يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بالمكر والحيلة وألعاب الشطار، انتصر المصريون على المحتل العثماني، وبادلوه قهرا بقهر، وبطشا بخديعة وسخرية، فانتقموا منه على طريقتهم، بما جسدوه في سيرة بطلهم الشعبي علي الزيبق، الفقير الظريف ورمز المقاومة الشعبي الذي دوخ أغبياء إسطنبول في شوارع مصر المحروسة بألاعيبه الطريفة.

غباوة العسكر وغيبوبة السلطان
"ضاق الفقراء والجياع ذرعا بغياب القانون وغيبوبة السلطان وغباوة العسكر وأهل الدولة، بسبب سوء تدبير الحكام وغفلتهم عن مصالح العباد وانهماكهم في الملذات"، هكذا قال المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي عن أجواء تلك الفترة، التي ظهر فيها اسم البطل المصري علي الزيبق، الذي تصدر واحدة من الملاحم الشعبية حول فساد السلطة من رأسها في السلطنة، إلى أصغر والي ومحتسب في أقاليم القاهرة.
تحكي الملحمة قصة فساد كبيرة يشترك فيها كل أطراف السلطة، ابتداء من الخليفة وانتهاء بالعسكر ورجال الشرطة، والكل في دائرة الفساد مشترك، ومن كثرة الفساد أصبحت مقولة "حاميها حراميها" قولا وفعلا، فالمسؤول عن حفظ الأمن المقدم صلاح الكلبي أراد الوالي تجنب فساده وسرقته فجعله على رأس جهاز الأمن ليضمن أنه لن يسرق إلا بإشرافه وتحت رعايته.
يقول محمد سيد عبدالتواب في كتابه "سيرة علي الزيبق" إن "هذه سيرة أشطر الشطار علي الزيبق في تراثنا الشعبي، سيرة الثورة على غياب القانون وفساد الحكم ولصوص السلطة، ومغتصبي أقوات الناس وأحلامهم، فهي وثيقة فنية بالغة الدلالة أطلقها الوجدان الشعبي، تغوص في أعماق الحياة المصرية فتكشف التناقضات الاجتماعية الصارخة وتعري جهاز الحكم في البلاد، عبر ملاعيب وحيل شاطر الشطار علي الزيبق بلا قدرات خارقة، يناوئ بها الحاكم ويكيد له ويقاومه".

صلاح الكلبي رمز الاستبداد العثماني
تظهر سيرة علي الزيبق شخصية شاب من عامة الشعب المصري ومن بين طبقاته الفقيرة، قرر أن يقاوم طغيان طبقة المماليك الأتراك بالحيلة والخداع وخفة الحركة، وينتقم لمقتل والده البطل الشعبي حسن راس الغول الذي اغتاله مقدم الدرك صلاح الكلبي ليحل محله ويغتصب موقعه.
عكس الصراع بين "علي الزيبق" وصلاح الكلبي الصراع الخفي بين مصر التي ترفض المحتل العثماني وترغب في الإطاحة به، وبين الدولة العثمانية المستبدة التي لا تتورع عن ارتكاب الجرائم وظلم الرعية وتتنكر لصرخات المظلومين، حتى "هلك العباد وانتشرت الفوضى في البلاد" كما يقول الجبرتي.
انتهت سيرة "علي الزيبق" بعدم قبول البطل منصب قيادة الشرطة في مصر وتفضيله البقاء بين البسطاء، لأنه لا يخشى نهاية أبيه بقدر ما يخشى أن تغيره السلطة، فيتحول يوما إلى ذلك الظالم الذي وقف ضده بالأمس.

روبن هود المصري
ولدت سيرة علي الزيبق لتعبر بمرارة عن شعور المصريين آنذاك تجاه المحتل العثماني الذي استعان بالمماليك الأتراك لقمع المصريين وجباية الضرائب، فأصبحت لغة العصر السائدة الرشوة والفساد وتبادل الخداع والفهلوة على حساب مصلحة المجتمع، ما جعل الأهالي يضجون بالشكوى مما يتعرضون له من قهر واستبداد، وأصبحت الطريقة الوحيدة للتعامل مع الحاكم هي خداعه ومراوغته خوفا من بطشه.
صورت السيرة موقف السلطان العثماني من الأجهزة الإدارية في الولايات، فحين تحتج الرعية على ظلم الوالي وترسل شكواها إلى إسطنبول في محاولة منها للاستنجاد بالحاكم كان يأتي الرد كارثيا، حيث يغض السلطان الطرف عن تلك المظالم، ويجزل العطاء للوالي المتجبر الظالم وقد يرقيه إلى درجة صدر أعظم.

رمز المقاومة المصرية
احتلال "علي الزيبق" لهذه المكانة المتميزة في عقول المصريين وقلوبهم جاء نتيجة لما يمثله هذا اللص الشريف من تحقيق قيمة العدل المبني على أساس أن الجزاء من جنس العمل، فكما تسرق السلطة أقوات الناس وأحلامهم يسرق الزيبق ممثل الناس السلطة التي استولت على الثروات بالبطش والطغيان، وما الزيبق إلا مندوب لإعادة توزيع هذه الثروة المنهوبة.
وصف محمد رجب النجار في كتابه "الأدب الملحمي في التراث الشعبي العربي" سيرة علي الزيبق فيقول: "كان رمزا لروح المقاومة الشعبية العربية في مصر، محققا لأحلامها في الخلاص القومي من خلال المقاومة بالحيلة ضد الأنظمة السياسية الفاسدة. تجاوز دوره وبطولته في المقاومة حدود مصريته إلى آفاق أمته العربية دفاعا عن الشام والحجاز والعراق والمغرب العربي، وتحقيقا لآمال أمته الإسلامية".

الزيبق يغزو الشام
تمتعت سيرة علي الزيبق بشعبية جارفة، ولم تقتصر شعبيتها على أهل مصر بل أصبحت محط إقبال كبير من سكان الولايات العربية التي اتخذت منها وسيلة لانتقاد الاحتلال العثماني بكل شخصياته ومؤسساته، بداية من السلطان الجائر مرورا بالولاة المرتشين الفاسدين وحتى أصغر جندي تركي فيقول الراوي: "أيظلمني الزمان وأنت فيه؟، وتأكلني الذئاب وأنت ليث؟".
موقف الحكومة العثمانية المناهض للسير الشعبية يكشف بدرجة كبيرة تزايد هذه المرويات الشعبية، حتى أنها كانت تطبع بالمئات، وهذا ما أكدته كتابات "شابرول" في كتابه "وصف مصر" حيث يقول: "كان بالقاهرة 50 شاعرا يروون قصة أبو زيد الهلالي، و40 شاعرا يروون قصة علي الزيبق، أما رواة سيرة الظاهر بيبرس فكانوا قرابة 30 شاعرا، وهناك قرابة ألفي شخص في القاهرة كانوا يترددون على المقاهي ويستمعون إلى رواة القصص الشعبية، ففي كل مقهى يوجد عدد من الرواة والمنشدين، يحكون أو يغنون حكايات الأبطال".
انتشرت سيرة علي الزيبق في مصر والشام لتصبح رمزا للمقاومة الشعبية في المنطقة العربية، وبرع رواة السير في طرح منظور البلدين للبطل الذي سيخلصهم من الاستبداد العثماني، لذا ظهرت النسخة المصرية تحت اسم "سيرة علي الزيبق المصري"، وخرجت النسخة الشامية تحت اسم "قصة علي الزيبق المصري الشامية الكبرى".

العثمانيون يطاردون الحكايات
قدمت سيرة علي الزيبق صورا حية من حياة الناس وظروف المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية عندما انهارت سلطة الدولة وتحكم العبيد والجواري في مصير البلاد والعباد، ولم يكن أمام الشعب إلا أن يتسلح بأسلحتهم وأن يقاومهم بأسلوبهم، لذلك اعتبرت الدولة العثمانية أبطال السير الشعبية جماعات مشاغبة خارجة على القانون، ولكن الشعب تعاطف معهم ووضعهم في مرتبة الأبطال.
تحول علي الزيبق إلى رمز للأمة كلها يحقق أحلامها في الخلاص من الفساد والظلم من خلال فن المقاومة بالحيلة، وبرع الرواة في إظهار الجانب السياسي من البطل الذي يجري في عروقه مزيج من الدماء العربية والمصرية، فكان أبوه حسن راس الغول كبير مقدمي الدرك في مصر وأمه فاطمة الزهراء ابنة قاضي الفيوم، وفي إشارة إلى دور مصر القيادي للأمة العربية أضفى عليها راوي السيرة صفات الأبطال، فجعلها الأم المنقذة وأشجع فرسان زمانها، وبفضل سيفها تحسم دائما المعارك العسكرية الكبرى.
يقول محمد سيد عبدالتواب في كتابه "سيرة علي الزيبق" إن "الدولة العثمانية وصفت أبطال السير الشعبية بشكل ازدرائي لكونها انخرطت في العمليات المناهضة للحكم، وتم تصويرهم كمتمردين على سلطة الحاكم الشرعي، لذا كان منطقيا أن تهمش مثل هذه الشخصيات من قبل السلطة الحاكمة، حتى لا تظهر مرة ثانية إلى الوجود، وهو السبب الذي دفع الولاة العثمانيين إلى حرق وإخفاء الطبعات المصرية قبل مئتي عام".

Qatalah