يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الصراع الصفوي-العثماني، استمر حوالي مئتي عام، واستثمر كل طرف فيه ما أتيح له من عوامل سياسية ومذهبية، وهذا ما جعل أصداءه تتردد حتى الآن.

تشابهت البدايات الأولى لكل من الدولتين العثمانية والصفوية إلى حد بعيد، فقد ظهرت كلتاهما في بادئ الأمر كقوتين محدودتي التأثير، وسط حالة من حالات الفوضى والارتباك في أقاليم الأناضول وآسيا الصغرى والهضبة الإيرانية، لكن سرعان ما تحولت الأمور وأخذت الجانب العسكري المذهبي، لتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ الإسلامي يملؤها التطرف والعنصرية.

كذبا قالوا صراع بين السنة والشيعة وزورا قال كل طرف إنهم يدافعون عن الإسلام الصحيح وحقا إن هو إلا صراع على المصالح الاقتصادية والسياسية والنفوذ بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية-القاجارية.
كل طرف استعان بمؤسسته الدينية في تكفير الآخر وتشويه صورته واستباحة دمائه وحث جنده على قتلهم ورفع العثمانلي شعار أهل السنة بينما رفع الصفوي شعار الشيعة وإن هي إلا شعارات أخفت حقيقة الصراع.

التعصب للشيعة أو السنة لم يكن أكثر من أداة مفيدة بيد حكام الدولتين يبرران بها الحروب المتتابعة التي حصدت أرواح عشرات الآلاف من البسطاء من السكان العزل أو الجنود. وكانت النتيجة ضياع قوة العالم الإسلامي وانحداره إلى هاوية التخلف في الوقت الذي كانت أوروبا فيه تصعد إلى قمة التقدم والحضارة.
العالم الإسلامي خسر كثيرا من الصراع العثماني-الصفوي في القرون الماضية وما زالت الخسارة مستمرة من خلال التعصب المذهبي والعنف الطائفي الذي أوقد ناره العثمانيون والصفويون.

عثماني وصفوي
الصراع السني-الشيعي يضرب بجذوره قديما في التاريخ الإسلامي وقد كان لكل من الفرس والأتراك دور في تأجيجه فقد دعمت الدولة البويهية التشيع على حساب السنة بينما دعمت خليفتها السلجوقية السنة على حساب الشيعة وكل منهما دعم صورة متشددة من المذهبين أضرت بالتسامح والتعايش بين أتباع المذهبين من العرب وغيرهم.
على نفس الدرب سارت كل من الدولة العثمانية وريثة السلاجقة والدولة الصفوية وريثة البويهيين اللتين تزامن وجودهما في فترة من أهم مراحل التاريخ الإسلامي التي كان لها تأثير كبير في الأفكار والمؤسسات والوعي والذاكرة لدى الأفراد والجماعات في حاضر العالم الإسلامي بما يعانيه من تأخر وتخلف حضاري وعنف طائفي ومذهبي.

كلتا الدولتين أعلنت الانتساب إلى الشريعة الإسلامية ودخلتا في صراع من أجل السيطرة والتوسع على العالم الإسلامي وقد توسلت كل منهما في تبرير صراعها مع الأخرى الوسائل الأيديولوجية المختلفة وكان على رأسها التعبئة الدينية وفقا لطقوس معينة في ممارسة الشعائر مثل الصوفية لدى العثمانية والشعائر الحسينية لدى الصفويين.
ووفقا لاجتهادات كلامية مذهبية مثل الإمامية الاثنى عشرية لدى الصفويين والمذهب السني لدى العثمانيين الأمر الذي أعطى صراع الدولتين السياسي والاقتصادي صبغة دينية مذهبية انعكست بدورها على أوضاع عموم المسلمين تشتتا وتفرقا واضطهادا وتصفية.

سنة إيران وكذلك شيعة الأناضول والعراق وسورية ولبنان عانوا جراء ذلك ابتداءً من القرن السادس عشر تاريخ انفجار الصراع بين الدولتين وحتى اليوم وإن اختلفت الدول الحاكمة لأن العثمانلي والصفوي هما من غرسا بذرة التعصب في تربة العالم الإسلامي وسهرا على رعايتها فأنبتت لنا شجرة من الاضطهاد والطائفية والكراهية تسببت في قتل وتشريد شعوبنا العربية.

فتاوى الكراهية
الاضطهاد العثماني للشيعة بدأ مع بايزيد الثاني (1481-1512) واستمر مع خلفائه. كانت الدعوة الشيعية القادمة من إيران قد بدأت في الانتشار بين القبائل التركمانية في آسيا الصغرى وفي مناطق الحدود في طوروس التي كانت محل نزاع بين العثمانيين والمماليك وإزاء ذلك قام بايزيد بإبعاد آلاف الشيعة التركمان إلى المورة. ثورة شيعية نشبت في الأناضول عام 1511 ردا على القمع العثماني واجتاح الثوار كوتاهية وحاصروا بورصة لكن العثمانلي تصدى لها وقتل زعيمها الشاه "قولي".

قبل توجه السلطان سليم الأول لقتال الشاه إسماعيل عام 1513 ارتكب عدة مذابح ضد التركمان الشيعة في الأناضول وبلغ عدد الضحايا 40 ألفا.

السنة والشيعة كانوا ضحايا الصراع العثماني-الصفوي فقد رافقت حروبهما حملات انتقام عثمانية ضد الشيعة وأخرى صفوية ضد السنة وموجات تهجير وشيوع فتاوى التكفير التي كانت تصدر عن فقهاء كل طرف.

على أن الأسباب الأساسية للصراع لم تكن مذهبية بل كانت تجارية وسياسية تم فيها استخدام الأيديولوجيا في الحشد فقد دارت أغلب المعارك بين الطرفين في مناطق أرضوم-تبريز والموصل-بغداد-البصرة وديار بكر التي تعتبر مفاتيح تجارة آسيا مع أوروبا وكان الصراع في جوهره حول طرق المواصلات والممرات الملاحية والنفوذ السياسي.

في ظل أجواء الصراع الصفوي-العثماني استخدم رجال الدين الرسميون تهم الابتداع والتكفير والخروج من الملة طمعا بمنصب أو لإبعاد منافس أو لإثارة فتنة ضد فئة من جماعة المسلمين ومن ذلك محنة فقهاء الشيعة الإمامية في جبل عامل (جنوب لبنان) مع المؤسسة الدينية العثمانية في بلاد الشام وتسبب هذا التنافس في إثارة التعصب المذهبي بين فئات المجتمع العربي واضطهاد الشيعة العرب وفقد رجل الدين الشيعي زين الدين بن علي حياته على يد السلطة العثمانية نتيجة ذلك.

الفرصة الضائعة
نادر شاه الذي ينتسب إلى أسرة سنية من قبيلة الأفشار القوية والكبيرة أصبح شاه إيران (1736-1747). 
حاول أن يؤسس طريقة للتعايش مع العثمانيين في مجال المسألة السنية-الشيعية وقدم حلا سلميا للوحدة بين المذهبين وهو أن يقبل العثمانيون الأمامية الاثنى عشرية تحت اسم الجعفرية كأحد المذاهب الخمسة في الإسلام إلى جانب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية.

نادر شاه قدم اقتراحات عملية للسلطان العثماني في هذا الشأن وهي أن يخصص للإمامية (الجعفرية) محرابا في مسجد مكة وأن يسمح لهم بإيفاد أمير وقافلة حج عبر بلاد الشام.

هذه الاقتراحات كان من الممكن أن تقدم حلا للمسألة السنية-الشيعية وتغلق الباب دون التعصب المذهبي بين المسلمين لكن السلطان العثماني رفض مرتكزا بذلك على فتوى شيخ الإسلام الذي أفتى بكفر الصفويين واستباحة دمائهم.
الرفض العثماني كلف المسلمين دماء كثيرة فسرعان ما تجددت الحرب بين الدولتين واشتد التطرف الشيعي في مواجهة تطرف مؤسسة شيخ الإسلام العثماني وراح نادر شاه ضحية هذا التطرف فتم اغتياله عام 1747 على يد متطرفين شيعة رفضوا سياسته المهادنة تجاه العثمانيين.

نار الفتنة
تزامن صراع هاتين الدولتين مع النهضة الأوروبية في مجالات الاقتصاد والعلم والحريات والعقلانية فبينما كانت أوروبا تمضي حثيثا نحو التقدم كان الشرق الإسلامي يزداد تخلفا.

المناطق العربية التي تضم تنوعا في المذاهب الإسلامية عانت كثيرا جراء هذا الصراع فكان الولاة العثمانيون في العراق عديمي الثقة في المكون الشيعي وعملوا على إقصائهم واضطهادهم ومن ذلك مذبحة كربلاء عام 1942 التي قتل العثمانيون فيها 10 آلاف عراقي.

الصراع قسّم المجتمع العراقي على أساس المذهب الديني وسنّ العثمانيون قوانين تؤكد هذا الفصل فصدرت قوانين تحظر الزواج بين الفريقين منها قانون عام 1822.
في عام 1874 صدر قانون عثماني يمنع النساء العراقيات من الزواج برجال إيران، وكان الهدف من ذلك هو زيادة عدد السُنة على حساب الشيعة في العراق وتقليل عدد الجنود الشيعة في الجيش السادس العراقي.

السنة في إيران عانوا أيضا جراء الاضطهاد الصفوي ثم القاجاري ومازالت تبعات هذه الفتنة التي أوقدها العثمانلي والصفوي تلقي بظلالها الكئيبة على واقعنا العربي حتى اليوم. 

المصادر :


Qatalah