يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تزينت بغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة بمجالس العلماء، الذين بددوا ظلام الجهل والتخلف، ووصلت الحضارة العربية الإسلامية إلى ذروة مجدها في القرن الحادي عشر الميلادي، فقادت العالم إلى التنوير، لكن فجأة تغير كل شيء، ساد الجهل والتخلف، بسبب قبائل الأتراك الهمجية التي سيطرت على قلب العالم الإسلامي، فأغلقت مجالس العلم، وفتحت أبواب السحر والشعوذة والدجل، ليدخل المسلمون سراديب الظلام لألف عام.
احتلال الأتراك للأراضي العربية كان بمثابة كابوس حبس أنفاس الشعوب 10 قرون كاملة، بينما يحاول إردوغان اليوم استعادة مافعله أجداده بتصدير التخلف والإحباط إلى الدول العربية عن طريق دعمه اللامحدود للإرهاب والتطرف تحت ستار الإسلام وعمامة الخليفة.
بدأت عمليات الهدم للحضارة الإسلامية منذ القرن الثالث الهجري على يد المرتزقة الأتراك الذين كان يتم جلبهم كعبيد من وسط آسيا واستعان بهم خلفاء بني العباس، لكنهم سرعان ما تحولوا إلى نخبة عسكرية في عهد المعتصم، وزاد نفوذهم في عصر الخليفة المتوكل الذي نصبوه خليفة ليدخل في عداء مع المعتزلة، ونبذ المذاهب الفقهية، واحتفى بمتشددي الحنابلة، دعاة إماتة العقل وإحياء النقل وعبادة النص.
تحكم الأتراك في مقاليد السلطة بالكامل، قتلوا المتوكل، ووضعوا بدلا منه ابنه المنتصر على العرش، وعاثوا في البلاد خراباً ودماراً، فعمت الفوضى، ولم يسلم أحد من بطشهم، فضاقت بهم العامة التي خرجت في ثورات ضدهم كان مصيرها جميعا القمع والوحشية.

إزاحة العرب
اتصل العرب بالقبائل التركية خلال الفتوحات الإسلامية في آسيا الوسطى في القرن الثاني الهجري، فاعتنقت بعض القبائل الإسلام، وأرسل الكثيرون منهم كعبيد للخليفة العباسي المأمون، ومع مرور الوقت أصبحوا عماد الجيش العباسي وفق ستانلي بول في كتاب "تاريخ مصر في العصور الوسطى" الذي يقول: " درج الخلفاء والأمراء على جلب العبيد الأتراك، وتربيتهم وتدريبهم كحرس وجنود، لذا ترسخت فيهم طبيعة كراهية التفكير الحر، وهي عادة تركية قديمة تعود إلى أزمنة سحيقة، منذ كانوا يعيشون في وسط آسيا ويعتنقون العقائد الشامانية (عبادة الأرواح والإيمان بالسحر والشعوذة".
حلّ الترك مكان العرب الجيش الإسلامي، وتضاعفت هجرات القبائل التركية إلى آسيا الصغرى والعراق والشام، للالتحاق بالخدمة العسكرية، ما استلزم تغييرات في بنية اقتصاد الدولة للإنفاق على هذا العدد الكبير من العبيد الأتراك، فظهر نظام الإقطاع العسكري الذي تسبب في خراب الأراضي الزراعية، وسوء أحوال الفلاحين.

القهر للجميع
انتقلت آلاف القبائل التركية من وسط آسيا إلى إيران والعراق وسورية والأناضول، تحت لواء السلاجقة أحد أفرع قبيلة الغزو التركية، ففرضوا نمط حياتهم البدوي على الجميع، وهجروا العلم، وفرضوا الضرائب الباهظة على الرعية، وأصدروا قوانين الإقطاع التي جعلت لكل جندي منهم  قرية بكل من فيها من الفلاحين يفعل بها ما يشاء، فدب الخراب سريعا في الريف.
وذكر لامبتون في كتاب "نظرات في الإقطاع"، أن دخول الأتراك إلى بنية الجيش في العصر العباسي ترتبت عليه آثار سلبية تمثلت في تحويل جزء كبير من الأراضي من نظام الخراج إلى إقطاعات عسكرية تُمنح لكبار القادة للإنفاق من ريعها على جنودهم وأسرهم، مقابل أداء الخدمة العسكرية.

تحول الفلاحون في ظل هذا النظام الجائر إلى مجرد عبيد في أراضيهم التي كانوا يملكونها من قبل، أجبرهم الأتراك على أعمال السخرة وأقاموا لهم حفلات التأديب التي كانوا يقومون فيها بانتزاع ثيابهم وجلدهم على الملأ، فهرب الكثير من الفلاحين من الظلم إلى الصحراء والمرتفعات الجبلية حسب سليمان خرابشة في دراسته "الإقطاع السلجوقي في بلاد الشام".
لم يتضرر الفلاح وحده من نظام الإقطاع ولكن الأرض أيضا فقدت جودتها بسبب عدم وجود من يرعاها ويهتم بها، واستقل كبار الإقطاعيين بأملاكهم، وأسسوا إمارات مستقلة عن السلطة العباسية، فصارت المعارك بين الأمراء الأتراك طقسا يوميا، خلف قرى مهجورة وقتلى بالآلاف.
وورثت الدولة العثمانية السلاجقة، فلم تتحسن أحوال الفلاحين، وتفنن العثمانيون في ابتكار نظم إدارية لتحصيل الضريبة باستخدام العقاب البدني بكل أشكاله، حتى اضطر الفلاحون إلى مغادرة قراهم، كما ذكر عبد الرحيم عبد الرحمن في كتابه "فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني"، الأمر الذي جعل قطاع الزراعة يعاني مدار ألف عام حتى حصل العرب على حريتهم في القرن الـ20.

الحرب على "الشورى"
بهيمنة قادتها على شؤون الدولة والتحكم في تعيين الخلفاء إضافة إلى الاستقلال بالإمارات المختلفة ساهمت القبائل التركية في تفتيت سيادة الدولة العباسية فنحت العنصر العربي من الجيش وجلبت المرتزقة يقدمون ولاءهم لمن يدفع أكثر، اختفت "الشورى" وتم التشديد على طاعة السلطان، وعدم الخروج عليه، ما مثل ردة حضارية عن القرون الأولى  التي كانت تنظر إلى الحكم على أنه بيعة قائمة على تعاقد بين الحاكم والمحكومين، ومع سيادة العنصر التركي ظهرت الدولة العثمانية، و برر الفقهاء الهيمنة التركية تحت عنوان "صحة حكم المتغلب بالقوة".
بات الحكم للأقوى، ولم يعد للمبايعة أهمية، فغابت حقوق الرعية، وسادت مقولة "من قويت شوكته وجبت طاعته"، واستغل العثمانيون رجال الدين لفرض سلطتهم على العامة، ورسم صورة مقدسة للسلاطين، وأكبر دليل على ذلك ما ذكره محمد عمارة في كتاب "تيارات الفكر الإسلامي" فكتب يقول: "وُجد حلف غير مكتوب قام بين نفر من الفقهاء وشيوخ الطرق الصوفية وبين السلطة والسلاطين، منذ العصر المملوكي وامتد للعصر العثماني، تضمن إنفاق الدولة عليهم مقابل إضفاء الطابع الديني على سلطة الحكام، الأمر الذي انتهى بأن يصبح السلطان العثماني في رأيهم (ظل الله في الأرض، وسيفه المشرع على رقاب العباد)، وحتى وصلنا إلى أن الخروج عن السلطان العثماني كفر وخروج على الدين".

احتلال مدمر
كانت القاهرة ودمشق وبغداد وغيرها من المدن العربية مضرب المثل في العمران، ولم تكن تدفع الجزية لحكام أجانب، ما ساهم في انتعاش الحركة الفكرية بها، إلا أن احتلال العثمانيين للشام ومصرعام 1517، أدى لتدميرها، حيث بدأ الاحتلال عهده بالمذابح والنهب، وتهجير أصحاب الفنون والحرف إلى إسطنبول، ولم يهتم العثمانيون بالصحة أو التعليم، واقتصرت وظائفهم على فرض السيادة، وجباية الأموال وتحصيل الإتاوات.
يقول عبد الله العزباوي في كتاب "الفكر المصري في القرن الثامن عشر بين الجمود والتجديد" "إن العثمانيين لم يكن لهم رصيد حضاري كبير ليقدموه للحياة العلمية في مصر، فالأتراك وإن نجحوا في تأسيس دولة قوية عسكرياً إلا أنهم أثبتوا عجزهم عن إبداع حضارة خاصة بهم في كل زمن، وحياتهم الفكرية تكاد أن تكون خلواً من الأصالة".
أما على المستوى الاقتصادي فقد عانت الطبقة المنتجة للثروة (الفلاحين) من نظام الالتزام الذي أقرته السلطنة العثمانية لتحصيل الضرائب، حيث كانت الدولة تبيع حقوق جني الضرائب، وتقبضها في موعد مقدم ممن يشتري الالتزام، مقابل إطلاق يده في جباية أضعاف الضريبة من الفلاحين بمختلف وسائل العقاب البدني الوحشية.
وقد عبر الشاعر الشعبي المصري أبو شادوف في أبيات عن الضنك الذي عاشه الفلاح من ظلم على يد الملتزم بقوله: ومن نزلة الكشاف شابت عوارضي / وصار لقلبي لوعة ورجيف
ويوم يجي الديوان تبطل مفاصلي/ وأهر على روحي من التخويف

انحطاط فكري
يصف العزباوي في كتابه التأثير العثماني في مجال الحركة الفكرية داخل مصر والبلاد العربية بالضعيف جدا، ويرى أن العثمانيين أبعد ما يكونون عن النهضة، ولم يأتوا إلى المنطقة لنشر العلم والثقافة التي يفتقرون إلى آلياتها، وإنما  لفرض سيطرتهم على العالم الإسلامي واستنزاف خيراته، فحتى في إسطنبول والمدن التركية الكبرى لم تزدهر حركة فكرية تعتني بالتأليف والترجمة، واقتصرت على الحواشي والتعليقات والشروح.
وأوضحت دراسة بعنوان "العلماء في الدولة العثمانية - منتصف القرن السابع عشر"  أنه رغم الازدهار الشكلي لفئة العلماء من حيث الأعداد والمدارس والأوقاف والمناصب، إلا أن ذلك لم يُترجم لنهضة علمية وتعليمية، بل انتشر الفساد والرشاوى لنيل الدرجات العلمية، واشتهرت الألقاب الزائفة، وكان يُطلق على الكثيرين ألقاب "حجة الدين" دون أن يكون لهم مؤلف واحد في الفقه أو التفسير، كما وقفت السلطة العثمانية ورجال الدين بالمرصاد لدخول المطبعة إلى العالم الإسلامي لمدة 3 قرون، مما ساهم في سيطرة التخلف على المشهد.
أعلن العثمانيون حروبهم على الفلسفة، فاحتلت كتب الغزالي مكانة أعلى من مكانة ابن رشد و"شجعت الدولة من مؤسسات وشيوخ وسلاطين على الخرافة، حيث كانت تنفر من الفلسفة، وتعاديها، ولا تُقيم للعقل وزناً"، وفق محمد عمارة في كتاب "تيارات الفكر الإسلامي" الذي قال فيه إن "من أدلة محاربة العثمانيين للفلسفة هو احتفاؤهم بكتاب (تهافت الفلاسفة) للغزالي الذي حارب فيه العقل وقوانين المنطق والسببية، فحين صنف الكاتب التركي الشهير حاجي خليفة المتوفى عام 1657 موسوعته بعنوان (كشف الظنون عن أسامي الكتب والعلوم) خصص 132 سطراً لكتاب الغزالي، ولم يفرد لكتاب (تهافت التهافت) لابن رشد الذي ينتصر للفلسفة والعقل سطراً واحداً، وإنما ذكره في حاشيته على كتاب الغزالي".
انتهت حرب العثمانيين على العقل بانتصار الشعوذة والممارسات المخالفة للدين،  ولم تدخل الدول العربية عصر النهضة إلا بعد التخلص من الهيمنة التركية.

تجديد الاستبداد
حصلت الدول العربية على استقلالها لتبدأ مرحلة الازدهار وعودة مسار العلم والمعرفة والإبداع الفكري إلى ما كان عليه، إلا أن الأوهام التركية التوسعية عادت مجددا إلى الظهور على يد حزب "العدالة والتنمية" بزعامة رجب إردوغان الذي وجد في الإخوان المسلمين "حصان طروادة" لإعادة النعرة التركية المتعالية على العرب.
حاول إردوغان - بواسطة الكتائب الإخوانية - تسويق نجاحات اقتصادية مزعومة، بهدف الدعوة إلى عودة الخلافة التي أجهز عليها الأتراك أنفسهم، في الوقت الذي تتكشف فيه عورات إردوغان القمعية ضد خصومه وعدم احترامه للديموقراطية واعتقال أصحاب الآراء التي تقف ضد مشروعه الاستعماري، إضافة إلى دعمه للإرهاب في سورية وليبيا، ومناصرة الأعمال التخريبية في الوطن العربي.

Qatalah