يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


هل لي أن أطلع على أوراقك سيدي؟ نعم .. تفضل. أهلا بك سيد كافالا في مطار أتاتورك. شكرا لك. ظل الضابط يُقلّب في باسبور الرجل بعناية، وفجأة أشار لمساعديه وقال بصوتٍ حاد : اقبضوا عليه. سأله: ما التهمة الموجهة إليَّ؟  ستعرف كل شيء، في مكتب التحقيقات.
ظل الرجل المنهك، في غرفة مظلمة، لا تليق بآدمي، وبعد ساعات استدعي، فجاء، بخطى مثقلة من التعب، وقف مكبل اليدين، أمام المحقق، الذي كان يجلس بعنجهية، وتتصاعد مع بخار فنجانه نظرات الاستعلاء، وهو يحملق في كافالا من أسفل إلى أعلى.

تهمته مدونة في ورق جرائد النظام  
لم يبادره بسؤال، وحين قال كافالا: ما تهمتي؟ أخرج الضابط - دون رد - حزمة جرائد موالية لإردوغان، وظل يتلو عناوين لتقارير صحافية،  تتكهن بتورطه في مسرحية الانقلاب الفاشلة، التي جرت فصولها منتصف يوليو 2016، و قلب نظام الحكم وانتهاك الدستور، وتمويل منظمات بالتجسس، وأنه كان محرضا على اعتصامات معادية للحكومة، وأحد النشطاء البارزين في حقوق الإنسان، الذين يضمرون عداوة للنظام التركي. 
ابتسم كافلا وقال: هل معكم دليل غير هذه الأوراق؟ لم يجبه الضابط، وضغط على زر، يجلس على لوحة زجاج مكتبه، بشكل متواصل، فجاءه أحد المساعدين مهرولا، وقبل أن يُلقي عليه التحية العسكرية  أمره صارخا: إلى السجن.  
عام مرّ على هذه الواقعة، التي حدثت مع أكبر ناشطي المجتمع المدني في تركيا ورجل الأعمال، ومالك صحيفة بيرجون، في مطار أتاتورك بإسطنبول، فور عودته من اجتماع في غازي عنتاب بجنوب شرق البلاد. 



الثري الذي أهانه إردوغان 
ولد عثمان كافالا بباريس، لأسرة ثرية، عام 1957، ودرس الاقتصاد بجامعة مانشستر بإنجلترا، وأبوه رجل الأعمال الشهير محمد كافالا صاحب مجموعة "كافالا" ذائعة الصيت في أوروبا، وبوفاة والده عام 1982 انتقلت إليه ملكيتها، كما يحظى بعضويات في العديد من المنظمات الاجتماعية، مثل المركز الديموقراطي لدول جنوب شرق أوروبا، والمجلس التركي اليوناني، ومعروف عنه التبرع للمؤسسات الخيرية. 
لم يهنأ نظام إردوغان بفعلته مع كافالا، وتصاعدت نبرات الاحتجاجات، والتصعيد الإعلامي تنديدا بالخطوة داخل تركيا وخارجها، ومن جانبها نددت كاتي بيري مفوضة تركيا في البرلمان الأوروبي بهذا الإجراء، بتغريدة على صفحتها بتويتر وقالت: "احتجاز عثمان كافالا في تركيا أمر مقلق للغاية، سأتقدم بطلب نداء عاجل إلى البرلمان الأوروبي لإطلاق سراحه".
بينما أرسل ممثلو البرلمان الأوروبي خطابا إلى وزارتي الخارجية والعدل في أنقرة، وطالبوا بإطلاق سراح كافالا، مؤكدين أن اعتقاله يعد هجوما غير مبرر على المجتمع المدني، مطالبين بضمانات فعلية لتأمين عمل المنظمات داخل تركيا. 

أصدقاؤه يتضامنون بوقفة 
كما نظم أصدقاء كافالا من الفنانين والعاملين في المنظمات الثقافية وقفة تضامنية أمام سجن سيليفري المحتجز فيه، حسب صحيفة حرييت التركية، وقال بعضهم للصحيفة إنهم نظموا الوقفة تضامنا مع المعتقل دون ذنب، ودعما لكل المحبوسين المحرومين من حرياتهم بغير اتهام. ونددوا بقهر إردوغان للمعارضين بتهم باطلة مطالبين المجتمع الدولي أن ينظر لهذه الجرائم ويضعها في عين الاعتبار.
 

مكالمة مدتها 93 ساعة!
انتفاضة صحافية قادتها أقلام تدافع عن كافالا من كُتَّاب في إسطنبول كان منهم التركية اليسارية هايلي أكاي التي انتقدت تلفيق التهم للرجل وقالت بإحدى مقالاتها الذي جاء بعنوان "عيد ميلاد سعيد عثمان كافالا": لدينا فقط نظريات المؤامرة التي تنشرها وسائل الإعلام الموالية للحكومة، التي ربما تستند إلى معلومات ينشرها جهاز الأمن التركي، وهذا يعني مرة أخرى أنه يتعين علينا الرد على كلام فارغ.
وتابعت  هايلي: على سبيل المثال، أحد الاتهامات هي أن كفالا تحدث عبر الهاتف لمدة 93 ساعة مع الأكاديمي الأميركي هنري باركي، المتهم بالتآمر في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، لمجرد أنه كان في جزيرة قبالة إسطنبول في يوم المحاولة العسكرية للإطاحة بالرئيس إردوغان. قالت: "السلطات لم تقدم أية تسجيلات أو نص لتلك التسجيلات".
كما لم يصمت المحامي الخاص بكافالا على هذه الاتهامات، حيث نشر تكذيبا للمعلومات الواردة في صحيفة صباح الموالية للنظام، وقال في صحيفة ديكان إن موكله لم يتحدث مع باركي، ووصف هذا النوع من التلفيقات بأنها تنتهك خصوصية التحقيقات، وحين تصاعدت نبرات الاعتراض على اعتقاله بتركيا قالت الشرطة إنه تم اعتقاله بناء على تحقيق سري!

أفرجوا عنه  مثل القس الأميركي  
ومن جانبه قارن الكاتب الصحافي عبد القادر سلفري بين اعتقال كافالا  واحتجاز القس الأميركي أندرو برانسون، وكتب في جريدة "حرييت" التركية: يمكننا أن نفعل الشيء نفسه مع كافالا باستخدام علاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي، خاصة أنه لا توجد أية مذكرة اتهام رسمية بحقه، وأنا أرى أن إخلاء سبيله لن يستغرق وقتا طويلا.
ينتظر كافالا مذكرة الاتهام منذ عام على اعتقاله، وقال في رسالة مهربة من داخل محبسه "سوف أرى العدالة للدفاع عن نفسي، أنا أنتظر هذا اليوم"، وترى المنسق العام لمؤسسة الأناضول الثقافية أثينا جونال أن "استمرار القبض على كافالا دون مذكرة اتهام يكشف أن الأمر لا يعدو أن يكون مساومة سياسية".
المحامي التركي الشهير تورجوت كازان قال لصحيفة صول إن "كافالا يعامل داخل السجن معاملة الأسرى دون تهمة، ما يظهر دولة القانون في ركود غير مقبول"، مشيرا إلى أن ذنبه الوحيد أنه لم يحمل جواز سفر آخر "يضمن إخلاء سبيله 40 مرة".

Qatalah