يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كان الدفاع عن الدين كذبة الدولة العثمانية الكبرى، لإضفاء قدسية على جرائم النهب والسلب، وسفك دماء المسلمين في الأقطار المختلفة، لم يكن هم آل عثمان نشر الإسلام، بقدر بحثهم عن مجد شخصي، حتى إن سلاطينهم استعانوا بجنود مسيحيين لقتال المسلمين.
فقدت الدولة الإسلامية هيبتها، على يد العثمانيين، بعد دخولهم في صراع على النفوذ، مع الدولة الصفوية الشيعية في إيران، ففي حدود العام 1500 ميلاديًا، كان العالم الإسلامي لا يزال مركز الحضارة الإنسانية، وحامل مشعلها الأكبر، حضارة وضع لبناتها الأولى العرب، وساعد في تشييدها شعوب دخلت في دين الله أفواجا، لكن لعنة ضربت هذه الحضارة في مقتل، غباء العثمانيين والصفويين، جعلهم يتفرغون لصراع بلا طائل، استمر لثلاثة قرون، ضاعت فيها دماء المسلمين، أخرجت الحضارة الإسلامية عن مسارها، ومكنت أوروبا من التفوق الحضاري، ثم العودة لاحتلال الشعوب الإسلامية المنهكة، بفعل حروب السلب والنهب العثمانية الصفوية.

خسائر جسيمة في الأرواح والأموال تكلفها العالم الإسلامي، نتيجة الصراع الصفوي - العثماني، طيلة ثلاثة قرون، تسبب في تشتيت القوى الإسلامية، في وقت كان مسلمو الأندلس يعانون الأمرين، في محاكم التفتيش الإسبانية، ومسلمو الهند يعانون غارات الأسطول البرتغالي.
أجج الصراع الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة، فقد استغل الصفويون التشيع في سبيل إقامة دولتهم، والعثمانيون استغلوا المذهب السني في مواجهة أية ادعاءات تطعن في شرعيتهم، والحقيقة أن العداء المذهبي بينهما لم يكن نابعا من إخلاص للدين، كان صراعا على النفوذ والمصالح الاقتصادية، والأطماع السياسية، كان الدفاع عن المذهب ستارا، لإضفاء قدسية على سفك دماء المسلمين.

هرطقات تركية
القبائل التركية القادمة من سهول وسط آسيا، حملت معها ميراثها الوثني، حتى بعد اعتناقها الإسلام، وأثر ذلك على رؤيتها المتطرفة للدين، وتحريف للفكرة الإسلامية الصافية، حتى بين الأتراك أنفسهم، والذين ساهموا في انتشار التطرف والاستبداد داخل المذهب السني، فيما عرف باسم الفقه السلطاني.
التصوف الذي انتشر بين الأتراك السنة في الأناضول، ساهم في انتشار البدع والضلالات بينهم، وكان للفرق الصوفية الرسمية في السلطنة العثمانية دور في نشر التشيع، مثل البابائية والبكتاشية و القلندرية والكبروية.

العامل السياسي اختلط بإسلام القبائل التركية منذ البداية، وظل مهيمنا على تدينهم الذي ورثته عنهم السلطنة العثمانية. فمنذ اليوم الأول لاتصال العرب بالأتراك، استخدمهم العباسيون في قمع المعارضين، خصوصا العلويين والإسماعيلية، فظهر عداء مذهبي في الإمارات التركية العسكرية ضد التشيع، وولاء للسلطة السنية.
بعد هجرة السلاجقة إلى إيران والعراق والأناضول، تشكلت عدة دول سلجوقية، كان أهمها سلاجقة إيران والعراق والروم في الأناضول، وكان بينهما صراع مذهبي سني - شيعي، لا يتوقف.

بدعة الطائفية
في الوقت الذي بدأت فيه الدولة العثمانية الدخول في معاهدات سلام مع دول أوروبا، بدأت حقبة العداء مع العالم الإسلامي، خصوصا دولة الصفويين في إيران، والمماليك في مصر.
الدولة الصفوية بنت شرعيتها على المذهب الشيعي، وعملت على نشره بالقوة، واشتركت مع العثمانيين في حلم سيادة العالم الإسلامي، والغريب أن هذه الدولة الصفوية قامت على أكتاف القبائل التركمانية، التي التفت حول مؤسسها، الشيخ صفي الدين الأردبيلي، الذي نجح حفيده إسماعيل في السيطرة على إيران، واستقر فيها، وبدأ في نشر التشيع بالقوة، وحمل لقب الشاه.

مئات الآلاف من السنة لقوا حتفهم على يد الشاه إسماعيل (1501-1524) وجيشه التركماني بسبب رفضهم التحول بالقوة للتشيع، وفي نفس الوقت كانت الدولة العثمانية تحت قيادة السلطان سليم الأول ترتكب مذابح بشعة بحق شيعة المناطق الشرقية في الأناضول، وراح ضحيتها 70 ألف شخص.

في عهد الشاه إسماعيل أصبحت الدولة الصفوية متاخمة لحدود العثمانيين، منذ عهد بايزيد الأول (1389-1403) اتجهت السلطنة نحو التوسع في الأناضول، على حساب الإمارات الإسلامية، وأدى ذلك إلى سيطرتها على المعبر التجاري بين آسيا وأوروبا، وبذلك أصبحت تتحكم في طريق تصدير الحرير الإيراني إلى أوروبا.
بعد قيام الدولة الصفوية، ورثت إنتاج الحرير، وكانت الطموحات الاقتصادية تقتضي الحصول على منفذ بحري، على البحر المتوسط، بعيدا عن سيطرة الترك، وتقليل الضرائب والرسوم، لذلك سعت للاتفاق مع البندقية وجنوة ضد المماليك، ثم ضد العثمانيين لاحقا.
المذهب الشيعي أصاب العثمانيين بالتوجس، خافوا من تغير ولاء الأتراك الشيعة، والانقلاب عليهم، وجد السلاطين العثمانيون في الفقه السلطاني السني دعما لهم، مقابل دعاوى الإمامة الشيعية.

نزيف الدماء
إذكاء نيران الصراع المذهبي بين الدولتين، كلف العالم الإسلامي خسائر كبيرة في الأرواح، وأضعف القوة الإسلامية، وشغلها عن إنقاذ المسلمين في الأندلس، ومواجهة الأخطار الاستعمارية الأوروبية، التي قادتها البرتغال وإسبانيا، على الشواطئ الإسلامية.
أول صدام نتج عن التناحر المذهبي، كان حركة نور علي خليفة، أحد الدعاة الشيعة من الأتراك، الذي تبنى الدعوة للصفويين في الأناضول والبلقان، في أواخر عهد السلطان بايزيد الثاني (1481-1512) مستغلا صراع أبناء السلطان على الحكم.

حركة نور خليفة حملت السلاح عام 1509، وهاجمت قافلة أمير أنطاليا، وهزم فرقة عسكرية عثمانية أُرسلت للتصدي له، 20 ألفا من الأتباع ساروا وراءه، وهاجم القرى والمدن، وزاد الأتباع مع الوقت، وحاصر بورصة، ثم غادرها إلى طوقات، واستولى عليها، وخطب باسم الشاه إسماعيل.
الصدر الأعظم علي خادم باشا، قاد الجيش العثماني، والتقى بنور خليفة قرب نهر جوبوك، ولقي علي خادم مصرعه، ولكن قواته نجحت في تفريق الحركة، وتمكن خليفة من الفرار إلى إيران.

الصراع استمر زهاء سنتين، وأدى إلى انقلاب الأمير سليم على والده بايزيد، وإجباره على التنازل عن العرش، وأصبح هو السلطان سليم الأول.
سليم كان قبل ذلك واليا على طرابزون، في أقصى شرق الأناضول، وبحكم موقعه كان على دراية واحتكاك أكبر بالصفويين.
بعد تربع سليم على العرش، حول دفة التوسع العثماني من البلقان إلى الشرق الإسلامي، طمعا في ثرواته، ومن ناحية أخرى كان التوسع في البلقان قد دخل مرحلة صعبة، بسبب الصدام مع مملكة المجر القوية، فكان الاتجاه شرقا على حساب القوة الناشئة للصفويين، ودولة المماليك العجوز.

إسماعيل وسليم
العثمانيون الجدد يصورون صراع الدولتين العثمانية والصفوية على أنه تصدي دولة سنية لخطر التشيع، ودفاعا عن الإسلام، لكن حقيقة الأمر أن الصدام كان محتما، بسبب رغبة الطرفين غير المحدودة في التوسع العسكري، والهيمنة على العالم الإسلامي.
دولة المماليك وقفت على الحياد بين الطرفين، رغم أنها دولة سنية، ولم تر في العثمانيين اختلافا عن الصفويين، سوى في الأداة التي يستغلها كل طرف في التلاعب بالمسلمين.
أحد أسباب نقمة سليم على إسماعيل، كانت دعم الآخير للأمير أحمد، شقيق سليم، أثناء الصراع بينهما على العرش.

موقعة جالديران العام 1514، كانت أول صدام بين الطرفين، وشرارة تسببت في حروب طاحنة، استنفذت ثلاثة قرون من عمر أكبر قوتين إسلاميتين. 
قرار الحرب ضد الصفويين لاقى معارضة واسعة بين رجال الدولة والعسكريين، فلجأ السلطان إلى رجال الدين المتعصبين، وأوعز إليهم بالترويج لقتال الشيعة، فكتب ابن كمال باشا رسالة صغيرة في وجوب قتال الشيعة، وصدرت فتاوى بوجوب قتال الشاه إسماعيل، ومنذ تلك الواقعة اتخذت المؤسسة الدينية موقفا مناهضا للتشيع خدمة للسلاطين.
انتصار سليم في جالديران لم يقض على الصفويين نهائيا، لكنه أرضى طموحات السلطان التوسعية، الذي تجنب الخوض في مهالك إيران، مفضلا الاستيلاء على إمارة ذي القادر التي تفصل دولته عن المماليك، استعدادا لغزوهم في دارهم.

فضل السلطان محاربة الصفويين بفرض حصار اقتصادي عليهم، ومنع الاتجار بالبضائع الإيرانية، أو السماح بعبورها عبر بلاده، فدفع ذلك الشاه إسماعيل إلى التحالف مع البرتغاليين، الذين يسيطرون على مدخل الخليج العربي، وتسبب ذلك في هيمنتهم على الخليج والإمارات العربية.
رغم ما كان يتخلل هذه الحروب من اتفاقيات ومعاهدات سلام، لم يسد بينهما سلام حقيقي، وظل الطرفان طيلة القرون الثلاثة يتربص كل منهما بالآخر، متوجسا منه خيفة، حتى أصبح العداء تقليديا. 

مظالم وثورات
عدم استيعاب العثمانيين للمكون الشيعي الكبير في الأناضول، تسبب في سخط اجتماعي كبير، انفجر مرات عديدة في وجه ممثلي السلطة، الأناضول أصبحت الخاصرة الضعيفة للدولة، وكانت ملجأ الناقمين على السلاطين من القادة أو الفرق العسكرية، الذين استغلوا السخط الاجتماعي لمصلحتهم، في إثارته ضد الدولة.
في عهد سليمان القانوني اندلعت ثورات اجتماعية عديدة، عُرفت باسم حركات الجلالية، كان قوامها دعاة شيعة، لكن سببها لم يكن دينيا، بل اقتصاديا واجتماعيا، وتعرضت قوات السلطة لهزائم عديدة، ولم تقض على الحركة إلا بعد خسائر كبيرة.
لم تحاول السلطنة الوقوف على الأسباب الحقيقية للاحتقان المزمن، وعلاجها، اتهمت الصفويين بالتسبب في الأحداث، فساءت العلاقات أكثر بين الدولتين.

سليمان حاول إعادة صناعة الحرير الإيرانية إلى سابق مجدها، وخطط للاستيلاء على مراكز صناعته، وفي نفس الوقت كان الشاه طهماسب يحاول استعادة أملاك والده، فأغار على بغداد، واستنجد حاكمها بالسلطان.
الحرب وقعت بين الطرفين، ودخل العثمانيون تبريز وبغداد، واتبع الصفويون أسلوب الكر والفر، وظلت المعارك لمدة 21 عاما، أضعفت العثمانيين في أوروبا، وجرأت الأوزبك على إيران.

الطرفان وقعا على معاهدة بعد أن خارت قواهما عام 1554، نتج عنها ربع قرن من السلام وحقن الدماء.
كانت هناك أسباب أخرى للصراع، منها النزاع بين عشائر الحدود، وهجوم قبائل البدو على قوافل الحجاج الإيرانيين، وقوافل التجارة العثمانية.

هزائم إسلامية
بعد وفاة السلطان سليمان القانوني، دخلت الدولة مرحلة طويلة من الضعف والوهن، ولم تستعد مطلقا تفوقها الكبير على أوروبا، وتسبب ذلك في هزائم كثيرة للعثمانيين، نتج عنها التوقيع على معاهدة كارلوفجة، التي تنازلوا فيها عن المجر عام 1698.

أحد الأسباب المهمة وراء هذا التحول، كانت الحروب مع الصفويين، كان أهمها موقعة المشاعل، ونجح الشاه عباس في استعادة تبريز، وخلال عهده خاض الجانبان معارك كبيرة، كلفت الطرفين الكثير، وزادت من ضعفهما، وبعد انتهاء هذه الجولة، زاد تدهور وضع السلطنة في أوروبا، وسقطت الدولة الصفوية في يد القبائل الأفغانية، وأصبح مير محمود الأفغاني حاكم إيران.

الفوضى الإيرانية كانت تمثل فرصة في صالح العثمانيين، للتفرغ للجبهة الأوروبية، لكنهم فضلوا الاستيلاء على إيران المفككة، ودخلت الدولة في حروب واسعة مع الأفغان السنة، كبدت الطرفين خسائر كبيرة، واضطر السلطان لقبول الصلح.
في عهد نادر شاه (1736-1747) تجددت الحروب بين الطرفين، ونال العثمانيون هزائم ساحقة في بغداد والموصل وقارص.

تسببت الحروب المتواصلة في إنهاك الدولتين، في وقت كانت أوروبا تشهد نهضة عسكرية واقتصادية وبدت أطماعها الاستعمارية، إيران والسلطنة لم يعد لديهما القدرة على التصدي للضغوط الأوروبية، وقدمتا تنازلات تجارية كبيرة، وخضعت إيران لإنجلترا بحلول عام 1814، ولقبت الدولة العثمانية برجل أوروبا المريض، وتعلق بقاؤها بلعبة التوازن الأوروبي.

العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، وقع في قبضة الاستعمار، بينما أكبر دولتين مسلمتين وقفتا عاجزتين عن صيانة سيادته، بعد أن خارت قوتهما في صراع مجنون.
وحتى يومنا هذا، لا تزال كل من إيران وتركيا معول هدم للأمة العربية والإسلامية، وبسبب صراعهما دُمر العراق، وخُربت سورية، إيران تدعم إرهاب الميليشيات الشيعية، وتركيا تدعم إرهاب داعش والنصرة، وغيرهم من الجماعات  في ليبيا والشام، والكثير من بلاد العرب.

المصادر :


Qatalah