يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


1 أكتوبر 2018 عندما يكون الاقتصاد في قبضة الرئيس وصهره

شهد الاقتصاد التركي هذا العام تحولات أكثر مما شهدته المسلسلات التلفزيونية التركية الشهيرة، وكثيرا ما لعب البنك المركزي دورا محوريا في تلك الدراما.

وأدت زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى لندن في مايو، حيث أبلغ تلفزيون بلومبرج بخططه لتشديد قبضته على الاقتصاد، إلى حلقة مزلزلة للأعصاب، إذ أطلقت العنان لهبوط حاد في قيمة الليرة التي استقرت في نهاية المطاف عندما تدخل البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة.

وهناك مخاوف من أن يسلب التحول إلى نظام رئاسة تنفيذية من البنك المركزي سلطته للقيام بعمليات تدخل مشابهة، وذلك بعد صدور سلسلة من المراسيم الرئاسية تنزع سلطات من محافظ البنك المركزي.

ويترك هذا الاقتصاد  في قبضة إردوغان وصهره وزير المالية والخزانة بيرات البيرق.

ومن المقرر أن يسير البيرق على نهج إردوغان هذا الأسبوع ويزور لندن، حيث من المرجح أن يتبنى توجها مختلفا أكثر أكاديمية في محاولة لكسب دعم الممولين.

وقال دورموش يلماز محافظ البنك المركزي السابق وعضو البرلمان عن (حزب الخير) القومي المعارض، إنه يخشى ألا تؤدي تلك الجهود إلى أي نتيجة.

وقال لأحوال تركية "الأسواق لن تقبل ذلك. هذا ليس مقنعا. الأسواق تنتظر أفعالا عاجلة، وليس أقوالا. والوقت المتاح للتحرك يمضي سريعا".

وسيكون المستثمرون أكثر اهتماما بسلسلة المراسيم التي أصدرها إردوغان والتي تعطي لمحة ملموسة عن رؤيته للاقتصاد التركي في المستقبل القريب.

وأعاد الرئيس بالمراسيم رقم 701 و702 و703 تشكيل المؤسسات الاقتصادية للدولة، حيث جعل البنك المركزي أكثر ارتباطا بالرئاسة ودمج وزارتي الخزانة والمالية وأسس مجلس تنسيق الشؤون الاقتصادية في حالة الطوارئ ولجنة لمراجعة الأصول المجمدة.

وقال يلماز "هذه الإجراءات لا تقوي المؤسسات وإنما تضعفها، في الوقت الذي نريد فيه في وضعنا الاقتصادي الراهن هياكل قوية تتمتع بالكفاءة والسمعة الطيبة كمؤسسات وقادرة على إيجاد الحلول".

وأضاف أن تركيا اتخذت بدلا من ذلك سلسلة من الإجراءات التي، فضلا عن كونها تشير إلى "حالة طوارئ اقتصادية"، فقد أضعفت استقلال البنك المركزي حيث قلصت مدة محافظ البنك من خمس إلى أربع سنوات كما ألغت صلاحياته لتعيين نوابه.

ويرى المحافظ السابق للبنك المركزي أن تلك القرارات اتخذت على عجل وافتقرت إلى دراسة العواقب وثبت بالفعل أنها غير بناءة. وتم بالفعل العدول عن العديد منها في غضون أيام من صدورها، بما في ذلك تعديل كان من شأنه فعليا أن يجعل التداول في سوق الأسهم بناء على معلومات سرية قانونيا حتى 31 من أغسطس.

وقال يلماز "نحتاج إلى قرارات سريعة لكن سليمة. كيف لتلك اللجان الجديدة والشكل الجديد لمؤسساتنا الاقتصادية أن يساهم في حل مشكلات البلاد الاقتصادية الصعبة؟ لكي تقوم بعملها، ينبغي أن تكون ديمقراطية وقائمة على المشاركة وقادرة على حل المشاكل... وتتسم بالشفافية ومتوافقة مع القانون، لكنها ليست كذلك... لا يمكن لأحد في الوقت الحالي أن يقول إن البنك المركزي مستقل، وإن سمعته لم يلحق بها الضرر دوليا".

وبات ذلك ضرورة ملحة للغاية في وقت قفز فيه معدل التضخم وعجز ميزان المعاملات الجارية في تركيا إلى مستويات غير قابلة للاستمرار، فضلا عن عجز الميزانية الذي تضاعف منذ العام الماضي.

وقال يلماز "كل ذلك يقف عائقا في طريق تحقيق نمو جيد ومستدام. هناك عناصر تسبب أثرا سلبيا، مما يزيد المخاطر وضعف الثقة في الداخل والخارج".

ويخيم على هذا الأفق الاقتصادي القاتم نظام الحكم الرئاسي التنفيذي الجديد، والذي زاد من تآكل المؤسسات وأدى إلى سيطرة تعسفية للرئيس وذلك فضلا عن الغموض المتوقع الناجم عن مثل هذا التغيير الجذري.

ويتضح هذا جليا في مسألة ميزانية الدولة ذات الأهمية الشديدة. فقد تم سحب سلطة تحديد الميزانية من البرلمان، وبالتالي الرقابة العامة، ومنحها للرئاسة.

وقال يلماز "فقد البرلمان حقه في تحديد ومراجعة الميزانية، وفي مراقبة الأموال العامة والدعوة إلى المحاسبة على استخدامها. الميزانية الآن سيحددها الرئيس ... ولا يملك البرلمان السلطة لرفضها إذا أراد ذلك".

قال يلماز إن البرلمان أصبح أيضا غير فعال كهيئة تشريعية بسبب الاستخدام الاستثنائي من جانب الرئيس للأوامر التنفيذية، التي أعادت فعليا تشكيل قوانين البلاد منذ الأسبوع الأول في ظل النظام الجديد. 

وذكر أن هذا كله يرقى إلى حد التحول إلى حالة تشريع اعتباطي وحالة فوضى بين برلمان ورئيس ما زالت سلطاته الدقيقة وحدودها غير واضحة.  وينبغي التصدي لغياب الوضوح هذا سريعا وإعادة التوازن إلى الاقتصاد.

وقال يلماز إن تركيا لا يزال أمامها مجال للمناورة لتحقيق هذا ومن ثم إنقاذ الاقتصاد، لكن الحكومة الحالية تفتقر على ما يبدو إلى الإرادة لاتخاذ الإجراءات الضرورية، وتلقي بدلا من ذلك باللوم في مشكلات البلاد على نظريات مؤامرة تتضمن هجمات أجنبية على الاقتصاد. 

وفي الوقت نفسه، يواصل الرئيس تشديد السيطرة على الاقتصاد من خلال مراسيم رئاسية، إما بشكل مباشر، مثلما هو الحال بشأن صندوق التأمين على الودائع والمدخرات، أو من خلال وزرائه.

ومن بين المؤسسات التي ستديرها الوزارة التي يقودها البيرق، البنك المركزي والبنوك ذات الملكية العامة ومعهد الإحصاء التركي ومجلس الخصخصة.

والمفاجأة الأكبر كانت قرار ضم البيرق إلى المجلس العسكري الأعلى، الذي يجتمع سنويا لتحديد السياسة العسكرية التركية.
وبالنسبة ليلماز، لا يوجد تفسير مقنع لوجود وزير المالية في ذلك المجلس، لكنه يرى أن هذا جزء لا يتجزأ من نظام جديد يتحدى المنطق في بعض الأحيان.

وقال يلماز " رأينا من الجولة الأولى من المراسيم الرئاسية والقواعد والأدوار الجديدة التي تحددت معها أن أمورا لم نفكر فيها قط من قبل، ولم يكن ممكنا في الواقع تصورها سابقا، يمكن أن تحدث. أظن أن وجود وزير المالية والخزانة في المجلس العسكري الأعلى أحد تلك الأمور".

نقلا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah