يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


 
سيرة عدنان مندريس، رئيس وزراء تركيا بين عامي 1950 و1960، حاضرة بقوة في خطاب الرئيس رجب إردوغان، ودائما يطلق عبارات التهديد للمسؤولين ، متوعدا بمحاسبة من وصفهم بالخونة.
تشابهات كثيرة تجمع بين الرجلين، خاصة نزعتهما لإقحام الدين في الدعاية السياسية، ويعتبر إردوغان مندريس مثله الأعلى، والحق فإن بين الرجلين تشابهات كثيرة، فكلاهما وصل إلى رأس السلطة عبر انتخابات ديمقراطية، ثم انقلب على تلك الديمقراطية لاحقا. 
ولد مندريس في العام 1899، في محافظة آيدين، لأسرة إقطاعية ثرية من تتار القرم، وقد تبنى العلمانية منذ كان شابا يدرس القانون في جامعة أنقرة، وبعد تخرجه، انضم إلى صفوف حزب الشعب الجمهوري الحاكم، وأصبح نائبا عن الحزب في مسقط رأسه آيدين، ولكن بعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك، دخل في صدام سياسي ضد عصمت إينونو، انتهى بطرد الأول من الحزب بصورة نهائية.  
في العام 1946، أسس مندريس الحزب الديمقراطي كجبهة معارضة لحزب الشعب الجمهوري، واعتبر أن الانتصار على ذلك الأخير لن يتم إلا باللعب على وتر الدين، بعد عقود من إقصاء هذا التيار، واختفائه من المجتمع التركي، منذ تأسيس الجمهورية في العام 1924. 
وعبر برنامج انتخابي يستخدم الدين في الدعاية السياسية لأول مرة في تاريخ الجمهورية الحديثة، نجح مندريس وحزبه الديمقراطي في الفوز بأول انتخابات حرة تجري في البلاد، في مايو 1950، وعين الرجل في أعقاب ذلك رئيسا للوزراء. 
لكن صورة الحاكم "نصير الدين" التي رسمها مندريس لنفسه، تناقضت تماما مع سياساته الخارجية، التي ظهر فيها كأكبر المتآمرين على العرب، فقد لعب الرجل دورا أساسيا في تكوين حلف بغداد، العام 1955، والذي كان موجها لحصار الجمهورية العربية المتحدة، كما أنه أصبح أول حاكم في تركيا الحديثة يدخل في علاقات سرية مشبوهة مع إسرائيل ضد العرب، وذلك من خلال الميثاق الشبح الذي وقعه مع ديفيد بن جوريون، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، في العام 1958.   
في النصف الأخير من عهده، أثبت مندريس زيف إيمانه بالديمقراطية، حيث شدد الرقابة على الصحف، وأطلق حملة للقبض على الصحافيين، ومنع خصومه من قادة حزب الشعب الجمهوري من عقد المؤتمرات، وفي أبريل 1960، كون مندريس لجنة "سنكار" من أعضاء الحزب الديمقراطي، ومنحها سلطة الضبط والمحاكمة لكل من أسماهم أعداء النظام، وكان تشكيل تلك اللجنة هو القشة التي فجرت الوضع السياسي في تركيا، وأدت إلى انقلاب عسكري في مايو 1960، قبض على مندريس على إثره، وتم إعدامه بعد عام من المحاكمة العسكرية فوق جزيرة إمرالي، بالقرب من إسطنبول، في سبتمبر 1961. 
حقق كلا من مندريس وإردوغان طفرة اقتصادية فى بداية عهده، أعقبها انهيار في سعر الليرة أمام الدولار، كما أن كليهما وثق علاقته بإسرائيل والغرب ضد العالم العربي.
 تتشابه حملة التطهير التي ينفذها إردوغان ضد خصومه، منذ مسرحية الانقلاب فى يوليو 2016، مع لجنة سنكار التي شكلها مندريس في نهاية الخمسينيات، كل تلك المقاربات لا شك أنها تجعل إردوغان يخشى أن تتدلى جثة من جبل المشنقة، فى مشهد مشابهة لنهاية سلفه الراحل.  

Qatalah