يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أذل الجيش المصري العثمانيين في سلسلة من المعارك، أسر خلالها قادتهم، وأطاح برقاب جنودهم، ورفض قادته كل مساعي الصلح التي حاول من خلالها السلطان العثماني الذليل وقف زحف المصريين لسحق عاصمة دولته، وإزالة سلطنة بائسة من خارطة التاريخ، لولا تدخل أوروبا باستجداء المصريين حينا ومحاربتهم أحيانا أخرى، لطويت صفحة الدولة العثمانية قبل قرن من تاريخ وفاتها، لكنها المؤامرة الأوروبية التي فضلت الاحتفاظ برجلها المريض في إسطنبول، ومنع تقدم المارد المصري نحو حدود أوروبا الشرقية.
تخلصت أوروبا من نابليون في العام 1815، وأقرت ما عرف بالسلام الدولي بين إنجلترا والنمسا وروسيا وبروسيا والذي يمنع بروز أية قوة عالمية قد تغير في مناطق نفوذ هذه الدول، وتم الاتفاق أيضا على الإبقاء على الدولة العثمانية الضعيفة والمتهاكلة لحين البدء في تقسيمها،  ظهر الجندي المصري على مدار عشرين عاما غير خرائط الشرق، هدد المخطط الأوروبي لأقاليم الدولة العثمانية بالزوال، كشف انهيار حكومة إسطنبول وأحالها للتقاعد، نبه الجميع أن مارد الشرق قد استيقظ فظهرت عورات العثمانيين على الملأ.

بداية الملحمة
أدرك والي مصر، محمد علي باشا، أن النهضة في مصر مرتبطة بالتخلص من احتلال الدولة العثمانية، خاصة بعد فشلها في التصدي للغزو الفرنسي بقيادة بونابرت (نابليون الأول فيما بعد)، ولم تنجح الدولة العثمانية في مواجهة جيوش فرنسا في مصر إلا بعد الاستعانة بمساعدة الإنجليز، فبدأت لندن في السعي هي الأخرى لاحتلال مصر.
تعانق طموح محمد علي مع رغبة الشعب المصري، فنصبه الأخير  واليا على البلاد عام 1805، في ثورة شعبية أطاحت بالوالي العثماني، بعد أن سأم من بطش الأتراك، لتدخل مصر عصرا جديدا لم يكن ليتحقق دون استقلالها الجزئي عن خراب آل عثمان.
بتدبير سلسلة من المؤامرات حاول العثمانيون التخلص من محمد علي، وإحلال أحد ولاتهم الفاسدين بدلا منه، لكن المصريين وقفوا بالمرصاد أمام عمليات الغدر المتكررة والتفافهم حوله، فأنقذوه من العزل، ولم يمكنوا البكوات المماليك من استنزاف ثروات أراضيهم وفق ما ذكر عبد الرحمن الرافعي في كتاب "عصر محمد علي".
تسلم محمد علي مصر خرابة يعشش بها الجهل والفساد، القرى مخربة والطرق مقطوعة والأمان غائب والاقتصاد منهار، بعد أن نهب العثمانيون خيراتها، وفرضوا قوانينهم الظالمة على رقاب العباد على مدار 3 قرون كاملة، وهو ما جعل الباشا ينظر إلى الباب العالي باحتقار، وفي كتابه "كل رجال الباشا" ذكر خالد فهمي أن والي مصر كانت لديه قناعة بعجز العثمانيين عن بناء الدولة الحديثة التي يحلم بها على أرض النيل، بسبب تعصبهم وحماقتهم بإدارة ظهورهم للخبراء الأوروبيين الذين كان بإمكانهم المساعدة.

مؤامرة  نافارين
توقف محمد علي عن إرسال الجزية إلى إسطنبول، قرر أن تكون أموال مصر لأهلها، بدأ حركة تحديث غير مسبوقة في الشرق، الأمر الذي أغضب السلطان العثماني الجاهل، محمود الثاني، فحاول بشتى الطرق تعطيل مشروعات النهضة التي يقوم بها محمد علي، عن طريق إنهاك الجيش المصري في خوض حروب عجز فيها العثمانيون عن تحقيق النصر.
طلب السلطان من الباشا إرسال جيشه لمحاربة الوهابيين العام 1811، بعد أن تجرع من أيديهم الهزيمة في الحجاز والعراق، واستطاع الجيش المصري أن يرد له الاعتبار بالفعل وعاد منتصرا، بعدما دخل الدرعية عاصمة الوهابية وقضى على دولة آل سعود الأولى العام 1818.
وحين اندلعت ثورة اليونانيين ضد نير الاحتلال التركي العام 1820، طلبت إسطنبول مرة أخرى النجدة من مصر فاضطر محمد علي باشا لإرسال قواته لبلاد اليونان العام 1824 ومع ذلك فقد وضع السلطان الغادر العراقيل أمام الجيش المصري، رفض الإنفاق عليه، والأغرب أنه أرسل أسطوله إلى الإسكندرية لإصلاحه وإطعام الجنود الذين عليه، ما أثار اشمئزاز إبراهيم باشا  فكتب إلى والده: "إنهم قليلو الحيلة، وخائبون لدرجة أنهم يعجزون عن تثبيت صواري سفنهم"، كما ورد في كتاب خالد فهمي.
وكاد الغرور والجهل العثماني أن يفتك بالجيش المصري في اليونان، ما دفع محمد علي باشا وإبراهيم باشا للتهديد بسحب القوات المصرية ما لم يتم تنحية الأتراك من قيادة العمليات العسكرية، وأمام الغطرسة العثمانية انتهت الحرب بهزيمة المصريين بسبب التدخل الأوروبي العسكري، وتكبدت مصر خسائر كبيرة في أرواح جنودها إضافة إلى المعدات العسكرية.
ويذكر خالد فهمي في كتابه أن سبب الهزيمة عناد السلطان العثماني، الذي رفض نصيحة محمد علي بقبول الوساطة الأوروبية أكثر من مرة، بل إن حماقة السلطان جعلته يأمره بإحراق القرى اليونانية لإخماد ثورتهم، إلا أن محمد علي رفض ووقع معاهدة مع الأوروبيين دون علمه.
ولم ينته التسول التركي من المصريين عند ذلك الحد، ففي عام 1828 هرع السلطان إلى مصر يتعجل مساعدتها في وقف الزحف الروسي على مولدافيا والقوقاز وشرق الأناضول، ولكن حذر محمد علي أوقف المؤامرة على الجيش المصري، طلب الباشا من السلطان منحه الأناضول مقابل تقديم المساعدة، فرفض السلطان، وبالتالي لم يقدم له محمد علي شيئا.

انتصارات إبراهيم 
أمام مغامرات السلطان العثماني البائسة والتي لم يحصل من ورائها إلا الفشل والهزائم، قرر محمد علي كسر أنف السلطان العثماني بإعلان الحرب عليه، فزحف الجيش المصري إلى الشام، ليلقن العثمانيين دروسا في فنون القتال وهو يطيح برقاب قادتهم، في معارك شعروا من خلالها بالذل والمهانة، فاستغاثوا بالروس - أعداء الأمس- وطرقوا أبواب الدول الأوروبية لنجدتهم كما ذكر عبد الرحمن الرافعي في كتابه.

بدأت الحملة المصرية على الشام عام 1831، بهجوم بري من العريش على مدن الساحل بمساندة من البحرية المصرية، وحين علمت الحاميات التركية بالخبر ولت هاربة، وتركت غزة ويافا وحيفا لتقع بدون قتال في قبضة المصريين، الذين تقدموا لحصار عكا، التي كانت اكتسبت شهرة عالمية باعتبارها المدينة التي فشل في فتحها غازي الشرق الكبير، نابليون.
حشد السلطان العثماني 20 ألف جندي، مدعمين بقبائل عربية وكردية، لمواجهة الجيش المصري بزعامة إبراهيم باشا بن محمد علي، ليلتقي الجيشان في أبريل 1832، وكان النصر حليف إبراهيم باشا رغم التفوق العددي الكبير للعثمانيين، لكن جيشهم لم يكن مجهزًا ولا مدربا على أحدث أساليب القتال العالمية، الأمر الذي أتقنه المصريون في بضع سنوات. 
مني الأتراك بسلسلة هزائم متتالية على يد المصريينآ آخرها دحر الجيش العثماني بالقرب من دمشق، المدهش أن السكان المحليين رحبوا بالجيش المصري، على أمل التخلص من الاستعباد العثماني، وانضموا  للمصريين في حربهم ضد الغزاة الأتراك، كما ورد في كتاب "عصر محمد علي".
الانتصارات المصرية أجبرت السلطان العثماني على التذلل لمحمد علي، ومطالبته بالكف عن الحرب، لكن الباشا رفض، فأمر السلطان رجال الدين الخاضعين له بإصدار فتوى بخروج محمد علي باشا وابنه إبراهيم عن الدين الإسلامي، إلا أن الأب والابن سخرا من فتاوى السلطان الذليل، ليستمر تقدم المصريين نحو الأناضول حتى إعلان النصر على الجيش العثماني بقيادة حسين باشا المردار عام 1832 في موقعة بيلان شمال سوريةا كما جاء في كتاب "كل رجال الباشا".

سقوط الصدر الأعظم
تقدمت قوات إبراهيم باشا وعبرت إلى الأناضول، دون هزيمة واحدة أمام القوات العثمانية المتعددة، واحتلت طوروس وديار بكر وجنوب الأناضول، وسيطر الأسطول المصري على شرق البحر المتوسط، فدب الرعب في قلب السلطان العثماني، وخشي أن يفقد عرشه، فاستدعى الصدر الأعظم رشيد باشا، وأمره بجمع جيش جرار تعداده 80 ألف مقاتل من كل الولايات لمحاربة المصريين.
وتقدم الجيش المصري وواجه العثمانيين في قونية، ووقعت معركة حاسمة العام 1832، تمكن المصريون فيها من إيقاع هزيمة ساحقة بالأتراك في معركة دامت 7 ساعات، استطاعوا أن يأسروا فيها 10 آلاف جندي في مقدمتهم الصدر الأعظم ذاته، وحين علم السلطان العثماني بنبأ الهزيمة الثقيلة بادر بإرسال مبعوثين إلى القاهرة، للتوصل إلى اتفاق يوقف الزحف المصري، وتم توقيع صلح كوتاهية بين مصر وتركيا، وكسبت مصر فيه ولايات الحجاز والشام، وأجبرت السلطان الذليل على تمكين المصريين من جمع الضرائب في أضنة بالأناضول التركية، الأمر الذي جعل عبد الرحمن الرافعي يصف معركة قونية قائلا: "كانت نصراً مبيناً للجيش المصري، وصفحة فخار في تاريخ مصر الحربي".
ازدياد نفوذ الجيش المصري أجبر العثمانيين على تقديم تنازلات مؤلمة للروس في مقابل حمايتهم من محمد علي وجنده، فوقعت إسطنبول اتفاقية عرفت باسم "هنكار اسكله سي" في يوليو 1833، منحت من خلالها روسيا امتيازات كبيرة، وصلت إلى حد فقدان العثمانيين استقلالهم، فباتوا لعبة في يد قيصر موسكو.

أمجاد نصيبين
حاولت تركيا تحجيم الطموح المصري فسعت إلى تجهيز جيش آخر بقيادة حافظ باشا، توجه إلى جنوب الأناضول، مستعينا بخبراء عسكريين من بروسيا الألمانية، وكانت المعركة الفاصلة قرب قرية نصيبين في أعالي الفرات العام 1839، وتمكن فيها المصريون من إنزال هزيمة ساحقة بالأتراك، الذين فرت قطعانهم هاربة أمام أسود الجيش المصري.
ويصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي الهزيمة بقوله: "لم يقو الترك على صد هجوم المصريين، ولجأوا إلى الفرار تاركين بنادقهم وذخيرتهم، فاحتل الجيش المصري مواقعهم، وغنم مدافعهم وعتادهم، فكانت معركة نصيبين نصراً مبيناً للجيش المصري"، كانت الهزيمة أكبر من أن يحتملها قلب السلطان محمود الثاني الذي مات كمدا فور أن علم بانتصارات المصريين.

استسلام الأسطول
تمكن الرعب من الأتراك بعد هزائمهم المتتالية أمام المصريين وفشلهم في تحقيق نصر واحد، وبسبب انتشار الفساد داخل الدولة العثمانية، خشي القادة على حياتهم نتيجة المؤامرات التي تحاك داخل القصر، خصوصاً بعد وفاة السلطان محمود التي تزامنت مع هزيمة جيوشه في نصيبين.
وحين جلس عبد المجيد الأول على العرش، خاف قائد الأسطول العثماني فوزي باشا من دسائس رجال السلطان الجديد، أدرك أن هذه الدولة أخذت في انهيار لا مفر منه، فأعلن استسلامه لمحمد علي باشا، وسلم له الأسطول التركي، فأصبحت السيادة لمصر برا وبحرا، بينما لم ينقذ إسطنبول من استقبال الجيش المصري إلا تدخل الدول الأوروبية، التي تبنت سياسة الإبقاء على حياة الرجل المريض (الدولة العثمانية)، من أجل أن تتقاسم أملاكه فيما بعد.

Qatalah