يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الاعتداء على الطائفة اليهودية هو اعتداء على تركيا" هذا هو التصريح الذي أدلى به رجب إردوغان غداة الهجوم بشاحنتين مفخختين على معبدين يهوديين في إسطنبول وهما "نيف شالوم" و"بيت إسرائيل" في 15 نوفمبر 2003، والذي أسفر عن سقوط 23 قتيلا وإصابة أكثر من 300 آخرين.

منظمة "جبهة غزاة الإسلام الشرقية العظمى" الإرهابية أعلنت مسؤوليتها عن الحادث، غير أن السلطات التركية رجحت فيما بعد أن يكون الهجوم من تدبير تنظيم "القاعدة"، لكن إردوغان الذي كان قد وصل لمنصب رئيس الوزراء التركي، في مارس 2003 قبل ثمانية أشهر فقط من وقوع الحادث، استغل هذا الحادث لإظهار نفسه بوصفه المدافع الأول عن اليهود في تركيا.

درع الشجاعة
تصريحات إردوغان المؤيدة لليهود التي أطلقها بعد توليه رئاسة الحكومة التركية، كان يرمي من ورائها إلى طمأنة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن الدولة اليهودية التي تربطه بها علاقات وصفقات تجارية وعسكرية كبيرة.

نجحت خطة إردوغان، إذ سرعان ما لفتت هذه التصريحات الأنظار لقائد تركيا الجديد، واستطاعت أن تمحي ماضيه العثمانلي وخلفيته المتشددة، حيث منحته منظمة "المجلس اليهودي الأمريكي" في نيويورك "درع  الشجاعة" في يناير 2004.

المجلس اليهودي الأمريكي قال في حيثيات منح العثمانلي هذه الدرع إنه استحقها، بسبب "مواقفه من محاربة الإرهاب، والعمل على التوصل لحل سلمي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ورفض الأصولية، وثباته على الالتزام بحماية المواطنين اليهود في تركيا".

وسام الشجاعة
وبالتزامن مع حصوله على درع "الشجاعة"، حصل العثمانلي على جائزة يهودية أخرى، وهي وسام "الشجاعة" من "اللجنة اليهودية الأمريكية" في حفل أقيم بمدينة نيويورك الأمريكية في الزيارة نفسها في يناير 2004.

رجب إردوغان، قال في حفل حصوله على هذا الوسام: "إنني أتقدم بجزيل الشكر لكل من منحوني هذه الجائزة كوسام للتعاون بين الحكومة التركية والمؤسسات اليهودية"، وأضاف أن تركيا، التي تحظى بعضوية حلف شمال الأطلسي، ستظل خلال حكومته، واحدة من أوثق حلفاء إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، وأن واشنطن يمكنها أن تعول على أنقرة بوصفها وسيطًا ذا مصداقية في عملية السلام بالشرق الأوسط.

الشجاعة اليهودية
ثمة جائزة يهودية ثالثة، حصل عليها إردوغان في العام التالي، فقد منحته "رابطة مكافحة التشهير" اليهودية جائزة "الشجاعة اليهودية" أو جائزة "شجاعة من يبالي" عام 2005م، وهي الجائزة التي أثارت بعض الجدل في الأوساط اليهودية.

سبب الجدل يعود إلى أن هذه الجائزة لا تمنح إلا للذين ساهموا في إنقاذ اليهود إبان المحرقة اليهودية (هولوكوست) على يد النظام النازي في ألمانيا، وقالت المنظمة مانحة الجائزة إن تركيا لعبت دورا في إنقاذ العديد من هؤلاء اليهود في تلك الفترة، رغم أن إردوغان لم يكن يحكم تركيا في ذلك الوقت، كما لم يكن له أي دور في إنقاذ أي يهودي من هذه المحرقة، وهو ما أثار شكوكًا حول رغبة المنظمة اليهودية في تكريم إردوغان تحت أية ذريعة.

"رابطة مكافحة التشهير" منظمة يهودية غير حكومية تعني بالدفاع عن الحقوق المدنية وتتخذ من نيويورك مقرًا لها، وهي من أشد المنظمات الداعمة لإسرائيل، وتعمل على مكافحة معاداة السامية أو ما يعرف بعداء اليهود في جميع أنحاء العالم.

تكريم المنظمة لإردوغان، أثار انتقادات للمدير الإقليمي لها إبراهام فوكسمان، نظرًا لمنح المنظمة جائزة لمن لا تنطبق شروطها عليه، لكن فوكسمان رد على تلك الانتقادات قائلًا إن السلك الدبلوماسي التركي لعب دورا في إنقاذ اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى "الدور البطولي" التركي في إنقاذ اليهود من معسكرات الموت، ومن عمليات الشغب في أوروبا حتى إبان الإمبراطورية العثمانية.

دعاية سياسية
الحفاوة اليهودية والإسرائيلية التي حازها إردوغان، كانت أحد مصادر النقمة عليه، وكانت أحد أكبر العوامل التي هددت شعبيته في أوساط أنصاره ومريديه، وهو ما شكل خطورة كبيرة قبيل دخوله ماراثون الانتخابات الرئاسية في 2014، فكان لابد للعثمانلي الانتهازي أن يمارس ألاعيبه، ويستخدم خطابا معاديا لإسرائيل، كمناورة دعائية سياسية.

إردوغان الحاصل على جائزة "الشجاعة اليهودية" كان ينافسه في الانتخابات الرئاسية أكمل الدين إحسان أوغلو، الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي، الحاصل على وسام الدولة الفلسطينية، الذي يعرف باسم "نجمة القدس" عام 2015 من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، نظرًا لجهوده من أجل استقلال فلسطين.

ولدى شعوره بالتهديد من منافسه الحاصل على وسام "نجمة القدس" الفلسطيني، في حين أنه يحمل وسام "الشجاعة" اليهودي، فكر إردوغان أنه لابد من أن يزايد على خصمه في هذا الصدد، حتى لا يستغله ضده في حملته الانتخابية، فلجأ العثمانلي لمناوراته السياسية وأساليبه الرخيصة لذر الرماد في العيون.

وخلال حملته الانتخابية، استغل إردوغان العمليات الإسرائيلية على حلفائه من "حماس" في غزة في صيف 2014، ليشن خطابا معاديا لتل أبيب، التي هاجمها بشدة ووصفها بأنها تمارس جريمة إبادة جماعية "تفوق في بربريتها هتلر"، وقال لا يمكن لبلاده أن تطبع العلاقات مع إسرائيل ما لم توقف "الظلم" الذي تمارسه على قطاع غزة.

كما انتقد في خطاب انتخابي منافسه الرئاسي أكمل الدين إحسان أوغلو، زاعمًا أن خصمه السياسي "يريد أن يكون حياديًا بين إسرائيل وفلسطين"، ليزايد عليه بالقول إن بلاده لن "تقف على الحياد" في القضية الفلسطينية تحت حكمه وستقف مع فلسطين، بيد أن هجوم العثمانلي على إحسان أوغلو أثار سخرية الصحافة التركية مثل موقع "روتا" الذي أشار إلى أن إردوغان حاصل على أوسمة من منظمات يهودية في حين يحمل منافسه وساما فلسطينيًا.

وبعد تصريحاته العنترية، دفع حزب "العدالة والتنمية" بعض عناصره للهجوم على القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول، حيث رشق بعضهم القنصلية، بالحجارة ورفعوا الأعلام الفلسطينية على مقر إقامة السفير الإسرائيلي في أنقرة، كخطوة دعائية أخرى من إردوغان لتبرئة ساحته من علاقته المشبوهة بالمنظمات اليهودية وإسرائيل.

طلب الجائزة
التصريحات الانتخابية التي أطلقها إردوغان في إطار حملته الدعائية في انتخابات الرئاسة التركية أثارت غضب "المجلس اليهودي الأمريكي" الذي بوخ تصريحات وتصرفات عميله التركي الحائز على درع الشجاعة اليهودية قبل عشر سنوات.

الأمر تطور إلى درجة مطالبة المنظمة اليهودية الأمريكية إردوغان بإعادة درع الجائزة، متهمة إياه بأنه أصبح فجأة يستخدم "خطابًا خطيرًا" و"التحريض على العنف ضد اليهود"، وأنه أصبح "أشد زعماء العالم معاداة لإسرائيل" وقالت إن إردوغان حصل على جائزة الشجاعة نظير عمله من أجل حل سلمي في الشرق الأوسط، عندما كانت علاقته بإسرائيل جيدة، والتزامه بحماية اليهود الأتراك.

رئيس المجلس جاك روزن، قال في رسالة مفتوحة للعثمانلي بتاريخ 23 يوليو 2014: "الآن نريد استرداد درع الجائزة"، مخاطبًا إردوغان بالقول: "بعد عشر سنوات من منحنا الجائزة لك أصبحت أشد زعماء العالم معاداة لإسرائيل، تدلي بتصريحات خطيرة من أجل مكاسب سياسية وتحرض الشعب التركي على العنف ضد الشعب اليهودي".

رئيس المجلس، لفت في رسالته، إلى أن تصريحات إردوغان تحظى بتأييد كبير بين قاعدة مؤيديه وأغلبهم من الناخبين المتدينين.

رفض الطلب
في مقابل طلب رد الجائزة، قالت السفارة التركية في واشنطن إن إردوغان "يسعده" إعادة درع الجائزة التي حصل عليها من "المجلس اليهودي الأمريكي" قائلًا :"خذوا جوائزكم واطرحوها على رؤوسكم" دون أن يشير بالاسم للوسام الذي حصل عليه من "اللجنة اليهودية الأمريكية" والجائزة التي حصل عليها من "رابطة مكافحة التشهير" اليهودية سنة 2005.

وعلى الرغم من تصريحات السفارة التركية في واشنطن، التي أكدت على ترحيب إردوغان بإعادة درع جائزة الشجاعة اليهودية، لكن من الناحية الفعلية اكتفى إردوغان بتصريحاته العنترية ولم يسلم الجائزة، بل نقلت وكالة "أنباء الشرق الأوسط" عنه قوله إنه لن يقوم برد درع جائزة الشجاعة التي حصل عليها من "المجلس اليهودي الأمريكي" سنة 2004.

إردوغان صرح أيضا لمجموعة من الصحافيين المقربين منه، خلال عودته من أحد مؤتمراته الانتخابية على متن طائرته الخاصة "علاقاتنا مع إسرائيل لم تكن كما هي الآن ... وأنا بطبيعة الحال لم أقبل تلك الجائزة على أنها هدية أو رشوة مقابل سكوتي"،  وهو ما تناقلته وسائل الإعلام التركية، وهو ما كان يريده إردوغان ضمن إجراءات حملته الدعائية.

انتقادات واتهامات
لم تنته الأزمة بانتهاء حملة الدعاية السياسية، وفوز إردوغان بمنصب رئيس الجمهورية، إذ واجه مستبد أنقرة وحزبه "العدالة والتنمية" عدة انتقادات بسبب حصوله على هذه الجوائز والأوسمة اليهودية، التي أثارت الكثير من الشبهات حول الخليفة العثمانلي الذي اكتفى بتصريحاته الإعلامية العنترية دون أن يرد درع الجائزة فعلًا.

في نوفمبر 2014 تقدم شفيق تشيركين، نائب حزب الحركة القومية عن مدينة هطاي، جنوب البلاد، بطلب استجواب في البرلمان، لرئيس الوزراء التركي آنذاك، أحمد داود أوغلو، طالبه فيه بتوضيح سبب عدم تسليم إردوغان الجوائز والأوسمة اليهودية التي حصل عليها حتى ذلك الحين، ولم يتمكن أوغلو في هذه الجلسة من تبرير سلوك إردوغان.

وفي فبراير 2015 جدد شفيق تشيركين، دعواه وتساءل عما إذا كان الرئيس إردوغان قد أعاد "جوائز الشجاعة اليهودية" التي حصل عليها من اللوبي اليهودي أم لا، كما قدم طلب استجواب لوزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، الذي حاول التهرب من القضية، باستخدام عبارات دبلوماسية جوفاء، لكنه في النهاية لم يؤكد أن إردوغان أعاد هذه الجوائز والأوسمة، رغم مرور ستة أشهر على اندلاع الأزمة.

وفي 2016، خلال حملة إردوغان الشرسة على حلفائه من حركة "الخدمة" التي يتزعمها فتح الله جولن بعد مسرحية محاولة الانقلاب في يوليو من العام نفسه، وجه إردوغان اتهاما للحركة بالتعامل مع جهاز المخابرات الإسرائيلي (موساد) وهو ما أعاد إلى الأذهان وقائع حصوله على الجوائز والأوسمة اليهودية التي حصل عليها من "المجلس اليهودي الأمريكي" و"اللجنة اليهودية الأمريكية" عام 2004 و"رابطة مكافحة التشهير" اليهودية عام 2005.

تزايد الشبهات
في ديسمبر 2017، كان البرلمان التركي على موعد جديد مع الجدل بشأن القضية نفسها، حيث قام تانجو أوزجان، نائب حزب الشعب الجمهوري المعارض عن مدينة بولو، خلال جلسات مناقشة موازنة الدولة، ليبين موقف الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1938م)، وهو يضع ميدالية البرلمان التركي تقديرًا لدوره في حرب الاستقلال ضد الدول الأجنبية، وبين إردوغان وهو يحمل ميدالية اللوبي اليهودي.

وفي الجلسة نفسها، انتقد أوزجان سياسة الرئيس التركي مع إسرائيل، ورأى أنها قائمة على المصالح والمنفعة، وتتسم بالكثير من المراوغة والخبث، موكدًا على موقف العثمانلي غير الصادق تجاه قضية القدس، خلافا للتصريحات الرنانة التي يطلقها في وسائل الإعلام.

أوزجان أحرج نواب حزب "العدالة والتنمية" الحاكم داخل الجلسة، وتوجه إلى مقاعدهم، وخاطبهم بالقول: "أريد أن أسألكم لماذا لم يمنحوا هذه الميدالية إلى زعيم روسي؟ لماذا منحوها إلى إردوغان ولم يمنحوها إلى الأسد أو إلى الرئيس الفرنسي؟".

Qatalah