يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بعملية تعذيب بشعة، تفقد رجلا الحب والذرية، صنع آل عثمان جيشا من فاقدي الرجولة، حماية لحشود الزوجات والجواري من الخيانة، فقد كان كل ما يؤرقهم هو الجنس والسلطة، بينما تسببت عادة إخصاء مئات الآلاف من العبيد في قصور إسطنبول في خسارتهم النساء والسلطة معا، على يد أذكياء الخصيان وعلى رأسهم الإيطالي غضنفر أغا سلطان الأغوات.
تعود أصول غضنفر أغا إلى جمهورية البندقية الإيطالية، ولد في مدينة كيودجا في القرن السادس عشر وانتمى إلى عائلة ميكيل، وكان والده يعمل مستشارا لحاكم مدينة بودوا في ألبانيا التابعة لدولته وقتها وجمع أموالا طائلة، عاش الصبي -لا نعرف اسمه الحقيقي- طفولته كأحد الأمراء وتنقل بين القصور، لكن لعنة آل عثمان نالت من أبيه الذي تبادل مع "طوب قابي" المراسلات الكثيرة والهدايا الثمينة.
 
بدأت قصة غضنفر مع العثمانيين عام 1559 حين ركب مع إخوته وأمه السفينة فرانشيسكينا زورتسي إلى مدينة بودواو، وعندما رأى القراصنة الأتراك الباخرة الملكية هجموا عليها وخطفوا الركاب واقتادوهم للبيع عبيدا في أسواق إسطنبول، واستطاعت والدته افتداء نفسها وابنتها، ولكنها لم تستطع أن تفعل شيئا لولديها اللذين سلما إلى القصر التركي، لتبدأ من قاع العبودية رحلة الصعود في سماء العاصمة العثمانية.
 
سلطنة الخصيان
أمر السلطان سليمان القانوني بإلحاق الشقيقين بخدمة القصر، ووفق الطقوس العثمانية أجبرا على اعتناق الإسلام وسمي أحدهما جعفر والآخر غضنفر، وعملا في طاقم خدمة ابنه الأمير سليم (السلطان فيما بعد)، وأصبحا صديقين حميمين له وقدما أول خدماتهما بالانخراط في مؤامرات الحرملك ومساعدته في الوصول إلى العرش.
كان سليم ولي العهد مكروها بين رجال الدولة ومرفوضا من قادة الجيش، لم تكن لديه أية مهارة عسكرية فضلا عن إدمانه للخمر وولعه بالنساء، وتمثلت مهمة غضنفر إيصال الأمير الضعيف إلى عرش آل عثمان، طمعا في لعب الدور الأساس بتوجيه سياسة الدولة في ظل وجود سلطان واهن يلقبه العامة بالسكير.
طبع غضنفر اسمه في قلب سليم، خاصة بعد سيطرته على عرش السلطنة عام 1566 إثر وفاة سليمان القانوني، ومساعدته في التخلص من آخر منافسيه الأمير بايزيد.
نوربانو زوجة سليم الثاني سلطانة القصر الجديدة، تلك الجارية الجميلة جمعها رابط مشترك مع الأخوين غضنفر وجعفر يتمثل في الأصل الإيطالي البندقي، لذا تحالف الثلاثة على إحكام الهيمنة على أمور الدولة في مواجهة الصدر الأعظم القوي محمد صوقللي.
 
أدار الأخوان شبكة تجسس وتنصت على الأمراء والجواري لصالح نوربانو، ولم يعد سليم الثاني قادرا على اتخاذ أي قرار دون الرجوع إليها، ولعبت دورا كبيرا في توجيه سياسات الدولة بمعاونة غضنفر، ما كان محل استياء واسع من الصدر الأعظم.
وفي حادثة معتادة في قصر طوب قابي، طلب الأخوان من السلطانة أن يصبحا من الخصيان إذ قال غضنفر لنوربانو :"دعينا نكون دائما إلى جوارك يا سيدتي"، ولم تكن الجريمة غير الإنسانية جديدة على العثمانيين وارتكبت بحق الآلاف من الأبرياء خوفا من خيانة الحرملك.
ورغب غضنفر في إجراء العملية البشعة أملا في مزيد من السلطة عبر السماح بدخول عالم الحرملك، بهدف توثيق علاقته بالسلطانة والاختلاء بها من أجل التخطيط لإدارة الدولة التي تنازل عن إدارتها لهما السلطان السكير.
 
تحالف العبيد
وصل غضنفر أغا لقمة المجد في ظل سلطنة الحريم حين تحكمت النساء والجواري في مصير دولة آل عثمان، وبفضل الخصاء ظل قرابة الثلاثة عقود من عام 1567 حتى 1603، يتولى وظيفة "أوضة باشي السلطان" و"قابجي باشي" أي حاجب السلطان، ورئيس الخصيان البيض في قصر طوب قابي سراي، وهو المنصب الذي شغله حتى مقتله، وأصبح واحدا من أكثر الشخصيات تأثيرا في البلاط، فكان يشير على السلطان بكل التعيينات والترقيات في الحكومة، كما كان الأخير يثق به في كل ما يتعلق بأمور الدولة.
في عهد السلطان مراد نشب الصراع بين غضنفر أغا المدعوم من السلطانة الأم نوربانو وقائد الخصيان السود المؤيد من صفية زوجة مراد، بسبب رغبة كل طائفة في الاستئثار بالنفوذ الأعلى في القصور وشؤون الدولة، وتلقى العبد البندقي صدمة كبيرة عام 1582، حين صدر قرار تعيين أحد كبار خصومه في منصب "دار السعادات أغاسي" أي أغا دار السعادة الذي كان يتمتع بصلاحيات واسعة، وبذلك انتصرت صفية وانتقل نهائيا الإشراف على الحرملك والتفتيش على الأوقاف السلطانية إليها ورئيس خصيانها، ما دفع غضنفر إلى اتهام أخيه جعفر بالتقصير بعد فشل شبكة التجسس في إدراك الكارثة قبل حدوثها، وقرر التخلص منه بالسم عام 1583.
 
قرار مراد المفاجئ أزعج والدته السلطانة الأم نوربانو، بعد أن فقدت أهم مساعديها في القصر، ما جعلها تدبر المكائد للتخلص من صفية التي حولت ابنها إلى خاتم في أصبعها يطيع كل ما تأمر بدون نقاش، ودفع غضنفر أغا إلى تغيير ولائه إلى صفية في مقابل وعد منها بإعادته إلى منصبه القديم "أوضه باشي السلطان"، ما تحقق بعد شهور قليلة ليعود لينتقم من أغا الخصيان السود وآل عثمان عن طريق اقتناص السلطة والنفوذ والمال.
 
دولة غضنفر
فقدان غضنفر أغا لقدراته الجنسية ترك أثرا عميقا في نفسه عوضه بالجبروت والتحكم، وأصبح الخصي الرجل الثالث في الدولة بعد الصدر الأعظم وشيخ الإسلام، وحمل لقب وزير، وكانت الرسائل التي توجه إليه تستهل بعبارة "حضرة صاحب الدولة والفخامة والاحترام"، أما التي تأتيه من سفراء الدول الأجنبية فتبدأ بـ"حضرة صاحب السمو" أسوة بالأمراء.
وبعد أن أصبح الرجل الأول في القصر تقرب من جمهورية البندقية فمنحها العديد من الامتيازات التجارية، واستدعى أقرباءه إلى إسطنبول في محاولة للبحث عن حلفاء يرثون سطوته بالقصر.
كان غضنفر بحاجة إلى إنشاء شبكة من التحالفات لتحصين نفسه، لهذا أجبر شقيقته بياتريتشي التي زارته في إسطنبول على البقاء واعتناق الإسلام، ثم زوجها من أحد المقربين إليه، علي آغا قائد جيوش الإنكشارية، وبذلك ضمن ولاء أكبر الفرق العسكرية، ولم يمر على المصاهرة إلا شهور قليلة حتى احتاج إلى المساعدة التي ينتظرها في مواجهة الباشي دفتردار المسؤول عن الشؤون المالية بالسلطنة، بعد رفضه تدخله في مالية الدولة بعد انتشار شائعات اختلاسه أموالا كثيرة من الخزانة، فطلب التخلص منه مقابل توزيع الأموال الطائلة على الإنكشارية.
اقتنص علي أغا الفرصة وأمر قواته بالخروج لساحة آت ميدان بوسط إسطنبول وإعلان التمرد، وقدم طلباته إلى مراد الثالث بتسليمهم الباشي دفتردار ورئيس البكوات الصناجق محمد باشا بكلر بك الروملي، بدعوى أنهما أرادا أن يصرفا لهم نقودا فضية ناقصة المعيار، تأخر السلطان في تلبية مطالبهم، فحاصرت قوات الإنكشارية بيت الرجلين ثم اقتحموا الدارين وقتلوهما ورجعا برأسيهما إلى غضنفر أغا الذي طار فرحا وقدم رشاوى للإنكشارية تقدر بثلث الخزانة السلطانية.
 
وقف غضنفر أغا وراء حروب العثمانيين مع الصفويين بعد انصياع السلطان للرغبات القوية في البلاط، فمع اعتلائه العرش ظهر في القصر تحالف قوي هدفه الحد من نفوذ الصدر الأعظم صوقولو محمد باشا ونوربانو وسعد الدين خوجة معلم مراد الثالث، في حين ضم آخر معادي غضنفر أغا رئيس الخصيان والوزير الثاني لا لا مصطفى وشمس الدين أسعد باشا ورئيسة الحريم جنفيدة خاتون، وكان للتجمع الأخير الأثر الأكبر في إقناع السلطان بتحريك الجيوش على الجبهة الشرقية تجاه الصفويين، ودخلت الدولة العثمانية في حروب دامية 13 عاما (1577-1590)، وفي عام 1593 نقلت ساحة الحرب غربا إلى مملكة الهابسبورغ (الإمبراطورية الألمانية)، وكلها حروب تخدم جمهورية البندقية، فالحرب شرقا مع الصفويين تنفعها تجاريا، وغربا مع النمسا سياسيا.
 
انفرد غضنفر بالسيطرة على السلطانة صفية وتورط بشدة في الألعاب السياسية التي كانت النساء تمارسها، وبات الرجل الأول بلا منازع يتصرف في مصائر آل عثمان حسب مصلحة البندقية، وفي عام 1595 خشي على مستقبله حال وفاة مراد الثالث، ما قد يسفر عن تغيرات جذرية في القصر، فقرر أن يودع أمواله التي جمعها من الرشاوى والهدايا في خزانة جمهورية البندقية لتأمينها.
 
انتهت حياة غضنفر أغا عندما انتصر تحالف غير متوقع جمع بين السباهية والإنكشارية والعلماء على صفية ومناصريها، ففي يوم 3 يناير 1603 استدعى المتمردون السلطان محمد الثالث على عتبة البوابة الثالثة من القصر وأجبروه على مشاهدة إعدام الأغوات، ومنهم غضنفر أغا رئيس الخصيان البيض، وعثمان رئيس نظرائهم السود، وهكذا انتهت قصة العبد البندقي نموذج أقرانه الأغوات من عام 1651 حتى 1656 حين اعتلى محمد باشا كوبرولو الوزارة.

المصادر :

1 - ماجدة صلاح مخلوف: الحريم في القصر العثماني
5 - سامر عكاش: مرصد إسطنبول

Qatalah