يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


25 أكتوبر 2018 علاقات تركيا وكردستان العراق بعد عام من استفتاء الأكراد

بعد مرور أكثر من عام على قيام إقليم كردستان العراق باستفتاء على الاستقلال، مما أدى إلى توتر العلاقات التي كانت جيدة مع تركيا حتى ذلك الحين، لا تزال العلاقات مهمة للغاية، لا سيما على الصعيد الاقتصادي. ومع ذلك، يتوقع المحللون ألا تعود العلاقات السياسية على الأرجح إلى سابق القرب والود مرة أخرى كما كانت قبل الاستفتاء.

وقال موتلو سفير أوغلو، محلل الشؤون السورية والكردية، لموقع (أحوال تركية) :"بالنظر إلى الأزمة الاقتصادية الحالية، فإن استئناف العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع كردستان العراق، كما كانت موجودة في فترة ما قبل الاستفتاء، سيكون جيداً بالنسبة لتركيا".

وقال سفير أوغلو :"لا أعتقد أن علاقات تركيا السياسية ستكون كما اعتادوا أن تكون لا سيما مع الحزب الديم,قراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني"، في إشارة إلى الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق. 

وأضاف "لكن من الناحية الاقتصادية، ترغب تركيا في الاستفادة من المنطقة. كانت شركات تركية عديدة نشطة للغاية في إقليم كردستان، لا سيما في الأجزاء الغربية من الإقليم حيث الحزب الديموقراطي الكردستاني هو الحزب السائد. وإلى حد ما، يستمر هذا الوضع وسيستمر على الأرجح بل وقد يزداد قوة، لأن إقليم كردستان بالغ الأهمية اقتصادياً بالنسبة لتركيا ولا يمكن تجاهله أو الانصراف عنه".

وقد استمرت العلاقات الاقتصادية بين حكومة إقليم كردستان العراق وتركيا خلال الأشهر المتوترة التي أعقبت الاستفتاء. وفي حين أن أنقرة دانت حكومة إقليم كردستان بشدة، فإنها لم تغلق معابرها الحدودية معها من أجل حصار الإقليم، وهو ما قامت به إيران من سبتمبر 2017 إلى يناير 2018.

يعتقد جويل وينج، محلل شؤون العراق ومؤلف كتاب (تأملات في العراق)، أن أنقرة وحكومة إقليم كردستان "على استعداد لإصلاح علاقتهما" بعد مرور عام على توترها خلال الاستفتاء.

وقال وينج لموقع (أحوال تركية) :"بينما كان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان غاضباً من التصويت، فإنه لم يفرض العديد من العقوبات على حكومة إقليم كردستان كما كان يمكنه فعل ذلك... بوضع ذلك في الحسبان، فإنه من الطبيعي أن تعود علاقات الاثنين في نهاية المطاف". 

في الوقت الحالي، لا تزال العلاقات الاقتصادية بين حكومة إقليم كردستان وتركيا مهمة للغاية. وذكرت صحيفة (ديلي صباح) التركية الموالية للحكومة هذا الشهر أن تركيا "ستحصل على نصيب الأسد من مشاريع البنية التحتية في شمال العراق".
اتفقت تركيا وحكومة إقليم كردستان أيضاً على فتح معبر حدودي دولي جديد بين الاثنين، وهو الأول مع محافظة أربيل الكردية، حيث تقع عاصمة الإقليم ذاتي الحكم.

وقال سفير أوغلو "قبل أسبوعين، شيدت شركة تركية نفقاً تحت الأرض في مدينة زاخو الحدودية الكردية". وأضاف أن رئيس وزراء إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني "حريص جداً على تحسين العلاقات وفتح الأبواب أمام الشركات التركية العاملة في مجال البناء وغيرها من المجالات في المنطقة. ونتيجة لذلك، يمكننا أن نرى استمرار العلاقات الاقتصادية وربما حتى نرى تحسن العلاقات بشكل عام".

واتفق وينج على أن كردستان شريك اقتصادي مهم لا تريد تركيا خسارته.

وبالنسبة لتركيا، فإن الحزب الديموقراطي الكردستاني، الحزب الكردي السائد في محافظتي أربيل ودهوك بغرب إقليم كردستان العراق، لا يزال "حليفاً مهماً داخل العراق ومعارضاً للجماعات الكردية الأخرى في المنطقة"، حسبما ذكر وينج.

وتابع وينج قائلاً "بالنسبة للحزب الديموقراطي الكردستاني، ثمة أهمية بالغة للحفاظ على هذا الحليف لأن حكومة إقليم كردستان تعتمد اقتصادياً على جارتها الشمالية من أجل صادراتها النفطية وتجارتها واستثمارها... كان الاستفتاء عثرة في الطريق أكثر من كسر دائم بين الاثنين".

كما يرى بلال وهاب، زميل ناثان واستير كيه. واغنر في معهد واشنطن، حيث يركز اهتمامه على حكم حكومة إقليم كردستان، أن العلاقة بين تركيا وحكومة إقليم كردستان تتحسن، لكنه لا يرى أنها تعود إلى آفاقها السابقة للاستفتاء.

وقال وهاب لموقع (أحوال تركية) "تتحسن العلاقات الاقتصادية والأمنية بين تركيا والعراق، الأمر الذي يمكن تركيا من أن تكون أقل اعتماداً على حكومة إقليم كردستان".

كما يشكك وهاب في عودة العلاقات الاقتصادية إلى مستويات ما قبل الاستفتاء، حيث لم تعد حكومة إقليم كردستان السوق العراقي الحصري للمستثمرين الأتراك.

في أعقاب الاستفتاء الكردي مباشرة، أفادت الصحافة التركية المتشددة بأن أنقرة تفكر في فتح معبر حدودي جديد بالقرب من قرية أوفاكوي، حيث تلتقي حدود تركيا والعراق وسورية، لتجاوز وعزل حكومة إقليم كردستان اقتصادياً، والتجارة مباشرة مع العراق.

وتستكشف أنقرة جدوى فتح معبر في تلك المنطقة اليوم. بالنظر إلى أن العلاقات قد تحسنت بشكل كبير منذ العام الماضي، فمن غير المرجح أن تسعى تركيا الآن إلى عزل إقليم كردستان اقتصادياً. ومن المرجح أكثر أن تحاول تقليل اعتمادها الوحيد على تلك المنطقة ذاتية الحكم من أجل التجارة مع بقية العراق. في الوقت الحالي، ليس من الواضح ما إذا كان هذا المشروع سيخرج فعلياً إلى النور في أي وقت قريب حيث لا تزال حكومة إقليم كردستان تسيطر على كل الحدود العراقية مع تركيا.
لا يرى سفير أوغلو أن العلاقات العسكرية والسياسية بين أنقرة وأربيل ستتحسن في أي وقت قريب.

وقال: "في تركيا، كانت هناك دعوات للقيام بمزيد من العمليات ضد قواعد حزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان العراق... قد يؤدي ذلك إلى محاولة تركيا الحصول على مساعدة الحزب الديموقراطي الكردستاني في مثل هذه العملية. على الرغم من أن هذا من غير المحتمل أن يكون ممكناً في المستقبل القريب لأن الأكراد أكثر حرصاً على عدم السماح لأنفسهم بمحاربة بعضهم البعض".

ومن العقبات الرئيسية الأخرى في طريق إعادة العلاقات بين حكومة إقليم كردستان وتركيا إلى مستويات ما قبل الاستفتاء، التداعيات السياسية والكلمات القاسية التي استخدمها إردوغان ضد رئيس إقليم كردستان العراق آنذاك مسعود بارزاني.
وقال سفير أوغلو "الاستفتاء في عقلية القادة الأتراك كان خيانة من بارزاني والأكراد العراقيين بشكل عام، لذا ربما لن تكون العلاقات السياسية جيدة كما كانت من قبل... لكن لا أزال أعتقد مقارنة بالأكراد الأتراك والسوريين لا يزال أكراد العراق يتمتعون بعلاقات أفضل نسبياً".

بطبيعة الحال، مقارنة بحزب العمال الكردستاني والجماعات الكردية الأخرى التي تعارضها تركيا بشكل مباشر، فإن الحزب الديموقراطي الكردستاني سيكون دائماً خياراً مفضلاً لأنقرة ومن المرجح أن تستمر العلاقات الاقتصادية.

والعلاقة بين تركيا والحزب الديموقراطي الكردستاني أكثر ودية أيضاً من العلاقة بين أنقرة وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، أقوى حزب في إقليم كردستان العراق بعد الحزب الديموقراطي الكردستاني.

في أغسطس 2017 طردت أنقرة ممثلي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني من تركيا بعد أن قام حزب العمال الكردستاني بخطف عناصر للمخابرات التركية في محافظة السليمانية، المعقل الرئيس لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني في إقليم كردستان العراق. علاوة على ذلك، في حين فتحت تركيا مجالها الجوي أمام مطار أربيل الدولي، بعد رفع الحظر الذي فرضته بغداد بعد الاستفتاء على المجال الجوي لإقليم كردستان في مارس، فإنها لم تفعل الشيء نفسه في مطار السليمانية الدولي.

وقال وهاب "حكومة إقليم كردستان ليست الجبهة المتحدة التي كانت ذات يوم، حيث إن علاقة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مع حزب العمال الكردستاني ليست هي نفس علاقة الحزب الديموقراطي الكردستاني... هذا يظهر في تركيا التي تحظر شركات الطيران التابعة لها من الطيران إلى السليمانية".

ويرى سفير أوغلو رفض تركيا إعادة فتح مجالها الجوي أمام المرور الجوي إلى السليمانية "مؤشراً على الغضب التركي والاستياء من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني".

وقال سفير أوغلو إن "علاقات حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الدافئة مع روج آفا (كردستان السورية) وحزب الشعوب الديموقراطي في تركيا، وبشكل عام مع حزب العمال الكردستاني، يجعل الاتحاد الوطني الكردستاني أقل تفضيلاً بالنسبة لتركيا".
لكن الآن يعمل العراق على تشكيل حكومة جديدة، حيث هناك إجماع "حول رئيس الوزراء المكلف ورئيس البرلمان وتم انتخاب برهم صالح للرئاسة، هناك بعض التفاؤل التدريجي في بغداد"، على حد قول سفير أوغلو.

في ضوء هذه التطورات، لا يعتقد سفير أوغلو أن أنقرة ستحاول إفساد ذلك "ولكن بدلاً من ذلك قد تحاول استخدام هذه التغييرات لصالحها، لا سيما أن برهم صالح أصبح رئيساً".

كما يمكن لأنقرة "أن تستخدم هذه التطورات لإعادة العلاقات مع العراق بشكل عام، وإقليم كردستان بشكل خاص، لا سيما محافظة السليمانية التي تعاني من إغلاق تركيا مجالها الجوي"، حسبما قال سفير أوغلو.

وكان اختيار صالح، وهو عضو قديم في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، رئيسا للعراق، قد لاقى ترحيباً حاراً من جانب أنقرة. ووصف ايلنور جفيك، وهو مستشار لإردوغان، صالح بأنه حليف جيد لتركيا.

وقال جفيك في مقال افتتاحي في الآونة الأخيرة "لطالما عبر الدكتور برهم عن تقديره لأهمية تركيا واعتزازه بصداقة أنقرة. لدينا الآن حليف جيد في بغداد مثل مام جلال". تعني مام جلال باللغة الكردية "العم جلال" في إشارة إلى وصف كثير من الأكراد للرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، الذي كان أيضاً زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

مثل هذه المشاعر يمكن أن تدل على أن العلاقات بين أنقرة وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني سيتم استعادتها في المستقبل المنظور.

ويرى وهاب أنه على الرغم من أن ذوبان العلاقات المتجمدة بين أنقرة والاتحاد الوطني الكردستاني "ستكون فرصة للرئيس صالح"، فقد قال أيضاً إن "العوامل التي تكمن في حساب الاتحاد الوطني الكردستاني للعلاقات الأكثر صداقة مع حزب العمال الكردستاني هي تنافسه مع الحزب الديموقراطي الكردستاني، الذي ازداد منذ الاستفتاء وفي الآونة الأخيرة على رئاسة العراق ونتائج الانتخابات".

وسعى الحزب الديموقراطي الكردستاني إلى تقديم مرشحه الخاص، فؤاد حسين، لمنصب الرئيس القادم للعراق، وهو المنصب المعتاد للاتحاد الوطني الكردستاني، لكنه خسر هذه المحاولة لصالح برهم صالح.

وفي حين تحملت علاقة تركيا مع إقليم كردستان العراق أسوأ أزمة منذ إقامتها قبل عقد من الزمان، لا يزال أمامها بعض الطرق لتقطعها قبل أن تعود إلى طبيعتها تماماً.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah