورهم بالغدر والطعنات.

Qatalah