يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تعاني الأقلية المسيحية على مختلف طوائفها في تركيا، من هواجس وتبعات ما بعد مسرحية الانقلاب الفاشل، الذي كاد يطيح بحكومة حزب العدالة والتنمية منتصف يوليو 2016، وذلك بعد تعرض كنائس شرق مدينة الأناضول لاعتداءات من قبِل مؤيدين للحزب الحاكم.

"فقدان الأمان والحرمان من حق العودة" أبرز ما يعانيه المسيحيون الأتراك في موطنهم جنوب شرق تركيا كغيرهم من الأقليات، جراء المواجهات المستمرة بين الحكومة ومسلحي حزب العمال الكردستاني. 

تلقي الضوء حول هذه القضية الكاتبة الصحافية التركية نورجان بايسال، في مقال بموقع (أحوال)، وكتبت تقول: "أظهرت صورة، الشهر الماضي، على موقع إذاعة (صوت أمريكا) المسيحيين الأرمن في ديار بكر، مسقط رأسي، وهم يحتفلون بعيد الفصح في مقهى، لعدم تمكنهم من الوصول إلى كنيستهم".

حظر التجول
أضافت بايسال: يستمر حظر التجول الذي فرضته السلطات التركية في ديسمبر 2015 قيد التفعيل، في 6 أحياء من مدينة صور، المركز القديم لمحافظة ديار بكر التي توجد بها كنيسة "سورب غيراغوس" الأرمنية.

أُعلن حظر التجول في المدن الكردية الرئيسة في جنوب شرق تركيا، وذلك خلال قصف القوات التركية لعدد من المواقع الكردية، وانتهت العمليات العسكرية في أوائل 2016 ، حيث خلفت أكثر من ألف قتيل ومدنا مدمرة ومئات الآلاف من المشردين.

نشرت المنظمات الرقابية العديد من التقارير حول انتهاكات حقوق الأهالي أثناء وبعد اشتباكات 2015-2016. لكن لم ينشر الكثير عن التأثير على الأقليات في المنطقة، من بينهم الأرمن والآشوريون والكلدانيون والجماعات المسيحية الأخرى.

بعد أكثر من عامين من السلام، بدأت الحرب مرة أخرى في أواخر 2015، وكان قادة المجتمعات المحلية الآشورية والكلدانية من بين الآلاف المعتقلين، أحدهم كان صديقي سادو إيدي أوشانا، رئيس رابطة الآشوريين والكلدانيين وأراميس "AACA"، الذي اتُهم بأنه عضو في منظمة إرهابية وسُجن، لكن بعد 14 شهرًا، أُطلق سراحه وهرب من البلاد، حسب ما جاء في مقالة "بايسال".

الكاتبة تضيف: في مارس 2017 ، اقتحمت الشرطة منزل يوهانون أكتاس، وهو زعيم آشوري في مدينة مديات التركية، وأُلقي القبض عليه واتُهم بأنه عضو في حزب العمال الكردستاني "PKK"، الذي قاد تمردًا مسلحًا للحكم الذاتي في جنوب شرق تركيا عام 1984، وكان أكتاس عضوًا نشطًا في حزب الشعب الديمقراطي المؤيد للأكراد " HDP" ورئيس اتحاد آشوري رائد في مدينة ماردين.

إلى ذلك، عاد بيتروس كاراتاي، وهو مسيحي كلداني معروف، مؤخرًا من باريس بعد 30 عامًا للمساعدة في بناء قريته في مقاطعة شرناق، وبعد أن رأى الجنود الأتراك يشعلون النيران في الجبال المحيطة بقريته، أخبر الصحافيين بما شاهده، ومن ثم اتُهم بأنه عضو في حزب العمال الكردستاني وسُجن في أوائل عام 2018.

إغلاق المنظمات
في السنوات القليلة الماضية، أُغلقت بعض المنظمات الآشورية والكلدانية، حيث أوقفت رابطة الآشوريين والكلدانيين أنشطتها بعد سجن اوشانا، كما أغلقت الجمعية الآشورية الثقافية بعد إعلان حالة الطوارئ في أغسطس 2016، مثل العديد من المنظمات غير الحكومية الإقليمية.

"الدولة تمنح التصريح فقط للمنظمات غير الحكومية التي تعمل معها عن قرب"، "لكن في حال أعلنت عن معارضتك كمنظمة غير حكومية مسيحية، فمن الصعب العمل والاستمرار"، بحسب صديق آشوري من مدينة مديات، وفق مقالة بايسال.

تعتبر هذه الاعتقالات تحذيراً للمسيحيين الذين ما زالوا يعيشون في جنوب شرق تركيا و أيضاً لمن غادروا منذ فترة طويلة وربما يأملون في العودة يوم ما، و بدأ العديد من المسيحيين الذين ما زالوا يعيشون في المنطقة في بيع منازلهم والانتقال إلى الغرب، حيث أرعبتهم  أعمال العنف والقمع التي شهدوها أثناء وبعد العمليات العسكرية في 2015-2016، و فقدوا كل الأمل في العيش بسلام في تركيا.

بايسال تتابع قائلة: قالت إحدى صديقاتي الآشوريات، رفضت ذكر اسمها، حيث واجهت تحقيقات وفقدت وظيفتها أثناء حالة الطوارئ: "الآشوريون في أوروبا فقدوا الأمل تمامًا في العودة إلى أراضيهم في تركيا، الآشوريون الذين كانوا يعيشون في المدن الكردية مثلي اُجبروا على المغادرة. بعت منزلي وأعيش الآن في غرب تركيا. تركيا ليست مكانًا آمنًا للمسيحيين خاصة الذين يستخدمون مصطلح "الإبادة الجماعية" والذين يطلبون عدالة أحداث  1915 ".

واستطردت: "في 2015، بعد 100 عام، واجهنا عملية ترحيل ثانية. اضطر الكثير منا لمغادرة أراضينا. ليس لدي أمل في هذا البلد. لم أعد أحلم بالعودة إلى مدينتي مديات. لقد استنفدنا هذا البلد "، بحسب قولها. 

الكاتبة نورجان بايسال تختم مقالها بالقول: "استنفدت تركيا جميع الأقليات، منذ تأسيس الجمهورية".

استئصال
المسيحيون شكلوا في بداية القرن العشرين نحو 33% من سكان أراضي تركيا الحالية، لكن هذه النسبة انخفضت عقب المذابح ضد الأرمن وضد الطوائف المسيحية الأخرى، فضلًا عن عملية التبادل السكاني لليونانيين الأرثوذكس وبوغروم إسطنبول العام 1955 ، التي أدت إلى هجرة أغلبية مسيحيي إسطنبول.

وطبقا لدراسات مختلفة، تتراوح أعداد المسيحيين في تركيا بين 120,000-310,000، فضلا عن  تواجد أقلية من المجتمع المسيحي التركي البروتستانتي المكونّ من الإثنية والعرقية التركية، أغلبهم من خلفية تركية مسلمة.

وبحسب رئاسة الشؤون الدينية التركية، هناك 349 كنيسة تتواجد في أراضي الجمهورية التركيّة، منها 140 كنيسة لليونانيين و58 للسريان و54 للأرمن.

ولم تسلم كنائس عدّة في تركيا عقب الانقلاب، من هجمات واعتداءات كان أبرزها اقتحام وتخريب عدد من الأشخاص لكنيسة السيدة العذراء في مدينة طرابزون، على ساحل البحر الأسود شمال شرق البلاد.

كما اقتحمت جموع غاضبة، كنيسة مدينة ملطية شرق تركيا، وكسرت مقتنياتها ونوافذها، ما يعيد إلى الأذهان هجمات سابقة شنها متشددون على مرافق ومؤسسات مسيحية، كحادثة الاعتداء على دار نشر الكتاب المقدس في ملطية العام 2007، التي أسفرت عن تعذيب وذبح ثلاثة موظفين مسيحيين في الدار.

يرى ناشطون مسيحيون، أن "تلك الاعتداءات جاءت على خلفية تصورات خاطئة، أثارت نظرية المؤامرة، حيث انتشرت بين أنصار الحزب الحاكم عقب مسرحية الانقلاب الفاشل، مفادها أن غالبية المسيحيين علمانيون معادون للحكومة التركية، وهم بالضرورة مؤيدون للمحاولة الانقلابية الفاشلة".

Qatalah