يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


24 عاما أمضاها شيخ الإسلام في مخالفة الشريعة الإسلامية ليرضي نزوات سلاطين القصر، فأفتى بقتل الإخوة، وأباح معاشرة الجواري والغلمان، وأجاز سفك دماء المعارضين، وحلل التصوير للأمراء وحرمه على الرعية، وبارك استبدال قوانين أوروبا المتمردة على الدين بفتاوى فقهاء السلطان.

وسوس في أذن مراد الثاني فنصبه شيخاً للإسلام 
تدحرج فخر الدين إلى القصر في وقت كان فيه مراد الثاني في أشد الحاجة لرجل دين يوطد سلطته بعد أن طالت فترة حكمه، ودب الخلاف بين أولاده على خلافته، تقرب من السلطان وعرض عليه مجموعة من الآراء الفقهية التي تمكنه من تكفير المعارضين، فوجد مراد في فخر الدين عصا يتوكأ عليها ويهش بها كل من يحاول سحب البساط من تحت قدميه.
دبر فخر الدين مؤامرة للتخلص من منافسه شيخ الإسلام الملا يكان أفندي، حرض السلطان عليه زاعما أن الملا يعارض سياسته بين الناس، ويشكل خطرا على استمراره في الحكم، فصدر الأمر بعزل يكان أفندي ونفيه خارج البلاد، وتعيين فخر الدين أفندي شيخاً للإسلام في العام 1436، لتبدأ مؤسسة الإفتاء عملها في ترسيخ دولة الظلم، عبر مجموعة من الفتاوى الحمراء التي ملأت القصر بالدماء وأغرقت البلاد في المذابح.
تخلى فخر الدين سريعا عن ولائه لمراد الثاني بمجرد أن لمع اسم الأمير محمد من بين أبناء السلطان، ورجحت كفته، فالتقاه سرا وعرض عليه خدماته، شجعه على عزل والده ونفيه إلى ولاية أيدين، وتنصيب نفسه سلطانا على الدولة في العام 1444، لكن تحالف الشر لم يستمر طويلا، إذ تعرضت الدولة لاعتداءات من المجر هددت بإزالتها من الوجود، فعاد الشيخ ليقنع الابن بالتراجع خطوة إلى الوراء وإعادة أبيه إلى العرش بعد عامين.

أقنع محمد الثاني بقتل إخوته قبل دفن أبيه
انتهز شيخ الإسلام فرصة وفاة السلطان في العام 1451 ليستكمل ما بدأه مع محمد الثاني، دخل على الأمير غرفته - وهو يستعد للعزاء - بفتوى تجيز له قتل إخوته وأولادهم حتى لا ينازعه أحد على السلطة، وهي الفتوى التي أطلق عليها  "القتل سياسة" وتلقاها محمد الثاني كهدية، ونفذها على الفور، ولم تمر ساعة واحدة إلا وكان السلطان الجديد قد أزهق أرواح عشرات الأمراء.
بـ "القتل سياسة" شرع فخر الدين  قتل الإخوة والأبناء، وجعلها السلطان أحد مواد القانون العثماني ونصت على: "إذا تيسرت السلطنة لأي ولد من أولادي فيكون مناسبا قتل إخوته في سبيل تأسيس نظام العالم، وقد أجاز هذا معظم العلماء، فيجب العمل به".
وسع "شيخ الإسلام" دائرة سفك الدماء لتشمل المعارضين بفتوى أخرى أطلق عليها "البغي" تجيز قتل المنافسين له على العرش، معتبرا كل تمرد أو طموح في السلطة جريمة ووصف مرتكبيها بـ "الباغين"، وحدد في فتواه العقوبة بالإعدام ولو كان المتهم طفلا صغيرا، وتذكر المصادر التاريخية أن السلطان مراد الثاني أنجب من زوجته خديجة خاتون أميرا اسمه أحمد، وحصل من فخر الدين على فتوى تبيح قتله بعد فترة قصيرة من جلوسه على العرش.
ولم يسلم الصدر الأعظم خليل باشا جاندارلي من فتاوى القتل، إذ خشي محمد الثاني من شعبية عائلة جاندارلي التي ضمت صفوة سياسية مثقفة من الطراز الأول، فلجأ إلى شيخ الإسلام الذي أهدر دمه، وأشرف مع محمد الثاني على اغتياله في الخيمة السلطانية.

بعد القتل.. الزنا والشذوذ في غرف الحرملك "مباح" 
ماكينة فتاوى سفك الدماء باشرت عملها بنشاط عقب دخول محمد الثاني القسطنطينية، فأصدر فخر الدين عشرات الفتاوى التي مكنته من إعدام الإمبراطور البيزنطي وكبار قادة الجيش وصفوة رجال المدينة، إضافة للسماح له بأخذ نسائهم جواري له.
وهب فخر الدين نفسه لإرضاء نزوات محمد الثاني، بارك القوانين البيزنطية التي أصدرها السلطان تحت اسم "قانون نامه سي"، وبلغ عددها 75 تشريعا خالفت أحكام الشريعة الإسلامية من كل الوجوه، حيث أصدر فتوى تبارك تلك القوانين، وخطب في المصلين وادعى أن تلك القوانين الجديدة توافق إجماع المذاهب الإسلامية الأربعة.
عندما أصيب السلطان محمد الثاني بجنون العظمة، وأراد التشبه بملوك أوروبا في رسم صوره وتعليقها على جدران القصر، في الوقت الذي كان فيه التصوير محرما وفق إجماع شيوخ الإسلام، وجد له فخر الدين مخرجا بفتوى صغيرة قال فيها :"إن لم تكن الصورة كبيرة فلا كراهية"، وحين أرادت الرعية العمل بالفتوى رفض عجمي وأفتى بتكفير المصورين والرسامين خارج نطاق القصور العثمانية، وحذر من يقدم على ذلك بالإعدام فوق الخازوق.
بذل فخر الدين كل جهده متطوعا لإشباع شهوات السلطان، فسهل عليه إلغاء الزواج الشرعي، وأباح له معاشرة من يعشق من الجواري والغلمان، وعندما طالبه السلطان بفتوى رسمية منحه الفتوى بكل جسارة عن طيب خاطر.
مات فخر الدين في العام 1460 عن عمر يناهز الـ64 عاما ، ودفن في أدرنة بعد أن باع الدين مقابل منصبه الذي جلب عليه مالا وفيرا وسار على خطاه شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية حتى السقوط الأخير.

Qatalah