يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الأمثال الشعبية كانت سلاح الشعوب المغلوبة على أمرها التي تعاني من نير الاحتلال العثماني، وجسدت مشاعر البغض والكره تجاه سلاطين وحكام هدفهم الأكبر نهب خيرات البلاد المحتلة وقمع حرية أهلها وسلبهم الكرامة والحياة. 
كما عبرت عن السياسات الاقتصادية الربوية لدولة الأتراك، بعد أن شرعنت التعامل بالفائدة بين الرعية، في شكل عقود وهمية أطلق عليها "عقود الصابون"، وتركت الشعوب ضحية مجموعة من المرابين، من هنا ظهر المثل الشعبي "كله عند العرب صابون".
بدأت القصة بتحايل شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية على النصوص القرآنية الصريحة، وحللوا الربا وأطلقوا عليه "المعاملة الشرعية"، وأفتوا بجواز الفائدة بشرط ألا تبلغ ضعف القرض، وبنوا موقفهم على تفسير مغلوط للنص القرآني (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)، فزعموا أن التحريم مقصور على الربا المضاعف دون غيره، وأجبروا القضاة على توثيق المعاملات الربوية.

عقود مشبوهة: الالتفاف حول النصوص المقدسة
بدأ الالتفاف حول النصوص الشرعية المقدسة في مطلع القرن الـ15، ثم تطور إلى التساهل مع التعامل بـ "الفائدة"، ما استفاد منه رجال الدين أنفسهم، حيث تربحوا بإقراض الأموال تحت غطاء شرعي منحه لهم سيل الفتاوى من مشايخ الإسلام والقوانين الوضعية للدولة، فظهر ما يعرف تاريخيا بـ"عقود الصابون"، وهي مؤسسات ربوية أنشئت بهدف تشغيل الثروات النقدية للصفوة العثمانية، والتي قدمت قروضا للرعية بفائدة وصلت 25 % في ظل استغلال حاجة الناس للأموال.
أفتى شيوخ الإسلام بشرعية "عقود الصابون"، وشهدت سجلات المحاكم الشرعية بالشام الآلاف من حالات توثيق القروض الربوية، بعد أن فرضت الدولة رسوما مالية يحصلها القاضي لصالح خزانة الدولة، لكن القضاة تربحوا من عملية تسجيل عقود الصابون بفرض رسوم على كل عقد للفقيه الحنفي.
يبدأ عقد الصابون بالتأكيد على أن تلك المعاملة المالية تمت وفق إجماع فقهاء المذهب الحنفي، ثم يسجل أن المُقترض أخذ مبلغا من المال من المُقرض وسيردها بعد مدة معينة، كما يتعهد بأنه تسلم كمية محددة من الصابون النابلسي فوق مبلغ القرض، إذ حمل النشاط الوهمي بين طياته فائدة سنوية للمقرض في شكل الصابون، الذي أصبح رمزا لقيمة الفائدة الربوية على القروض.
تحالف المرابون مع قضاة حماة وحمص لتسجيل عقود صابون بفائدة مجحفة وصلت 25 %، بعد أن أطلقت الدولة يد القضاة والمرابين في الإقراض بالفائدة التي تشبع نهمهم للمال الحرام، وأشارت بعض الوثائق إلى الفائدة باسم المرابحة أو الربح، وقد ذكرت الفائدة صراحة في سند الدين وعبر عنها أحيانا المدين بأنها فاحشة، حيث بلغت في بعض العقود 25 % سنويا.

الوثائق تسجل جبروت الاستعمار التركي
نجد في سجلات المحاكم الشرعية ووثائقها تسجيل عمليات الدين بالفائدة بموجب سندات مستحقة الدفع، إذ ذُكرت الفائدة صراحة في متن السند، وهي تحدد عند إصدار القاضي الحكم على المدعى عليه، كما ورد في عقد الصابون التالي: "إن القاضي الشرعي بدمشق حكم بفائدة مقدارها 1700 قرش على قرض قيمته 790 قرشا، ويصبح المبلغ كله 2490 قرشا حسب المعاملة الدارجة"، ويلاحظ أن الفائدة بلغت ثلثي قيمة القرض، إذ جرى تسجيل عقد الصابون بفائدة بلغت 200 %، وحصل القاضي في المقابل على مبلغ 30 قرشا من المُقترض ومثلها من المُقرض.
لم تكن الشام النموذج الأوحد للتعاملات الربوية، إذ انتشر الإقراض بالفائدة في أرجاء السلطنة، حتى أصبحت ثقافة الصابون جزءا من الحياة اليومية للرعية، فانتشر مصطلح "فلان أخذ صابونة"، وسادت ثقافة الصابون بمقولة "كله عند العرب صابون"، أي لم يأخذ شيئا بل دفع الكثير، وهي تحمل مفهوما سلبيا.
الملاحظ أنه منذ اللحظات الأولى للاستعمار التركي انطلقت صرخات معارضة، تطالب بإصلاحات إدارية واقتصادية وتغيير الوالي المستبد في بعض الأحيان، لكن الوالي الجديد لم يقدم أية رؤية لتحسين مستوى المعيشة في ولايته، فخرج المأثور الشعبي "كله عند العرب صابون" أي أن كل الولاة العثمانيين لا فرق بينهم، بعد أن أصبح مصطلح الصابون رمزا للاستغلال والظلم.

Qatalah