يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لا يزال السلطان العثمانلي الموهوم رجب إردوغان، يعيش حالة انفصام وتناقض سياسي فج، وراح يستنكر اعتراف الولايات المتحدة بضم إسرائيل مرتفعات الجولان المحتلة، فيما يعربد جنوده في شمال سورية.

يرفرف العلم التركي فوق أرض عفرين السورية، التي احتلتها قواته في يناير 2018، لتنضم إلى ثلاث مدن سورية أخرى، هي الباب والراعي وجرابلس، غزتها أنقرة في أغسطس 2016، في الوقت الذي تضم بلاده ضمن حدودها الحالية 13 محافظة سورية، كان آخرها لواء الإسكندرون الذي تحتله منذ 1939، منذ انهيار إمبراطورية الفرمان والخازوق، على خلفية اتفاق فرنسي - تركي، اقتطعت بمقتضاه حكومة باريس الأرض العربية، وقدمتها للأتراك، مقابل اعترافهم بالانتداب الفرنسي على سورية.

متاجرة سياسية
عقب إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في تغريدة له على موقع "تويتر" أنه بصدد الاعتراف بخضوع مرتفعات الجولان للسيادة الإسرائيلية، نشر حاكم أنقرة، عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "نحن لن نسمح أبدًا بإضفاء الشرعية على احتلال مرتفعات الجولان"، معربًا عن نيته تدويل القضية، وعرض هذا الملف على الأمم المتحدة.

والمدهش في الأمر أن تعليق إردوغان جاء باللغة العربية، بما يعكس رغبة السلطان العثمانلى المفضوحة، في دغدغة مشاعر الشارع العربي، الذي لم يعد ينطلي عليه مثل تلك الشعارات العنترية الفارغة، في الوقت الذي يرى فيه فظائع إردوغان ومرتزقته في سورية.

دعاية انتخابية
أعزى المحلل السياسي نضال السبع تغريدة إردوغان، في تصريحات لوكالة سبوتنيك الروسية، إلى أساليب الدعاية الانتخابية التي يمارسها رجب، في الوقت الذي تشهد بلاده انتخابات بلدية، وأن مثل هذه المناكفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، من شأنها أن تفيده في استمالة الناخبين لصالحه، وهي اللعبة التي أتقنها جيدًا خلال اشتغاله بالسياسة.

وتأتي الحرب الكلامية التي لا تتعدى حدود التلاسن الإلكتروني على موقع "تويتر" لشحن الرأي العام العربي، وحشد الداخل التركي، في وقت يعاني فيه حزب العدالة والتنمية من انخفاض مستمر في حصته من أصوات الناخبين في البلاد، وهو ما دفعه للتحالف مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف.

والمفارقة في الأمر، أن تغريدات إردوغان الجوفاء، التي تنتقد اعتراف الولايات المتحدة بضم الجولان لإسرائيل، تأتي بعد أيام قليلة من تهديداته المستمرة، باجتياح المنطقة السورية شرق الفرات، حيث يتخذ من شماعة مكافحة الإرهاب - وهو مصدره الأول - ذريعة لشن هذه العملية العدوانية، التي أمست حديث وسائل الإعلام.

فضلًا عن مزاعمه التي أطلقها في أكتوبر 2016، بشأن تبعية محافظتي الموصل وكركوك العراقيتين لتركيا، بعد انتقاده معاهدة لوزان 1923، والتي رسمت حدود تركيا الحالية، وهو ما أثار موجة سخط عارمة في أوساط الشعوب العربية، بعد اتضاح أطماعه في الأرض العربية.

ضم أقاليم الشمال
تضم تركيا حاليًا، ضمن حدودها الحديثة، 13 محافظة سورية هي، لواء الإسكندرون (يشمل 5 مدن و8 قرى) ومحافظات أضنة، وعنتاب، وأورفة، وباتمان، وبدليس، وسعرد، وشرناق، وعثمانية، وكلس، وماردين، ومرسين، ومرعش، وتشكل تلك المحافظات الطرف الشمالي من منطقة الهلال الخصيب السورية، وتضم سهولًا خصبة، ومصادر مياه أنهار دجلة والفرات والخابور، التي تستغلها تركيا الآن، لتعطيش سورية والعراق.
 
كانت تلك المحافظات جزءًا من حدود سورية الشمالية الطبيعية، التي يفصلها عن تركيا جبال طوروس، لكن الأتراك ضموها إلى حدود دولتهم الحديثة، بمؤامرة آثمة مع فرنسا، ضمن معاهدة أنقرة سنة 1921، التي أعطت فرنسا، التي فرضت انتدابها على الأراضي السورية (1920 - 1946) ، بمقتضاها هذه الأراضي لحكومة أنقرة، في مقابل اعترافها بانتداب فرنسا على الدولة العربية.

وعد بلفور الفرنسي
وعد بلفور جديد، تم بمقتضاه التآمر على سورية، باقتطاع 12 محافظة منها، والتنازل عنها لأنقرة، والتي ستضم لاحقا لواء الإسكندرون، بلفور هذه المرة كان الدبلوماسي الفرنسي هنري فرانكلين بويون (1870 - 1937)، في وقت كان العرب مشغولين بمشروع المملكة العربية، التي كان يسعى لتأسيسها الملك حسين بن علي (1854 - 1931) وأبناؤه.

سعى الشريف حسين لإقامة دولة كبرى، تضم جميع الأراضي العربية، بعد التخلص من الاحتلال العثماني، وطالب في مراسلاته مع السير هنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني بالقاهرة، في 14 يوليو 1915  باستقلال الأراضي العربية، بدءًا من مرسين وأضنة ولواء الإسكندرون شمالًا، بيد أن لندن حليفة باريس في ذلك الوقت، رفضت تلك الحدود، في رسالة مكماهون إلى حسين في 24 أكتوبر 1915، حيث ادعى أن "ولايتي مرسين وإسكندرونة وأجزاء من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق الشام وحمص وحماة وحلب، لا يمكن أن يقال إنها عربية محضة".

 أصرّ الملك حسين على موقفه، ومع تشدد الموقف البريطاني نتيجة مؤامرة اتفاقية سايكس بيكو السرية، التي وقعتها بريطانيا مع فرنسا، عام 1916، لتقسيم البلدان العربية فيما بينهما، وتحريك الموقف والوصول إلى حالة توافق، تنازل الشريف حسين بن علي، في رسالته إلى ماكماهون في 5 نوفمبر 1915 عن تمسكه بمرسين وأضنة، مع الاحتفاظ بجميع المدن والأراضي السورية الأخرى، لكن الحلفاء لم يلتزموا بهذا أيضًا.

فقد سلم الانتداب الفرنسي أراضي شمالي سورية إلى الأتراك، بعدما وضعت الحرب أوزارها، وهو ما مثّل طعنة جديدة من قبل باريس ولندن في ظهر العرب، الذين ثاروا على الاحتلال العثماني في الثورة العربية الكبرى (1916 - 1918) لمساندة الحلفاء في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، إذ أرادت فرنسا أن تنتقم من السوريين الذين قاوموا قواتها الغازية في معركة ميسلون (1920)، كما أنها أرادت إرضاء مصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1938) بعد انتصاراته على الحلفاء في الأناضول، فقدمت فرنسا تنازلات له على حساب سورية، كرشوة لوقف الحرب، وتوقيع اتفاق سلام معه. 

ضم لواء الإسكندرون
يقع لواء إسكندرون شمال غرب سورية، وكان يتبع ولاية حلب إبان الاحتلال العثماني، وكان جزءًا من حدود الجمهورية السورية الأولى سنة 1938، ويعد المحافظة الخامسة عشرة، المفقودة الآن في البلد العربي، بعد أن احتلته تركيا سنة 1939، واعتبرته جزءًا من أراضيها منذ ذلك الحين، رغم إقرارها بأنه جزء من الأراضي العربية، في معاهدة سيفر 1920، التي وقعتها مع دول الحلفاء، عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى.

عندما عقد الحلفاء المنتصرون في الحرب معاهدة سيفر، سنة 1920 مع الأتراك، والتي تنص على تخليهم عن جميع الأراضي التي لا يتحدث سكانها التركية، اعترف الأتراك بأن لواء الإسكندرون (4800 كيلومتر مربع) ومنطقة قيليقية (32 ألف كيلومتر مربع) تقعان ضمن الأراضي السورية.

غير أن المكائد الاستعمارية لم تنته، وخلال محاولات دؤوبة من فرنسا لانتزاع الإقليم، منحت اللواء حكمًا ذاتيًا، مع بقائه ضمن الأراضي السورية، وقبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وتحديدا في 1939، عقدت فرنسا معاهدة عدم اعتداء مع تركيا، في يونيو 1939، تنازلت بموجبها لتركيا عن اللواء العربي، وعقب الانسحاب الفرنسي من البلاد، سنة 1939، هرعت تركيا لاحتلاله، بذريعة أن عدد السكان الأتراك فيه، تصل نسبتهم إلى 40%، وأطلقت عليه اسم "هتاي"، وأعلنت دخوله ضمن حدود الجمهورية التركية. 

واتبعت أنقرة كافة أساليب التتريك، لطمس الهوية العربية في المنطقة، التي كان أغلب سكانها من العرب، وفرضت عليهم التحدث باللغة التركية، ومارست ضغوطًا عليهم، أجبرت غالبيتهم على الهروب إلى المدن السورية، في دمشق وحلب وحمص.

الباب والراعي وجرابلس
في 24 أغسطس 2016 شن الجيش التركي عدوانًا على سورية، تحت مسمى "درع الفرات"، بذريعة محاربة تنظيم "داعش"ووحدات حماية الشعب الكردية، التي يدعمها حزب العمال الكردستاني، والذي تصنفه تركيا جماعة إرهابية.

كانت محاربة الإرهاب الستار الذي يخفي إردوغان وراءه أطماعه الحقيقية، حيث أسفر هذا العدوان، الذي انتهى بعد سبعة أشهر، وتحديدا في 26 مارس 2017، عن وقوع ثلاث مدن سورية في قبضة إردوغان وعصابته، وهي مدن جرابلس والراعي والباب.
 
وأقامت قوات إردوغان المحتلة، عددًا من الثكنات العسكرية والتحصينات وأبراج الاتصالات، في مدن سورية، بل وحتى وحدات للبريد التركي، لفرض سيادتها في هذه المدن. 


ضم مدينة عفرين 
في 20 يناير 2018 شن الجيش التركي، بالاشتراك مع ما يسمى بالجيش السوري الحر، الذي تدعمه أنقرة، عدوانًا غاشمًا على مدينة عفرين، حملت اسم عملية "غصن الزيتون"، بحجة مكافحة إرهاب قوات حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض حربا ضد أنقرة لنيل الاستقلال، والذي يدعم وحدات حماية الشعب الكردية، التي تقاتل تنظيم "داعش".

عقب احتلال عفرين، أعلن إردوغان عن نواياه في احتلال منبج السورية، رافعا شعاره الكاذب، وهو محاربة الإرهاب، وقوبل الغزو بموجة من الرفض والمظاهرات داخل تركيا، قابلها حاكم أنقرة بإجراءات قمعية عنيفة. 

بعد السيطرة على عفرين السورية، سار إردوغان على نهج أتاتورك، ولصوص الدولة العثمانية المندثرة، لتتريك المدن العربية، وفرض تدريس اللغة التركية في مدارس عفرين، وغير أسماء القرى بأخرى تركية، ورفعت قواته العلم التركي فوق مركز المدينة. 

Qatalah