يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


إذا كنت فنانا واستطعت أن ترسم لوحة كبيرة تجسد فيها حكم بايزيد الثاني ثامن سلاطين الدولة العثمانية، فإنك سوف تقوم برسم كأس من الخمر يحتسيها رجل شارد الذهن وهو يجلس على العرش، أسفل قدميه يرتمي العديد من الجواري السكارى، ومن خلفه الأندلس في قبضة الصليبيين، وآلاف المسلمين معلقون في مشانق محاكم التفتيش، عن يمينه أخوه "جم" يصارع الموت بعد أن دس له السلطان السم في الطعام، وعن يساره ولده الأمير سليم مبتسما وهو يطعنه بخنجر ليستولي على السلطة.

ورث بايزيد الثاني ثامن سلاطين آل عثمان طباع الغدر والخيانة عن أجداده، برشوة فرق الإنكشارية تولى العرش، حارب أخاه شرقا وغربا قبل أن يدس له السم، طمع في أراضي الدولة المملوكية، وتجرع مرارة الهزيمة في معركة أدنة، تخاذل عن نصرة مسلمي الأندلس، واستقبل آلاف اليهود السفارديم، وشرب من كأس الخيانة بعد أن ثار عليه ولده سليم وخلعه ثم قتله.

قبل أن يتم السابعة عشرة من عمره، تزوج محمد الفاتح مرتين، قرر والده مراد الثاني عقد تحالف سياسي مع إمارة بني ذو القدر، ما جعله يوثق التحالف بزواج ولده من الأميرة "ستي مكرمة خاتون" ابنة سليمان بن محمد بك الحاكم السادس لإمارة بني ذو القدر في مطلع عام 1447،، فيما جرت مراسم الزواج في أدرنة، عاصمة الدولة العثمانية في ذلك الوقت،  قبل أن ينتقل الزوجان إلى ولاية مانيسا، وهناك أنجب الأمير بايزيد، أكبر أولاده محمد الفاتح.

بسبب انشغال محمد الفاتح في حروبه التوسعية الاستعمارية، أهمل تربية أولاده، لاسيما ولي عهده الأمير بايزيد، الذي عاش حياة مترفة بين أحضان الجواري، وتعلم حياكة المؤامرات من نساء الحرملك، ولما بلغ سن الشباب عينه والده واليا على مقاطعة أماسيا، فاتخذها الأمير الشاب فرصة ليغرق في المجون.

الإسراف في احتساء الخمور، كانت عادة بايزيد الثاني الذي اقترنت الكأس بيده، ما أدى إلى تدهور صحته، وعندما وصل الخبر إلى والده محمد الفاتح، أرسل له 5 أطباء يونانيين إلى قصر أماسيا، على أمل علاج الأمير من إدمان الخمور، لكنهم فشلوا جميعا في مهمتهم. حتى بعد تولي العرش.

حب السلطان للخمور جعله يأمر كبار الرسامين في العالم أن يصوروا على لوحاتهم مجالس الشرب، ويعلق العشرات منها في غرف وطرق وباحات القصر، ونتيجة لجنونه مزقهم جميعا حين تشاجر مع زوجته عائشة كلبهار خاتون -أم ولده السلطان سليم الأول- التي كانت تعشق البورتريهات، ما جعله يحرم اقتناء الرسومات وينزع اللوحات الجدارية التي نفذها الرسام الإيطالي "بليني" في الحرملك ويبيعها في الأسواق.

قتل الأمير جم
في أواخر أيام السلطان محمد الفاتح، بعد وفاة ابنه البكر وولي عهده الأمير مصطفى عام 1474، ظهرت مشكلة وريث العهد، خاصة أن السلطان محمد لم يقرر من سيخلفه، ما أدى إلى خلاف كبير بين ولديه بايزيد وجم.

صراع الأخوين على العرش احتدم بعد وفاة محمد الفاتح في 3 مايو 1481، بعد أن أخفى الصدر الاعظم محمد باشا قرمان نبأ وفاة السلطان لحين قدوم الأمير جم من ولاية قرمان.  

أنباء وفاة محمد الفاتح وصلت إلى بايزيد فهم بالزحف نحو إسطنبول مع 20 ألف جندي إنكشاري، فأرسل إلى ولده كركود يأمره بالتحالف مع أغا الإنكشارية للاستيلاء على العرش، ما جعل كركود ينصب نفسه سلطانا لحين حضور والده، وأمر الإنكشارية بالتخلص من الصدر الأعظم، فهجموا على قصره وقتلوه، ونهبوا الأسواق و منازل الأثرياء.

في حماية أغا الإنكشارية دخل بايزيد إسطنبول في 21 مايو 1481، فيما أصبح أكبر همه التخلص من أخيه جم، والذي أعلن أحقيته في العرش، ونصب نفسه سلطانا على الأناضول، واتخذ من مدينة بورصة مقرا لحكمه.

بايزيد الثاني في إسطنبول، وجم في بورصة، أصبح للدولة سلطانين في آن واحد، ما جعل جم يطلب من أخيه الصلح، ويعرض عليه اقتسام الدولة إلى شطرين، الآسيوي والأوروبي، إلا أن بايزيد رد عليه بالهجوم على بورصة، ليتلقى جم هزيمة مروعة، فر على إثرها إلى أدنة، والتي كانت تابعة للدولة المملوكية.

السماح بالدخول إلى حلب هو ما طلبه جم من السلطان المملوكي الأشرف قايتباي فوافق، واستدعاه إلى القاهرة، فمكث فيها أربعة أشهر، قبل أن يقرر استكمال صراعه على عرش آل عثمان.

من قونية توجه جم إلى أنقرة، لكنه تلقى هزيمة أخرى في 8 يونيو 1482، فهرب إلى جزيرة رودس، والتي كانت تحت سيطرة فرسان القديس يوحنا.

بايزيد الثاني أرسل وفدا إلى رئيس الفرسان للتفاوض بشأن الأمير جم،  والذي كانت نتيجته إبقاء الأمير جم في مقابل تعهد السلطان بايزيد بدفع مبلغ 45 ألف دوكا ذهبية سنويا، وبالاتفاق مع ملك فرنسا تم فرض الإقامة الجبرية على الأمير في مدينة نيس ثم شمبري لمدة 7 أعوام، وفي عام 1489 تم تسليمه إلى البابا انو سان الثامن، مقابل دفع 45 ألف دوكا ذهبية.

في الأسر عاش الأمير جم حتى قرر بايزيد الإجهاز عليه، عن طريق وفد أرسله إلى إيطاليا اتفق مع أحد الرهبان على دس السم للأمير، وتمت الجريمة في 14 فبراير 1495، بعد أن قضى جم 13 عاما طريدا خارج دولته.

معركة أدنة
حادثة لجوء أخيه إلى السلطان قايتباي وجد فيها بايزيد فرصة لمهاجمة حدود الدولة المملوكية، للاستيلاء على خيراتها واحتلال أراضيها، وهو المخطط الذي نفذه ولده سليم الأول عام 1517، بعد أن تعرض بايزيد لأزمة اقتصادية في مستهل حكمه، بسبب الهدايا والهبات التي قدمها لجنود الإنكشارية لشراء ولائهم في حربه مع أخيه جم، والإتاوة السنوية التي دفعها لفرسان القديس يوحنا وملك فرنسا فيما بعد.

بقيادة قره‌ كوز محمد باشا حاكم قرمان أرسل بايزيد حملة عسكرية في عام 1485، هاجم من خلالها الحصون المملوكية في قيليقيا، لكن جيوش قايتباي لقنت جيوش بايزيد بقيادة صهره "هرسك‌ زاده أحمد" درسا قاسيا في معركة أدنة في 15 مارس 1486، وقتلت 40 ألف جندي، فيما سقط عدد كبير منهم في الأسر، وغنم المصريون غنائم كثيرة من الخيل والسلاح.

لم يرتدع بايزيد من هزيمة أدنة عام 1486، شن هجوما بريا وبحريا على الدولة المملوكية، ليتقابل الجيشان عند أكاشيا بالقرب من أدنة في 26 أغسطس 1488، ويتمكن قايتباي من دحر قوات بايزيد، بعد أن فر الإنكشارية من الميدان، فحاصرهم في أدنة ثلاثة أشهر، قبل أن يهجم عليهم ويقتل الآلاف منهم، فيما تخلى التركمان عن بايزيد وأعلنوا ولاءهم لقايتباي، وتجرع العثمانيون عار الهزيمة.

درويش شيعي
مسيرة محمد الفاتح بدمج المذهب الحروفي المنحرف في العقيدة البكتاشية، استكملها بايزيد الذي قام بالدعوة للتوليف بين العقائد السنية والشيعية، وتم تشكيل الطريقة البكتاشية في صورتها النهائية على يد "بالم سلطان"، حفيد حاجي بكتاش ولي، والذي جلبه السلطان بايزيد الثاني ليكون رئيسا عليها، فقام بتأسيس زوايا للبكتاشية في القرى والمدن بالولايات.

وضعت أهم قواعد الاعتقاد البكتاشي الشيعي في عهد بايزيد الثاني الذي بارك أفعال "بالم سلطان"، ليتم إدخال صيغة "الحق - محمد - علي" في أصول الطريقة، فيما عزز السلطان الإمكانيات المادية للبكتاشية بمنحها المزيد من الأوقاف.

بالم سلطان ربط جميع أوقاف زوايا البكتاشية بزاوية حاج بكتاش ولي، وعن طريقها تم الترويج لطاعة السلطان بايزيد باعتباره ظل الله على الأرض.

سلطنة الجهل
على نهج أسلافه سار بايزيد في تبني الجهل ونبذ العلم والمعرفة، ورغم أن النهضة العلمية ازدهرت في أوروبا باختراع العالم الألماني "يوهانس غوتنبرغ" للمطبعة في العام 1439، إلا أن بايزيد ومن قبله محمد الفاتح حرموا استخدامها في دولتهم على مدار قرون.

وراء الأفكار الرجعية لشيخ الإسلام "زنبيلي علي أفندي" ومن بعده "أفضل زاده"، انساق بايزيد وأصدر أوامره بمنع دخول المطبعة أو استخدامها في نسخ الكتب، لكن المطبعة عرفت الطباعة طريقها إلى أراضي السلطنة من خلال يهود السفارديم المهاجرين من الأندلس، والذين جلبوا معهم عدة مطابع، ووزعت عشرات المؤلفات اليهودية بمباركة بايزيد، فيما ظل تحريم الطباعة مقصورا على المسلمين فقط.

بعض العلماء اعترض على رجعية آل عثمان، في مقدمتهم سنان الدين يوسف المعروف بالملا لطفي، والذي جاء إلى إسطنبول من مدينة "طوقات"، وبرع في علوم الشريعة والفلسفة والمنطق، وتبنى أفكارا تنويرية ودعا للاجتهاد ومراعاة روح العصر، وعارض المعتقدات الباطنية المنحرفة للطريقة البكتاشية.

صيت الملا لطفي ذاع في إسطنبول، بعد أن فند بدع البكتاشية، فطلب السلطان من شيخ الإسلام أفضل زاده مناظرته، واستطاع الملا التغلب عليه وسفه من علمه وآرائه، ولم يجد بايزيد سبيلا لمحاربته إلا باتهامه بالجنون، فأطلق عليه لقب "دلي لطفي" أي "لطفي المجنون". 

1494 تم إلقاء القبض على  الملا لطفي، وحاكمه الديوان الهمايوني بتهمة الإلحاد والزندقة، وحكم عليه بالإعدام الذي نفذ في ساحة "آط ميداني"، وعلق رأسه على أبواب قصر طوب قابي سراي، ليكون عبرة لمن تسول له نفسه التفكير في دولة آل عثمان.

خيانة الأندلس
احتضن بايزيد الثاني يهود السفارديم الفارين من محاكم التفتيش بإسبانيا، فيما تقاعس عن نصرة مسلمي الأندلس حينما راحت غرناطة تتداعى أمام الجيوش الصليبية، والتي توحدت بعد زواج إيزابيلا ملكة قشتالة وفرديناند ملك أراغون، ما دفع علماء وأهالي غرناطة إرسال خطابات لسلاطين الدولة العثمانية والمملوكية، يحثونهم فيها على نصرة أخوتهم في الدين.

السلطان قايتباي المملوكي جهز أسطوله للتوجه إلى إسبانيا، لكنه واجه  خيانة بايزيد الثاني الذي قام بمهاجمته في الشام، بحجة أن قايتباي ساند الأمير جم منافسه العرش أربعة أعوام، وانشغلت القاهرة في صد عدوان بايزيد عن نصرة مسلمي الأندلس.

لم يكتف بايزيد بإحباط محاولة قايتباي لإنقاذ مسلمي الأندلس، أرسل أسطوله لنجدة اليهود العالقين على السواحل الإسبانية، وكلف قائد الأسطول "كمال ريس" في عام 1486 بترحيل جميع اليهود إلى أراضي السلطنة أو مدن شمال إفريقيا.

تنفيذا لتعليمات بايزيد المشددة قام الأسطول العثماني بنقل أكثر من 150 ألف يهودي إلى الولايات العثمانية في الفترة من 1486 وحتى 1492، وتم تسكينهم في إسطنبول وأدرنة وسالونيك وإزمير ومانيسا وبورصة واماسيا وباتروس، ومنحهم الكثير من الامتيازات والحقوق، ومكنهم من امتلاك العقارات والأراضي وممارسة الصناعة والتجارة.

"لا تعيدوا يهود أسبانيا واستقبلوهم بترحاب كبير ومن يفعل عكس ذلك ويعامل هؤلاء المهاجرين معاملة سيئة أو يتسبب لهم بأي ضرر سيكون عقابه الموت" تلك كانت تعليمات بايزيد الثاني، فيما تطور الأمر إلى توظيف اليهود في قصر طوب قابي، وباتوا مستشاري السلطان في الشؤون المالية والخارجية.

أثناء حكم بايزيد وقعت الكارثة بسقوط الأندلس عام 1492، ما اضطر  أبوعبد الله الأحمر إلى تسليم مفاتيح غرناطة للنصارى، بعد أن خذله بايزيد الثاني، والذي لم ينشغل بمصير المسلمين في إسبانيا الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية، وخضعوا لمحاكم التفتيش، وقتل منهم عشرات الآلاف دون أن يمد بايزيد يد العون إليهم. 

نهاية خائن
على عرش السلطنة جلس بايزيد الثاني  31 عاما، قضاها خانعا للإنكشارية، بعد أن أصبح بقاؤه كسلطان مرهونا برضاهم عنه، وبدأ أولاده الثلاثة أحمد، وكركود، وسليم، يتصارعون على وراثة العرش، خاصة بعد أن قويت شوكة سليم حاكم ولاية طرابزون، والذي جمع 20 ألف إنكشاري واستولى على ولاية أدرنة، ثم زحف بعساكره الإنكشارية نحو العاصمة إسطنبول.

أحس بايزيد الثاني بإصرار سليم والإنكشارية على عزله، فأرسل لولده الأكبر أحمد ولي العهد لإنقاذه من الانقلاب، وفوجئ الأمير أحمد عند وصوله بتجمع العسكر أمام أسوار المدينة، أمروه بالعودة، وكان آغا الإنكشارية مع السلطان في قصر طوب قابي سراي.

الآغا أجبر بايزيد الثاني على إصدار فرمان بتعيين الأمير سليم وليا للعهد، مقابل حصولهم على الأموال والامتيازات، وسرعان ما تمت ترقية ولي العهد سلطانا.

في أبريل 1512 حاصر الجنود القصر ودقوا الطبول مرددين "سيوفنا في انتظارك يا بايزيد"، آغا الإنكشارية تمكن من عزله وتنصيب الأمير سليم الذي ألقى القبض على السلطان المخلوع (والده) وأودعه سجن القصر 20 يوما، ثم أمر بنفيه، وفي طريقه إلى منفاه أجهز عليه الإنكشاري المكلف بحراسته.

Qatalah