يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


علي باباجان وزير الاقتصاد التركي الأسبق بات الاسم الأكثر شهرة والمتصدر للمشهد السياسي في تركيا، فباباجان الذي غاب عن الأنظار بصورة مفاجئة منذ العام 2015؛ عاد للظهور مرة أخرى ليشكل خطرًا على رجب إردوغان ليصبح ألد أعدائه مع اعتزامه تأسيس حزب جديد يضم المنشقين عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، قد يكون اللبنة الأولى للإطاحة بديكتاتور أنقرة.

قبل أغسطس 2018، إذا ناقش أحد إردوغان في إمكانية أن تتم الإطاحة به من السلطة لصالح آخرين من المعارضين أو أحد الحلفاء القدماء فإن رده المتوقع وقتها "دعهم يحلمون" مع ضحكة ساخرة؛ غير أن طرحًا بهذه الصيغة في الوقت الحالي سيصيب الرئيس التركي بالصمت نتيجة الصدمة، وسيغير كثيرا ملامح وجهه، فهو يدرك أكثر من غيره أن قواعد اللعبة تغيرت.

مع اشتداد الأزمة الاقتصادية في تركيا بداية من أغسطس الماضي تغيرت الأمور في البلاد؛ فإردوغان الذي كان منتصرًا لتوه من الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها بالولاية الثانية على التوالي 2018، فضلًا عن فوز حزبه بالأكثرية في الانتخابات البرلمانية لم يتخيل أن الأوضاع ستسوء كما ساءت في غضون شهرين فقط (من يونيو إلى أغسطس).

انهار الاقتصاد؛ ومنذ الشهور الأربعة الأخيرة من 2018 حتى مارس الماضي كانت المخاوف تنتاب إردوغان من أن الأمور على وشك أن تفلت من يديه؛ إلا أن خسارة حزبه (العدالة والتنمية) في الانتخابات البلدية التي أجريت بنهاية مارس كانت القشة التي أوشكت على قصم ظهر الرئيس التركي، ليوقن بعدها أن العد العكسي لنهاية حكمه قد بدأ؛ لكن من يمسك بمعول هدم الحجر الأخير من بيت النظام القابع في الحكم منذ 17 عامًا؟

تتزايد مخاوف إردوغان من بعض الأسماء، لعل أبرزهم الحلفاء القدامى: داود أوغلو وعبد الله جول، وعلي باباجان، والأخير يشكل هاجسًا خاصًا للرئيس التركي فهو وزير الاقتصاد الأسبق، ومستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، والمشارك الأكبر في مشروع العدالة والتنمية خلال السنوات الأولى من حكم الحزب، كما أنه لم يُضبط يومًا متبلسًا في اتهامات الفساد السياسي والمالي التي طالت كبار الرؤوس حول إردوغان من الوزراء ورجال الأعمال وكبار المسؤولين، والعائلة. 

من الهندسة إلى السياسة
ولد علي باباجان في التاسع من أكتوبر 1967، وأسس مع إردوغان وعبد الله جول وآخرين حزب العدالة والتنمية في أغسطس 2001، ثم تولى مسؤولية وزارة الشؤون الاقتصادية مع وصول الحزب للسلطة في نوفمبر عام 2002. 

في الفترة من أغسطس 2007 إلى مايو 2009 تولى باباجان منصب وزير الخارجية، ثم شغل منصب وزير الاقتصاد من 2009 حتى عام 2011، كما عمل مفاوضًا في ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لذا يعده كثيرون مقنعًا للأوروبيين حال أمسك بزمام الأمور في البلاد. 

درس الهندسة الصناعية في أنقرة في ثمانينيات القرن الماضي، وعاش فترة في الولايات المتحدة لإكمال دراسته في التسعينيات ونال درجة الماجستير عام 1992؛ قبل أن يدخل إلى عالم السياسة ويؤسس مع أصدقائه حزب العدالة والتنمية.

بعد ذلك، انتخب عضوًا في البرلمان التركي عن مدينة أنقرة في 3 نوفمبر 2002 ، وعين مستشارًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزير دولة بعد أيام من انتخابه، ليكون أصغر عضو في مجلس الوزراء وعمره 35 عامًا فقط وقتها.

أطلق عليه الحزب لقب "صانع النهضة الاقتصادية"، بعد أن شهد الاقتصاد التركي إبان توليه منصب وزير الاقتصاد ومستشار رئيس الوزراء فترة انتعاش كبرى، إذ عمِل بشكل جاد لإحداث التطور والتنمية الاقتصادية فأصبح الدولار الأمريكي يساوي فقط 1.40 ليرة تركية (يسجل الدولار حاليًا أكثر من 5.5 ليرة)، وانخفضت الديون التركية الخارجية من 309 مليارات دولار إلى 90 مليار دولار.

مساهمة باباجان في النهضة الاقتصادية جاءت من نشاطاته المستمرة ومنها توقيع عدة اتفاقيات سياسية واقتصادية بين تركيا والاتحاد الأوروبي تشجع على التبادل التجاري والسياحي والاستثماري.

كما ساهم باباجان في تطوير مستوى الإنتاج الداخلي لتركيا، وانخفض مستوى الواردات التركية وارتفع مستوى الصادرات التركية حيث أصبح الفرق بينهما 3 مليارات و408 ملايين دولار بعدما كان 77 مليارا و40 مليون دولار، وتطور عدد الشركات الأجنبية فوصل في عام 2012  إلى 32 ألفا و 416 شركة بفضل القوانين الاقتصادية الداعمة والمُسهلة للاستثمار الأجنبي التي عمل علي باباجان على إصدارها، حسب موقع "ترك برس".

فضائح ما قبل الإبعاد 
اختلف عليه إردوغان فجرت الإطاحة به من دائرة الحكم في عام 2015، وذلك بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو من العام ذاته بحجة أن النظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية لا يسمح له بأن يترشح للانتخابات أكثر من 3 دورات انتخابية، وبالتالي لا يمكنه أن يبقى مساعدًا أو مستشارًا لرئيس الوزراء.

عمل باباجان على تجنب السياسة، لكنه قبل الإطاحة به إبان انتخابات يونيو 2015 كشف عن الوجوه القبيحة لإردوغان؛ فخرج في أغسطس 2014 بتصريحات أثارت ضجة واسعة في الشارع التركي، منها إنكار ما قاله إردوغان بأن رجل الأعمال التركي من أصل إيراني رضا ضرّاب "شخصية محبة للخير". 

ويحاكم ضراب في الولايات المتحدة بتهمة نقل الأموال بين تركيا وإيران وعمليات نقل الذهب مقابل البترول؛ إلا أن باباجان أكد أن ضراب "شخصية لم تفد الاقتصاد التركي بمثقال ذرة من العمليات التي قام بها".

كما قيّم أداء حزب العدالة والتنمية فقال: "لم نستطع أن نكون ديمقراطية متقدمة"، كذلك نبه إلى مخاطر اقتصادية تنتظر البلاد فشدد: "يجب علينا أن نوجِد 220 مليار دولار خلال عامٍ واحد" ليكشف بذلك عن أزمة غرقت فيها البلاد بقوة لاحقًا ولا تزال تحاول النجاة منها حتى الآن.

تصريح باباجان وقتها فسر النمو التركي بأنه "نمو مزعوم لم يكن نتيجة عمليات إنتاج الاقتصاد، فالسواد الأعظم من عمليات تمويل الاستهلاك تمت من خلال قروض خارجية"، حسبما نقلت صحيفة "زمان".

منقذ اقتصادي؟
الخلافات بين باباجان وإردوغان قبل الإطاحة بالأول تدور في جزء منها أيضا حول الرؤية الاقتصادية، فقبل أسابيع من تركه آخر منصب رسمي له في الدولة التركية اختلفا سويًا حول طريقة إدارة البنك المركزي التركي.

باباجان رفض الانتقادات التي يشنها قصر رئاسة الجمهورية على سياسات البنك المركزي وعلى رئيسه حينها، أردم باشتشي من أجل خفض الفوائد. ودافع باباجان عن البنك المركزي في مواجهة إردوغان قائلا: "نثق في فريقنا". وبعدها فكر في تقديم استقالته مباشرة، إلا أن المقربين منه منعوه.

في الفترة ذاتها، أكد باباجان وكان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عدم وجود دولة قانون "حقيقية"  في تركيا وأنه من المستحيل الانتقال إلى اقتصاد متقدم من دون دولة القانون. 
ونبه إلى ضرورة تأسيس نظام قضائي قوي، قائلا: "لن تشهد البلاد نظاما ديمقراطيا سليما، إلا بعد تطبيق نظام قانوني متين وجيد. وفي حال عدم حدوث ذلك سنواجه عقبات في طريقنا".

كما تحدث عن التأثير السلبي لعجز الحساب الجاري على عجلة الإنتاج بسبب الإنفاق الذي وصل إلى حدود الإسراف في البلاد. وأوضح أن البنوك التركية تقدم قروضا بنحو 121% من قيمة الودائع والمدخرات الموجودة لديها، وأن البنوك تقوم بتغطية تلك القروض من الخارج وهذا يشكل خطرا كبيرا على الاقتصاد التركي.

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية منذ أغسطس الماضي، ثم إثر خسارة حزب العدالة والتنمية الانتخابات البلدية في كبرى المدن التركية (أنقرة وإزمير) في مارس الماضي ثم في يونيو في إسطنبول لصالح حزب الشعب الجمهوري المعارض بات اسم باباجان يتردد بقوة في الشارع التركي؛ ومع صحة أغلب توقعاته الاقتصادية السابقة فإن كثيرين يرونه منقذَا للاقتصاد التركي الغارق حاليًا في ظلمات الأزمات. 

الحزب الجديد
في الأيام الأخيرة، نقلت صحف تركية أن باباجان التقى إردوغان وأبلغه بأنه سيؤسس حزبًا جديدًا - قد يظهر للنور في يوليو الجاري- بعد الاستقالة من حزب العدالة والتنمية، وذكرت الصحف التركية أن إردوغان رد على حديث باباجان بإنشاء حزب سياسي بقوله "إذا كنتم تريدون فعل شيء افعلوه داخل حزب العدالة والتنمية؛ ولكن إن ذهبتم ستذهبون كما ذهب آخرون واختفوا من الحياة السياسية". 

في مايو الماضي، أكد موقع أودا تي في ( Oda TV) التركي أن باباجان يصر على تأسيس الحزب الجديد وأنه لن يقبل بتولي منصب وزير الاقتصاد- حال عرضه عليه إردوغان خلفًا لصهره بيرات آلبيراق- لانتشال البلاد من أزمتها المالية الراهنة.

ونبه الموقع إلى أن باباجان يرفض تأسيس حزب مشترك مع داود أوغلو؛ فيما تشير تقارير إلى أن الرجل قد يظهر بحزبه إلى النور في الأيام القليلة المقبلة؛ وأنه قد ينجح في استقطاب عدد من نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان للاستقالة؛ ما يشكل تهديدا على أغلبية الحزب الحاكم في البرلمان؛ ويمهد الطريق أمام تعديل دستور  أو انتخابات  مبكرة قد تطيح بإردوغان وحزبه خارج لعبة السياسة التركية، وربما تزج به إلى المعتقلات عقابًا على جرائمه السياسية والمالية.

Qatalah