يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ما قدروا على الحمار.. هكذا قصد رجب إردوغان عندما وصف تعامل قوات الأمن الفرنسية مع المتظاهرين بـ "الإرهاب"، مذكرا بما تعرض له من سلخ دولي وإعلامي عقب قمع انتفاضة غيزي، قائلا :"وسائل الإعلام الدولية سلطت الأضواء على أحداث تقسيم في مايو 2013، في الوقت الذي تلتزم فيه الصمت حاليا إزاء الأعمال الإرهابية التي تجري في باريس".

في خطاب نقلته وكالة أنباء الأناضول اليوم الاثنين مضى إردوغان الذي دان نفسه من حيث لم يرد، قائلا :"وسائل الإعلام الدولية لا تريد أن تلطخ سمعة فرنسا، لكن العالم يتابع ما يجري في باريس" مشيرا إلى تلطيخ  سمعته عقب موجة القمع التي أطلقها ضد الشباب الأتراك المعتصمين في حديقة غيزي قبل خمس سنوات.

وزارة الخارجية التركية انضمت لجوقة الرئيس، وأعربت عن قلقها لاستخدام القوة المفرطة ضد المحتجين على ارتفاع أسعار الوقود في فرنسا، داعية للتمسك بالحوار كأحد أسس الديموقراطية، وقال المتحدث باسمها حامي آقصوي، خلال مؤتمر صحافي اليوم، إن الوزارة تتابع التطورات عن كثب، مشيرا إلى أن أعداد الجالية التركية في فرنسا تصل إلى 700 ألف نسمة، ودعا السلطات الفرنسية لاتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان سلمية المظاهرات، وسيرها وفقا للمعايير الديموقراطية، وحل المشاكل الداخلية عن طريق الحوار، وضمان أمن أبناء تركيا هناك، الذين دعاهم إلى الابتعاد عن مناطق المظاهرات.


سباق القمع

يتجلى التناقض في أبهى صوره في موقف أنقرة من الأحداث في فرنسا، إذ تعمل تركيا على إظهار نفسها دولة داعية للسلام، فيما تمارس أسوأ أشكال العنف ضد مواطنيها بتعذيب وقتل المعارضين رجالا ونساء، بل وسجن وتشريد الأطفال.

وفيما كان إردوغان يدين قمع الشرطة الفرنسي للمتظاهرين، كانت الشرطة التركية تفرق بالقوة مظاهرة ومسيرة احتجاجية غالبيتها من النساء، خرجت في مدينة إسطنبول أمس الأحد، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة، واستخدمت قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرات، بدعوى أنها غير مرخصة، كما منعت مظاهرة أخرى في شارع الاستقلال الذي شهد قبل سنوات أسوأ أحداث عنف ضد المتظاهرين.
استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق نحو ألف متظاهر، بعد مشادات عنيفة استمرت ساعة ونصف الساعة، هتف المتظاهرون خلالها "لن نكون صامتين، لسنا خائفين، ولن نطيع"، ملوحين بلافتات كتبوا عليها "لا للعنف ضد المرأة"، "نحن ندافع عن الحياة" و"النساء متحدات".

وقالت ياسمين إزمير، إحدى المشاركات في الاحتجاج: "المرأة التركية تعاني من العنف من جانب الرجال في جميع مجالات الحياة، سواء في العمل أو المنزل، نحن هنا لنعرب عن شعورنا بالغضب، ولنقول إن قوتنا في اتحادنا"، مشيرة إلى رغبتها في الدفاع عن حياتها وطريقة عيشها.


تصريحات مهينة
قبل أيام، أطلق إردوغان تصريحات مهينة للمرأة التركية، أكد فيها على أفكاره المتحيزة ضد النساء، وأن المرأة أقل شأنا من الرجل، محاولا تمرير تصريحاته بزعم "أنها الفطرة"، حيث حقر الرئيس التركي، خلال الاجتماع الدولي الثالث للمرأة والعدالة المنظم في إسطنبول، من شأن المرأة بتأكيد أنها ليست مساوية للرجل، وانتقد الدول الغربية لعدم تبنيها هذا "المفهوم الخاطىء"، قائلا: "ليس من المستغرب أبدا أن العقلية التي استخدمت المرأة أمس كسلعة، تستغلها اليوم تحت شعار أنها مساوية للرجل".

"لا مرحبا بك"
من المثير للسخرية، أن احتجاجات من نوع آخر ضد الرئيس الفرنسي، اندلعت بداية الشهر  الجاري بسبب رجب إردوغان نفسه، اعتراضا على دعوة  ماكرون لنظيره التركي للمشاركة في إحياء الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر، إذ شنت الصحافة الفرنسية حملة ضد حضور إردوغان، وذكرت صحيفة لوموند أن "رجب وحكومته يتبعان سياسة الإنكار فيما يخص الإبادات الأرمنية التي قامت بها حكومة ثورة تركيا الفتاة أثناء الحرب العالمية الأولى"، معتبرة تركيا دولة "تنتهك الحريات، وتعد أكبر سجن للصحافيين في العالم، بعدما زجت سلطات أنقرة بنحو 55 ألف معتقل سياسي داخل المعتقلات، وأقالت خلال عامين 150 ألف موظف بشكل تعسفي وبتهم مطاطية".

2000 قتيلة في 6 أعوام

تعد قضية العنف ضد المرأة من أهم مشكلات تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية، فقد سجلت إحدى الإحصائيات الرسمية تعرض أكثر من 2000 سيدة للقتل خلال الأعوام الستة الأخيرة، وذكرت وسائل إعلام تركية أن مئات النساء يتعرضن للقتل سنويا، فيما قتل أكثر من 300 امرأة بسبب العنف هذا العام فقط، حسب منظمات حقوق المرأة المحلية. 
ورصدت منصة ستوب فيمنسايد Stop Feminicide  مقتل 79 سيدة تركية خلال العام 2017، مقارنة بـ328 عام 2016.

جمعية السيدات المتحضرات أصدرت تقريرا في 25 نوفمبر الماضي بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة بعنوان "السياسات الرجعية لحزب العدالة والتنمية زادت العنف ضد المرأة"، رصدت فيه 246 حالة عنف جنسي، واغتصاب  75 امرأة، والتحرش بـ 119، إضافة إلى 417 حالة اعتداء جنسي على فتيات، و384 حالة عنف جسدي.
أكدت الجمعية أن قرار الحماية الذي أصدرته وزارة الداخلية بحق النساء لم يفلح في تجنيب 20 امرأة القتل خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وذكر موقع إن تي في أن 2337 امرأة لقيت حتفها في السنوات العشر الأخيرة في حوادث عنف، وأن أكثر جرائم القتل حدثت في المدن الكبرى مثل إسطنبول وإزمير وأنطاليا، وقال الدكتور شنغول هابلاميت أوغلو :إن "4 من بين كل 10 سيدات في تركيا يتعرضن للعنف، ما يعني أن 14 مليون تركية عرضة لهذه الممارسات باستمرار".



حرائق الشانزليزيه
تشهد فرنسا، منذ 17 نوفمبر الماضي، موجة غضب شعبي وتظاهرات واسعة انطلقت في ضاحية الشانزليزيه تقودها حركة "السترات الصفراء"، احتجاجا على سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون، وزيادة الرسوم على المحروقات، لقي خلالها متظاهران مصرعهما وأصيب 136 من عناصر الأمن و756 متظاهرا بجروح، كما أسفرت عن القبض على 693 آخرين.
ولأكثر من أسبوع، أغلق متظاهرون يرتدون السترات الصفراء، التي يتعين على جميع سائقي السيارات في فرنسا حملها في سياراتهم، الطرق السريعة في جميع أنحاء البلاد بحواجز محترقة وقوافل من الشاحنات بطيئة الحركة، ما عرقل الوصول إلى مستودعات الوقود ومراكز التسوق وبعض المصانع، وعلى الرغم من دعوات الحكومة إلى التهدئة، امتدت الاحتجاجات إلى جزيرة لا ريونيون التابعة للجمهورية الفرنسية في المحيط الهندي، حيث أضرم المحتجون النار في السيارات.

Qatalah