يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على طريقة الوكالة اليهودية والعصابات الصهيونية في  خمسينات القرن الماضي، تنشط في تركيا حاليا حركة مريبة ماكرة لضخ دماء جديدة في مستوطنات فلسطين المحتلة، ودفع اليهود المتبقين في البلاد، بالحرمان والاضطهاد والتخويف الزائف، إلى الهجرة لإسرائيل، ولو كرها.

400 يهودي تركي استقبلتهم الدولة العبرية العام الحالي مهاجرين، ليسكنوا مستوطنات القدس التي تبنيها حكومة بنيامين نتنياهو على قدم وساق منذ عامين، وقال المهاجرون الجدد إنهم اضطروا للفرار بعد شعورهم بأنهم ضحايا عملية إذلال ممنهجة مارستها ضدهم السلطات التركية.

واشنطن على الخط
جاءت هذه الموجة الجديدة من الهجرة إلى إسرائيل بالتزامن مع دخول وزارة الخارجية الأميركية على الخط في مايو الماضي، وإدانتها انتهاكات الحكومة التركية بحق الأقليات غير المسلمة خاصة اليهود، عقب مسرحية الانقلاب 2016، ووجهت انتقادات حادة لأنقرة في تقرير الحريات الدينية في البلاد، كشفت فيه ما يتعرض له المواطنون اليهود من "ضغوط".
رصد تقرير الخارجية الأميركية إغلاق عدد من المعابد دون ذكر أسباب، فضلا عن تهديدات تلقاها اليهود من قبل جماعات إرهابية على رأسها داعش، على مرأى ومسمع من الحكومة التي لم تحرك ساكنا، رغم ثبوت وجود مخطط إرهابي من التنظيم لتفجير الكنيس اليهودي في حي بيوغلو بإسطنبول، فضلا عن استهداف بعض رياض الأطفال والمدارس ومراكز الشباب اليهودية، وفق اعترافات 6 عناصر جرى اعتقالهم في مدينة غازي عنتاب، حسبما ذكرت قناة سكاي نيوز البريطانية.

ما دعم وجود تنسيق بين إردوغان ونتنياهو في عملية التهجير القسري المتعمد، خروج الحكومة الإسرائيلية لدعوة "مواطنيها" في تركيا إلى مغادرة البلاد بأسرع وقت، تحسبا لاحتمال وقوع هجمات، ما اعتبر إنذارا يشيع الخوف لدى باقي اليهود الأتراك، ويحثهم على الهجرة أو جعلها أحد اختياراتهم على الأقل.

تكتيكات مكررة حرفيا، كانت تفعلها الحركة الصهيونية وجهازها التنفيذي (الوكالة اليهودية لأرض إسرائيل) في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي، عبر تفجير الكنس وبث الشائعات وتحريض عملاء في أجهزة أمنية على إثارة الرعب لدى الجاليات اليهودية، لدفعها لا إراديًا نحو الهجرة نحو إسرائيل.
هناك عمليات تهجير سري نفذتها الوكالة اليهودية لنحو 49 ألفا من يهود اليمن في الفترة من يونيو 1949 إلى سبتمبر 1950، وعرفت باسم "بساط الريح"، وتكلفت حوالي 425 مليون دولار، وعملية عزرا ونحميا التي تكفلت بترحيل 130 ألف يهودى عراقي بداية الخمسينيات، بعد سلسلة تفجيرات للكنس اليهودية في بغداد وعدة مدن، رغم أن اليهود العراقيين كانوا يرفضون الاستجابة لنداءات الهجرة من الحركة الصهوينة.

فرار من القمع
وفق صحيفة "زمان" التركية، يصل عدد اليهود الأتراك حاليا إلى نحو 12 ألف شخص، حسب تقدير روابطهم الداخلية، بعد أن كان 35 ألفا في 2008، ما يشير إلى نجاح إردوغان في نقلهم إلى إسرائيل يوما بعد يوم، بلا ضجيج.

بعد اندلاع الجحيم في أنحاء تركيا عقب مسرحية الانقلاب في يوليو 2016، وتعمد النظام اتخاذ تدابير عنيفة لإشاعة الذعر بين المعارضين وتصفيتهم إن لزم الأمر، وجد مخطط التهجير اليهودي فرصة سانحة لتسريع إيقاع الهجرة، التي لوحظ تزايدها بالفعل في تلك الأجواء، فقد هاجرت أعداد كبيرة إلى تل أبيب بسبب الأوضاع الصعبة التي فرضتها عليهم السلطات التركية بينما توجه آخرون إلى إسبانيا والبرتغال.

يتركز غالبية اليهود في إسطنبول، وإزمير، ويعملون في التجارة والمشغولات الذهبية والمهن الحرة والحرف، منحدرين من أجداد سكنوا المنطقة واحترفوا صناعة الخزف في عهد الدولة العثمانية التي منحتهم امتياز الإقامة بالقرب من الأسواق والمرافئ التجارية، بعد أن قدموا إليها هربا من محاكم التفتيش الأوروبية أواخر القرن الخامس عشر.

الجيرة ممنوعة
نشطت الدعاية ضد يهود تركيا بعد صعود حزب العدالة والتنمية للحكم قبل 16 عاما، ويشكو أبناء الجالية من عدم توظيفهم في المواقع الإدارية والسياسية، حيث تخلو مناصب الحكومة منهم تماما، في وقت يشعرون بتنامي التشدد داخل المجتمع التركي ضدهم، لدرجة أن 80 % من السكان يرفضون السكن إلى جوارهم أو قبولهم بين الجيران.
يقول شاب يهودي (32 عاما) - لموقع "أحوال تركية" إنه يتعرض لتهديدات بسبب دعوته نظام إردوغان لمنح المواطنين اليهود حقوقهم في تركيا، ما جعل صفحته على "تويتر" تتعرض للقرصنة، وتم خلالها اختراق حسابه والوصول إلى بياناته ومعلوماته الخاصة، ليتلقى بعد ذلك جملة من التهديدات.

"وكالة الأخبار التلغرافية اليهودية" - منصة عالمية تهتم بأخبار الجاليات حول العالم - كشفت بعضا من ملامح المؤامرة، واعترفت بأن تركيا ثاني بلد يأتي منه  المهاجرون اليهود لإسرائيل بعد روسيا، مرجعة ذلك إلى سياسات "رجل تركيا الفاشي"، الذي يحاصرهم بالفقر والبطالة رغم تخرجهم في كليات مرموقة وحصولهم على مؤهلات مطلوبة في سوق العمل مثل الطب والهندسة، من دون مساعدة الحكومة أو دعمها.

رافائيل سادي، المتحدث باسم الجمعية اليهودية التركية في إسرائيل، يقول إن العديد من هؤلاء المهاجرين الشباب انتقلوا إلى إسرائيل للاستفادة من فرص التعليم المجاني في الجامعات الإسرائيلية، ما لا تتيحه لهم الحكومة التركية، حسب موقع "أحوال تركية"، مضيفًا: "يبدو اليهود أثرياء، ولكن في الحقيقة كثير منا يعانون الفقر، لذا يأتون الى إسرائيل بحثا عن عمل".

الجبناء البخلاء
في هذه الأجواء التآمرية، تصاعدت ممارسات التمييز والعنصرية ضد اليهود تلقائيا من قبل مواطنيهم الأتراك، بسبب سياسات الحكومة المشجعة على ذلك، إذ تتغير المعاملة نحوهم من جانب زملائهم بمجرد اكتشاف أنه يهود، حتى صار بعضهم يتبرأ من  استعمال اسمه الحقيقي تجنبا للاضطهاد أو المضايقات.
سجل أحد الشباب اليهود معاناتهم مع التمييز في بطاقات الهوية، خلال حديثه مع موقع "أحوال"، بقوله: "عانى والدي الكثير من المشاكل عندما أدى خدمته العسكرية، بسبب ظهور اسمه اليهودي في بطاقة الهوية، لذا كان حريصا على تبديله باسم تركي (مسلم) في شهادة ميلادي وبطاقة هويتي".

على النغمة نفسها، يعزف بنسيون بينتو الرئيس الفخري السابق للجالية اليهودية في تركيا، وهو يتحدث عن معاناة اليهود بسبب وجودهم وسط أغلبية مسلمة في البلاد "أن تكون يهودياً في مجتمع غالبيته الساحقة من المسلمين أمر صعب، البعض يعتبر كلمة يهودي سبة، ويطلقها المتطرفون على أبنائهم الجبناء أو البخلاء مثلا"، بحسب صحيفة الشرق الأوسط.

إعلام إردوغان الموالي والموجه يلعب دوره في القصة، بعمليات إحماء من آن لآخر، تظهر تأهب الشعب التركي لالتهام اليهود بينهم، بلهجة عنصرية، خاصة في أوقات المواجهات الكلامية المفتعلة التي يؤديها إردوغان من حين لآخر ضد الحكومة الإسرائيلية، حيث تمارس صحف وقنوات النظام إرهابا كلاميا منظما ضد الجالية اليهودية، كما يجرى تسليط الضوء دائما على التمييز بين ما هو يهودي وتركي، حتى في الحوادث المعتادة، كتورط تركي يهودي في جريمة سرقة أو مخالفة من أي نوع، إذ  يتم إبراز ديانته على نحو لافت، وهو ما لا يتم مع باقي الطوائف. 

Qatalah