يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أصبح التعذيب والسجن والملاحقة الأمنية شيئا من الماضي في قاموس الطاغية رجب إردوغان، واليوم صارت صيحته الجديدة في الاستبداد اغتيال معارضيه في وضح النهار.
سلسلة اغتيالات لمواطنين يكرههم السلطان شخصيا، ويرى في وجودهم على قيد الحياة عبئا على حزبه وخطرا على حياته المديدة التي يرجوها على عرش تركيا، والتهمة جاهزة: الانتماء إلى حركة الخدمة التي يتزعمها رفيق الأمس وخصم اليوم اللدود فتح الله غولن.


على خطى الهاجاناه وشتيرن
عقب مسرحية الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، استلهم إردوغان طريقة العصابات الصهيونية قبل تأسيس دولة الاحتلال مثل هاجاناه وشتيرن، حين أسست إسرائيل فرقة في السبعينيات يطلق عليها اسم "كيدون"، التي تعد ذراع جهاز الاستخبارات الخارجية (الموساد) وكانت من أكفأ الفرق، والمسؤولة عن تخطيط وتنفيذ عمليات الاغتيالات خارج الأراضي المحتلة، وتقول سجلاتها إنها نجحت في تنفيذ أكثر من 75 عملية اغتيال حتى عام 2013، في أنحاء العالم.
وعلى خطى شامير وبيريز وبيجن، أسس جهاز الاستخبارات التركي بأمر من إردوغان فرقة عسكرية، مهمتها تنفيذ عمليات الاختطاف والاغتيالات في دول العالم ضد أتباع غريمه فتح الله غولن، الذي يعد أبرز المعارضين لسياساته، وتتهمه أنقرة بالتخطيط لانقلاب 2016 الفاشل.


 

5 ملايين دولار لتنفيذ العمليات الإجرامية
منح الرئيس التركي الوحدة السرية التي أسسها جهاز الاستخبارات امتيازات مالية كبيرة، مقابل تنفيذ  تكليفات محددة باختطاف معارضين يقيمون في الخارج، أو إعدامهم في صورة هجمات إرهابية تنفذ بعيدا عن الوطن، حسبما أفاد موقع "TR724".
وحصلت الوحدة على صلاحيات مالية واسعة لاستخدام عملاء سريين في جرائمها، وخصص إردوغان ميزانية كبيرة لقيادة الوحدة، لاستخدامها في الاتفاق مع التنظيمات الإرهابية وعصابات المافيا في الدول المستهدفة، وتقديم الأموال نظير المشاركة في عمليات الاختطاف والإعدام.
خلال المرحلة الأولى، تباشر الوحدة أعمالها في عدد من الدول بينها السودان والمغرب وباكستان وأذربيجان، ويردد معارضون مستهدفون أن الوحدة وزعت قوائم الأشخاص الذين سيتم اختطافهم على التنظيمات الإرهابية في الدول المشار إليها، ومُنحت 5 ملايين دولار لتنفيذ ذلك.
حديث الكاتب التركي جيم كوتشوك، المعروف بعلاقاته الوطيدة مع جهاز الاستخبارات التركية، في برنامج أذيع على قناة (TGRT) في ديسمبر 2017، كان أول من ألمح إلى تأسيس وحدة لتنفيذ عمليات إرهابية ضد معارضي إردوغان في الخارج، وقال إن المخابرات تتولى مهمة من هذا القبيل، لافتا إلى إمكانية حدوثها تحت غطاء حوادث المرور والأزمات القلبية.
"من الآن فصاعدا لن يكون أي من محبي حركة الخدمة في مأمن" نائب حزب العدالة والتنمية آيدن أونال يدعم تلميحات كوتشوك بكلماته، فور تأسيس الوحدة السرية لمكافحة معارضي إردوغان في الخارج.
في يوليو 2017، قال خبير الإرهاب أديوين باكير إن تركيا تراقب نشاط تنظيم حزب العمال الكردستاني في أوروبا عن كثب، مؤكدا أن جهاز الاستخبارات شكل مقر قيادة في مدينة لاهاي غرب هولندا، حيث تحولت لاهاي إلى عش العملاء الأتراك، وقال: إنها الخطوة الأولى في البرنامج الجيد لمكافحة الإرهاب.


عملاء سي آى إيه يفضحون "خطة الجنود"
صحيفة "بروتوتيما" اليونانية كانت أقرب إلى تحديد المهام الأولى لوحدة الاغتيالات التركية، ونقلت عن عملاء سابقين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آى إيه) أن الاستخبارات التركية أصدرت تعليمات بتنفيذ عمليات اغتيال ضد الجنود الهاربين في كل أنحاء العالم، مشيرة إلى أنها بدأت عملية مشابهة لتلك التي نفذها الموساد الإسرائيلي للانتقام من مقتل الرياضيين الإسرائيليين في أولمبياد ميونخ عام 1972.
وقالت الصحيفة إن الاستخبارات التركية بدأت بالفعل العملية، وأرسلت عملاءها إلى جميع أنحاء العالم بهويات سرية، مانحة إياهم صلاحيات العثور على الجنود الفارين وخطفهم أو قتلهم إن تطلب الأمر.
في السياق نفسه، أفادت صحيفة دي فيلت الألمانية أن عملاء الاستخبارات التركية داخل برلين، ويبلغ عددهم نحو 6 آلاف عميل، يراقبون أتراك ألمانيا، ويمارسون ضغوطا عليهم، ونشر نائب حزب الشعوب الديموقراطي عن مدينة إسطنبول جارو بايلان، في ديسمبر 2017، بيانا، كشف فيه عن وجود مخططات لاغتيال المواطنين الأتراك المقيمين في دول أوروبية، وقال في بيانه :"حصلت على معلومات استخباراتية مؤكدة من مصادر مختلفة، أن هناك استعدادات لشن عمليات اغتيال ضد ممثلي المجتمعات العلوية والأرمنية في أوروبا، والصحافيين والكتاب والأكاديميين الذين اضطروا للفرار من بلدهم إلى دول أجنبية، وبشكل خاص ألمانيا، وعلّمت أيضا أنه تم التحرك للقيام بعمليات تحدث ضجيجا".
كان غولن كشف في أغسطس 2017 عن تخطيط إردوغان لتنفيذ سلسلة اغتيالات صاخبة ضد رموز من أركان الدولة وعالم السياسة، واتهامِ حركة الخدمة بالوقوف وراءها، كما هي العادة.

 

 

اختطاف "في بيان رسمي"
أكد المتحدث باسم الحكومة التركية بكر بوزداغ، في أبريل 2018، أن "منظمة الاستخبارات القومية تمكنت من إعادة 80 من أعضاء حركة الخدمة من 18 بلدًا إلى أنقرة"، حسب ما نقلت وكالة الأناضول الرسمية.
إردوغان نفسه أبدى علنا تبنيه لسياسة المطاردة الأمنية لخصومه حول العالم، والتي أضرت بعلاقات أنقرة مع دول العالم، في تصريح له عام 2018 قال فيه إن "عمليات توقيف قادة حركة غولن التي تحدث في الخارج لن تكون الأخيرة".
كانت آخر هذه العمليات غير القانونية التي نفذها جهاز الاستخبارات التركي المحاولة الفاشلة في يوليو 2018 لاختطاف مدير مدرسة تركية في منغوليا يدعى فيصل أكجاي.
في يوم الجمعة 27 يوليو، هبطت طائرة تابعة لسلاح الجو التركي تحمل رحلتها الرقم "تي تي 4010"، قرابة الساعة الواحدة بعد الظهر في مطار جنكيز خان الدولي، وملثمون ولوحة سيارة مزيفة، مع تحركات غير طبيعية كشفت عن نوايا إجرامية لم تتضح معالمها.
أمسك 5 رجال بفيصل أكجاي، من أمام منزله في أولان باتور، ووضعوه في حافلة صغيرة، وعندما لم يحضر إلى عمله أبلغت عائلته وأصدقاؤه الشرطة، تزامنا مع إحضار الخاطفين له إلى المطار، حسب ما روى شهود عيان.
أدركت السلطات المنغولية المؤامرة، ومنعت الطائرة من الإقلاع فور إخطارها بأن على متنها تركيًّا مخطوفًا. الأزمة التي استمرت أكثر من 8 ساعات، تخللها تحذير نائب وزير الخارجية المنغولي باتستسيج باتمونخ مسؤولي السفارة التركية الذين تم استدعاؤهم إلى المطار من أن أية محاولة خطف على أراض منغولية تشكل "انتهاكا خطيرا لاستقلال منغوليا وسيادتها". وبعد المناوشات والتهديدات المنغولية لتركيا، أقلعت الطائرة لكن فيصل أكجاي لم يكن على متنها.


عملية كوسوفو وزبانية أوكرانيا
تمكنت عناصر تركية تابعة لجهاز الاستخبارات في 2018 من إعادة 6 أشخاص من  كوسوفو، مشتبه بأنهم من مؤيدي غولن إلى أنقرة على متن طائرة خاصة، بعد عملية معقدة اشتركت فيها تركيا وجهاز الاستخبارات الكوسوفي في بريشتينا.
تسببت العملية المشبوهة في إصدار رئيس وزراء كوسوفا راموش هاراديناي قرار إقالة لوزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات، وإجراء تحقيق موسع مع كل من يشتبه بتورطه في ترحيل الرجال الأتراك الستة.
وفي أوكرانيا، تمكن زبانية إردوغان من اختطاف التركي صالح زكي يغيت، وإحضاره إلى أنقرة على متن طائرة خاصة، بتهمة الانتماء لحركة غولن، والزعم بأنه كان يجمع الأموال من رجال الأعمال تحت مسمى تبرعات، ويرسلها إلى زعيم حركة الخدمة القابع في ولاية بنسيلفانيا الأميركية، والعاملين تحت مظلته في دول القارة الإفريقية.
وفي أذربيجان، اُختطف التركي عيسي أوزدمير الذي تولى مهمة إدارة الأعمال الخاصة لمنظمة "غولن"، ويعرف عنه بأنه الممول لها في هذا البلد.
وفي الجابون، تمكن جهاز الاستخبارات التركي من جلب 3 أشخاص كانوا يعملون بمدارس تابعة لحركة الخدمة، يشتبه في أنهم من أتباع غولن، إلى تركيا على متن طائرة خاصة.
وفي السودان، نفذت الاستخبارات التركية وجهاز المخابرات والأمن الوطني السوداني، في نوفمبر 2017، عملية مشتركة استهدفت خطف التركي ممدوح جيقماز من الخرطوم وإعادته إلى أنقرة. وزعمت وسائل الإعلام الموالية للنظام في أنقرة أن جيمقاز عبارة عن خزانة نقود لشبكة غولن، وأنه حول ملايين الدولارات إلى الشبكة من السودان منذ فراره إلى هناك في يناير 2016.

 

Qatalah