يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


استحدث العثمانيون نظام الدوشرمة "ضريبة الغلمان" في عهد السلطان مراد الأول، الذي سمح لنفسه بخطف أبناء شعوب البلقان، بحجة تجنيدهم للدفاع عن السلطنة، وتمادى الأتراك في جريمتهم وجمعوا أكثر من 12 ألف طفل سنويا، وجندوهم لمحاربة أشقائهم في الدين والعرق، لكن الجانب الآخر من القصة استخدامهم في أعمال السخرة للإقطاعيين.
الباحثة إيرينا بيتروسيان في كتاب "الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية" ذكرت أن السلطان كان يصدر فرمان بتحصيل "الدوشرمة" السنوية، ويلزم الولاة والإقطاعيين باعتقال أطفال القرى في البلقان، لحين اختيار الذين تنطبق عليهم المواصفات، وفرض على كل قرية تقديم الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والعاشرة. 
بيتروسيان أضافت "لم يكن تجنيد الدوشرمة لمصلحة ملاك الأراضي الزراعية، إذ كان سببا في نقص الأيدي العاملة من الرجال، لاسيما إذا لم يكن للفلاح ولد غير المخطوف، وتناقصت أعداد سكان قرى البلقان من الذكور، حتى أن بعضها خربت بعد أن عجزت عن زراعة أراضيها". 
الموظفون الأتراك المكلفين بجمع ضريبة الدوشرمة أظهروا جشعهم، فبالإضافة للأموال التي استولوا عليها كرشوة من الأهالي لترك أطفالهم، جمعوا مئات الغلمان أكثر من العدد مطلوب، وقسموا الأعداد فيما بينهم، واستحوذ أغا الإنكشارية على نصيب الأسد، واستغلوهم بتسخيرهم في الزراعة والإنشاءات بإقطاعياتهم في الأناضول.
 
عبيد الأناضول
بمجرد وصول ضحايا الدوشرمة من أطفال البلقان إلى إسطنبول يجري فحصهم وفرزهم حسب أوصافهم الجسدية، وكان الصبية حسان الوجوه يعملون في القصر بوظيفة تدعى "إتش أغلان"، أما ذوي البنية القوية يوظفونهم "بوستانجي" في رعاية بساتين السلطان وحراستها.
الأطفال ضخام الأجسام من أبناء الفلاحين جرى تخصيص جزء منهم للعمل في خدمة كبار رجال الدولة، كالوزراء وقادة الجيش، وتذكر الباحثة ماريا بيا بيداني في كتابها "البندقية بوابة الشرق" أن "أغوات الإنكشارية والخصيان استثمروا أموالهم في شراء الأراضي، بخلاف المساحات الشاسعة التي منحها لهم السلطان، وأشهرهم غضنفر أغا الخصيان البيض، والذي امتلك 1300 من العجم، سخرهم في زراعة إقطاعياته وتشييد قصوره".
 
ذكرت إيرينا بيتروسيان أنه "بمجرد وصول الأطفال إلى العاصمة، يجري إجبارهم على دخول الإسلام وتلقينهم الشهادة، ثم يفرزهم رئيس الإنكشارية، ويختار حسان الوجوه للقصر العثماني، بعدها يُرسل الباقين للأناضول، ويعملون بناء على نصيحة القائد العسكري التركي تيمورتاش باشي لدى الأسر الإقطاعية، ليعانوا السخرة قبل تجنيدهم، وعلى الجانب الآخر هناك صبية بيعوا في الأسواق للراغبين في الحصول على عمال عبيد".
اعتبر العثمانيون أن أبناء البلقان عبيدا لديهم، ووزعوا الآلاف منهم على مزارع الإقطاعيين في الأناضول، كما باعوا آلاف الآخرين في القرى التركية، بحيث امتلك كل فلاح عدد من الدوشرمة يتراوح بين 3 إلى 5، وجرى تعليمهم التركية ثم وضعهم في سجلات خاصة كعبيد بحوزة العائلات.
تمتعت الطريقة البكتاشية برعاية سلاطين آل عثمان، لذلك اختصوها بنسبة كبيرة من غنائم الحروب، كما منحهم السلاطين مساحات شاسعة من الأراضي كأوقاف، ولم يكتفوا بذلك بل اختصوهم بالمئات من الدوشرمة للعمل بالسخرة، وبلغ عددهم 8500 طفل في عهد سليمان القانوني، وتحولوا إلى أقنان لدى مشايخهم، وأطلقوا عليهم "عبيد مولانا".
 
عبيد إسطنبول
ذكر سفير البندقية في إسطنبول برناردو نافادجيرو أن "الأطفال الذين بيعوا للفلاحين عملوا دون مقابل، وكان الأتراك يعاملونهم على أنهم عبيد، ولو أنهم شرعا لم يكونوا كذلك، وبعد أن يخدموا مدة تصل إلى 10 سنوات حسب احتياجات السيد، كانوا يعودون إلى العاصمة العثمانية، هذه المرة كان الفتيان مسرورين بذلك لأنهم يتخلصون من رقهم ومن السخرة".
قضى الضحايا سنوات شبابهم في خدمة السلاطين والإقطاعيين، ثم تبدأ مرحلة جديدة من السخرة في إسطنبول، إذ لم ينضموا مباشرة إلى صفوف الإنكشارية، بل كانوا يقدمون إلى أحد الأغوات (أغا إغلان العجم)، وهو رئيس كل العبيد العجم العاملين في العاصمة، يسكنوا في ثكنات خاصة ويتقاضون على أعمالهم أجورا زهيدة.
كان الضحايا الموجودون تحت قيادة الأغا الإسطنبولي يسكنون في ثكنات بنيت لهم خصيصا، وينقسمون إلى 30 بيلوك "فرقة"، وعملوا في بناء المنشآت العامة وترميمها، فكانوا يفرغون شحنات الحطب وغيرها من مواد البناء.
شهدت أعمالهم بعض الاستغلال من جهة موظفي الفيلق الإنكشاري إذ تجرأ بعضهم على تسخيرهم لمصالحهم الشخصية، وقد ضربت عاصفة رعدية شديدة ضواحي إسطنبول تلتها سيول غزيرة تحطمت على أثرها الجسور، فأمر السلطان سليمان القانوني بتشغيلهم في ترميمها دون أجر.
جرى تسخير بعضهم للعمل في بناء السفن الحربية بعد هزيمة الأسطول العثماني في معركة ليبانتو عام 1571، لاسيما بعد أن أصبحت إسطنبول مهددة من أساطيل أوروبا.
بعث العثمانيون مئات الدوشرمة لقضاء سنوات سخرتهم بالورش الحكومية لصناعة الأسلحة، إذ كانوا يسجلونهم عبيد عند المدفعيين، وفي العادة كان مدير الورش في إسطنبول طوبجي باشي يحدد للسلطان في رسالة العدد الذي يحتاجه، واستخدموهم في صهر المعادن وأعمال الحدادة  الشاقة، وتصنيع عربات المدافع "طوب عربسي".
المؤرخ الفرنسي فيليب مانسيل في كتابه "القسطنطينية المدينة التي اشتهاها العالم" ذكر أن "أغوات الإنكشارية استغلوا الآلاف من العبيد في المقاولات بإسطنبول، لاسيما بعد إصدار قوانين تحرم دخول عمال الولايات العاصمة، إذ تولى الأغوات تشغيلهم في البناء والتشييد والزراعة، وحصلوا على مبالغ مالية طائلة، مكنتهم من شراء الآلاف غيرهم من محصلي ضريبة الدوشرمة، بل ومن السلطان ذاته".
 
سخرة البيادة
استدعت الظروف السياسية الطارئة ضم أعداد كبيرة من الضحايا إلى الإنكشارية، ففي عام 1599 أمر السلطان محمد الثالث بإلحاق 1000 منهم بالخدمة الحربية، بسبب الحاجة الماسة إلى إرسال الفرق العسكرية إلى الأناضول بغية قمع تمرد حسين باشا.
لم تتغير أوضاع عبيد البلقان "أغلان أعجمي" بعد التحاقهم بصفوف الإنكشارية، إذ عملوا في خدمة أسيادهم الجدد من الجنود، يقومون بالأعمال المنزلية في الثكنات العسكرية، ويقضون يومهم في تنظيفها ومسح الأحذية وغسل الأواني، وقطع الحطب وتجهيز الطعام نهارا، وإضاءة المصابيح ومشاعل التدفئة ليلا.
 
ضحايا السخرة
الأشغال الجسدية الشاقة والتوتر العصبي بسبب الانقطاع الأبدي عن الأهل والاضطرار إلى استيعاب البيئة العرقية والدينية والثقافية الأخرى، أدت إلى تدهور حالتهم الصحية والمعنوية، فكان البقاء منهم للأقوى، وارتفعت نسبة الوفيات بينهم، وكثيرا منهم حاول الهروب من الخدمة في الجيش الإنكشاري.
كان الأطفال الضحايا يرزحون سنوات عدة تحت أعمال جسدية لا علاقة لها بالخدمة العسكرية، لذلك كانوا يسعون بشتى الوسائل للانضمام إلى فيلق الإنكشارية، لاسيما وأن الجنود يتقاضون الأجور ويتمتعون بمنزلة اجتماعية عالية ونفوذ، ويتدرجون في المناصب حتى وصل بعضهم لدرجة الصدر العظم.

Qatalah