يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يسير إردوغان على خطى عدنان مندريس رئيس الوزراء التركي الراحل خطوة خطوة نحو الهاوية، هو يعد الرجل الذي كان حليفا لأميركا وإسرائيل ضد العرب منذ اللحظة الأولى، ملهما ومثلا أعلى يحتفي به في كل مناسبة، ويتباكى على نهايته الحزينة على منصة الإعدام.  
يتخذ رجب من سيرة سلفه وما تعرض له من انقلاب ومصير أسود ذريعة للهجوم على معارضيه العلمانيين،  خاصة من حزب "الشعب الجمهوري" الذي انقلب مندريس على أفكاره، بهدف نسف مبادئ تأسيس الجمهورية التركية، والعودة للعب بورقة الطائفية والشعارات الدينية خدمة للحركة الصهيونية، وبينما فشل الأستاذ نجح التلميذ الأكثر بطشا في تنفيذ المخطط وتخريب دول الجوار العربية بجماعات القتلة تمهيدا لإحياء الوهم العثماني، وإرضاء لأعداء العرب.
يدافع إردوغان باستمرار عن مندريس، ويعتبره "شهيدا قتله الانقلابيون لأنه أراد نشر التعاليم الإسلامية"، في مغالطة متعمدة لتاريخ الرجل المنقلب على أسس الجمهورية التركية التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك، رجب قال في افتتاح المركز العام لمؤسسة الشباب التركية التابع لابنه بلال، الثلاثاء الماضي: "نحن نعرف جيدا تاريخ حزب الشعب الجمهوري، ونعرف كيف أعدم عدنان مندريس وأصدقاؤه".



خيانة أتاتورك

بدأ مندريس مسيرته السياسية في حزب "الشعب الجمهوري"، وكان مفتونا بزعيمه مصطفى كمال أتاتورك، وأصبح نائبا عن الحزب في البرلمان، لكنه سرعان ما تنكر لكل هذا، وطعن القيم التي تعهد بالحفاظ عليها فور وصوله إلى الحكم عام 1950 من خلال حزبه الجديد "الحزب الديموقراطي".
دب خلاف بين مندريس وزعيم حزب "الشعب الجمهوري" عصمت إينونو عام 1945، حيث أراد زعامة الحزب ورئاسة الوزارة، ولم يجب أحد من الحزب على أطماعه، فقرر الانفصال مع 3 نواب آخرين، وأعلنوا تأسيس حزب جديد بزعامة مندريس يحمل اسم "الحزب الديموقراطي".
لم يحقق الحزب الناشئ الانتصار المأمول في الانتخابات العامة عام 1946، ولم يحصد سوى 62 مقعدا في البرلمان، لكنه تقبل الهزيمة ووضع خطة عمل للتعويض في الانتخابات التالية عام 1950، وجاءت الظروف السياسية في صف الحزب وفاز بأغلبية المقاعد ليتولى تشكيل الحكومة للمرة الأولى.



نسف الجمهورية

حاول مندريس وأصدقاؤه المنفصلون عن "الشعب الجمهوري" عبر حكومتهم الجديدة نسف أفكار القومية من رؤوس الأتراك وتشتيت هويتهم حتى لا يعارضوا تحالفاتهم المريبة في الخارج، ولضمان ولائهم للحزب في الانتخابات التالية، فأدخل المقررات الدينية واللغة العربية إلى المدارس، وأخذ يردد شعارات الدولة العثمانية البالية.
استغل الحزب دعايته السوداء وأبواقه الإعلامية لإيهام الأتراك بأن السبب وراء جميع مشاكلهم هي قيم "الشعب الجمهوري"  التي أرساها أتاتورك، وحاول تعبئة الناس ضد الحزب ومبادئ الجمهورية والتكريس لدولة إسلامية تعيد أمجاد العثمانيين المزعومة.

 



إلهاء الشعب

لم يقدم مندريس وأعوانه مشروعا تنمويا حقيقيا، بل اعتمدوا الشعارات وانشغلوا بالصراعات السياسية، معتمدين على معونات الأميركان ضمن خطة مارشال التي أعلنتها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية لتحشيد دول العالم ضد الاتحاد السوفيتي، وخصصت للخطة أكثر من 12 مليار دولار.
توقف المشروع الأميركي في منتصف الخمسينيات، وتوقفت معه التمويلات المقدمة إلى مندريس وحكومته، فباتت في وضع شديد الحرج، وسقطت البلاد في أزمة اقتصادية طاحنة انكمش فيها الاقتصاد التركي بنسبة 11%.
حاول مندريس، مثل إردوغان تماما، إلهاء شعبه بشعارات إسلامية، وإدخال البلاد في خلافات مع دول الجوار مثل اليونان، وألهب الصراع في مسألة قبرص، ما أدى إلى وقوع مذابح إسطنبول عام 1955 ضد الأقلية اليونانية بعد شائعة تفجير القنصلية التركية وبيت أتاتورك في أثينا بالقنابل.
حصل العرب على نصيبهم من مضايقات مندريس، فكلف جنوده بإثارة القلاقل على الحدود السورية بإيعاز من واشنطن لمكايدة السوفييت عبر حليفتهم دمشق، وحارب إلى وضع تركيا في مواجهة مع حركة القومية العربية الصاعدة آنذاك بزعامة جمال عبدالناصر في مصر.

 



حلف الشيطان

حرص مندريس وحكومته على تغيير سياسات تركيا الخارجية، وارتمى في أحضان أميركا وإسرائيل، فدخل في حلف مع واشنطن، وحصل منها على معونات اقتصادية لسد عجز الواردات التركية المتزايد، وكانت تركيا على يديه أول دولة إسلامية تطبع مع إسرائيل في 28 مارس 1949، وأقيمت سفارة إسرائيل في إسطنبول بعد 5 أسابيع من توليه رئاسة الوزراء، واعتمد أوراق سيف الله إسين سفيرا للكيان الصهيوني في 3 يوليو 1950.
أقام مندريس علاقات ديبلوماسية متينة مع دولة الاحتلال، ووقع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بن جوريون اتفاقية تعاون ضد التطرف لمنع نفوذ الاتحاد السوڤيتي في الشرق الأوسط عام 1958، واستمرت الاتفاقية حتى عام 1966، حسب دراسة الباحثة اليهودية عفرا بنجيو "العلاقات التركية الإسرائيلية".
انقلب ضباط الجيش التركي على مندريس وحكومته في مايو 1960، وأعدم بأمر من الحاكم العسكري في 17 سبتمبر 1961، وبعد رحيله كشف رئيس الاستخبارات التركية سيزائي أوركونت أن حكومة الحزب الديموقراطي أبرمت اتفاقا سريا لتعاون شبه كامل مع إسرائيل، وهو ما أثبتته وثائق السفارة الأميركية في طهران عام 1979، التي كشفت بدورها اتفاقا ثلاثيا بين استخبارات تركيا وإسرائيل وإٍيران عام 1958 بعنوان "Trident".

Qatalah