يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


29 أكتوبر 2018 "غلاطة بورت" المشروع الذي محى التاريخ في إسطنبول

"الحفاظ على غلاطة كما هي كان اختيار المجتمع العثماني نفسه. ونظرا لاستمرارية هذا الاهتمام والعناية فقد تمكنت غلاطة من التطور كميناء تجاري. ولطالما حملت غلاطة هوية ميناء بحري على ساحل البحر الأبيض".

تلك العبارات استخدمها المهندس المعماري الشهير "دوغان كوبان" في كتابه المسمى "إسطنبول تاريخ مدينة" عند حديثه عن كاراكوي... لكن الميراث التاريخي الموجود في غلاطة يتعرض للتضحية به في سبيل مشروع غلاطة بورت.

يعرف باسمه هذا، إلا أنّ اسمه الحقيقي هو مشروع الميناء السياحي سوق الثلاثاء. وفي إطار هذا المشروع سيتم تغيير معالم الشريط الساحلي الذي يبدأ من كاراكوي ويمتد حتى فيندقلي بطول 1.2 كيلو متر.

لقد أصبحت هذه المنطقة في الوقت الراهن موقع عمل وإنشاءات من أولها إلى آخرها. خلافا لذلك فقد تمّ في ظلّ هذا المشروع المستمر بالرغم من كل القرارات القانونية قطع صلة المدينة بهويتها التاريخية من خلال هدم مبنيي "صالون كاراكوي للمسافرين" و"مكتب بريد الطرود" التاريخية.

إن تسيروا اليوم في جادة "كمان كش" الموجودة في منطقة المشروع يمكنكم أن تروا الصور الفوتوغرافية التي تظهر كاراكوي القديمة والأبنية التاريخية المهدمة واحدة تلو الأخرى موضوعة على الحواجز التي طوقت موقع العمل بشكل تهكمي. حتى إنه كتبت عليها عبارات "التاريخ ملكك، والمستقبل أيضا".

غير أن عدم وجود ولو حتى معلومة واحدة بشأن المشروع الجاري تنفيذه في هذه المنطقة أمر مقلق.

والحقيقة أن مشروع غلاطة بورت طرح في جدول أعمال تركيا عام 2002. وقد كانت هناك عملية قانونية طويلة خلال الــ 16 سنة التي مرت منذ طرحه. وفي عام 1993 كان قد تم إعلان منطقة كاراكوي وصالي بزاري "محمية حضرية".

وتُعرف المحميات الحضرية بأنها "المناطق التي تتميز معماريًا ومحليًا وتاريخيًا وجماليًا وفنيًا، وتحتوي عناصر البيئة الطبيعية والثقافية التي تفوق قيمتها مجتمعة في نطاق واحد قيمتها منفردة."

إلا أن ما أشعل فتيل المشروع الحالي هو أن مجلس الوزراء أعلن المنطقة نفسها "منطقة سياحية" بعد عام من إطلاق المشروع. وبهذا القرار فإن هذه المنطقة المحمية الحضرية أصبحت مباحة وجاهزة للتطوير والإيجار والعمليات العقارية. وقد قدمت إدارة الخصخصة ووزارة الثقافة والسياحة هذا المشروع إلى هيئة الحماية عام 2004.

إلا أنه وبالرغم من رفض المشروع قامت بلدية "باي أوغلو" عام 2005 بتعليق المشروع. وقد قام اتحاد نقابات المهندسين والمعماريين الأتراك، وهيئة التخطيط العمراني برفع دعوى قضائية عام 2005 بهدف إيقاف تنفيذ المشروع نظرًا لعدم الامتثال لقرار هيئة الحماية. كما طالب اتحاد نقابات المهندسين والمعماريين الأتراك بإيقاف عملية المناقصة والشراء، ولكنه وبالرغم من ذلك قامت هيئة الأشغال البحرية التركية بطرح أول مناقصة للمشروع في سبتمبر 2005.

وقد فاز بالمناقصة ائتلاف تجاري تتزعمه شركة "رويال كاريبيان كروزس" شريك مجموعة "سامي أوفر" بعرض بقيمة 3 مليارات و538 مليون يورو. إلا أن الدائرة الــ 6 من محكمة الاستئناف قررت إيقاف التنفيذ في الدعوى من أجل إلغاء التغيير المعماري للمكان.

وحكمت بأن مسؤولية تنظيم المناقصات ليست من حق وزارة الثقافة والسياحة، وإنما مكفولة لرئاسة إدارة الخصخصة. ولهذا السبب ألغت المناقصة هيئة الأشغال البحرية التركية التابعة لرئاسة إدارة الخصخصة، وبدأ العمل لوضع خطة إعمار جديدة.

وبحلول عام 2008 صدر قرار من قبل محكمة إسطنبول الإدارية الثانية بوقف تنفيذ خطة إعادة تنظيم المنطقة المعنية. وهذا القرار الذي يعني "استحالة تنفيذ مشروع غلاطة بورت" تمّ التحايل عليه من خلال إجراء تعديل في قانون السواحل. وبهذا التعديل انفتح السبيل حتى يمكن للمباني التي سيتم إنشاؤها في المناطق التي تمّ ردمها على الساحل أن تشمل كل شيء بدءا من مواقف السيارات وصولا إلى مراكز التسوق.

أما المناقصة الثانية والأخيرة فقد تم إجراؤها عام 2013. وقد فازت بها مجموعة "دوغوش القابضة" و"مجموعة بيلغيلي القابضة" بعطاء بقيمة 702 مليون دولار. وفي شهر فبراير من عام 2015 بدأت عملية إنشاء المشروع رسميا. ويهدف مشروع غلاطة بورت إلى إعادة ترميم جميع المباني الموجودة في المنطقة أو هدمها وإعادة بنائها من خلال مشروع غلاطة بورت بغرض استخدامها تجاريًا وسياحيًا. 

ووفقًا للمعلومات الواردة في الموقع الرسمي لمجموعة دوغوش في إطار المشروع فإنه من المخطط له أن يكون ارتفاع المباني منخفضًا أكثر مما هي عليه حاليًا، وسيتم تحقيق الوصول البصري والطبيعي إلى البحر من خلال ممرات سيتم إنشاؤها بين المباني، وسيتم تخصيص ميدان طوب خانه للمشاة، وكذلك إنشاء محطة تحت الأرض للمسافرين عبر الرحلات البحرية التي يوصف بها الميدان، وإنشاء موقف سيارات مغطى تحت الأرض في الوقت نفسه.

إن الأحداث الجارية في الموقع نفسه تتنامى في اتجاه مخالف تمامًا لما يُقال من أن الأبنية التاريخية سيتم إعادتها إلى المدينة من خلال عملية ترميم المباني المسجلة الموجودة داخل المنطقة.

وفي إطار هذا المشروع هُدم في شهر فبراير 2017 صالون كاراكوي التاريخي للمسافرين الذي كان يتميز بكونه أول صالون حديث في تركيا لتوديع واستقبال الركاب البحريين. وبالرغم من جميع ردود فعل الرأي العام تعرض مكتب بريد الطرود للمبنى التاريخي أيضًا إلى نفس العاقبة بعد شهر واحد من سابقه.

ولم يُترك من مبنى مكتب بريد الطرود سوى واجهته الأمامية. وبعد هذه الحادثة دار نقاش بين الرأي العالم حول هدم هذه المباني التاريخية يتساءل "من الذي سمح بهذا؟"

وعلى الرغم من أن بناة المشروع صرحوا فيما يتعلق بعمليات الهدم "لقد حصلنا على كل التصاريح الرسمية" إلا أنه ليست هناك أية معلومة حول جهة إصدار تلك التصاريح. ذلك لأن هيئة الحماية قدمت شكوى جنائية ضد المسؤولين عن هدم الأبنية التاريخية. وقد ظهر أسفل عريضة الشكوى الجنائية توقيع بلدية باى أوغلو. كما تقدم اتحاد المهندسين والمعماريين الأتراك بشكوى جنائية بنفس الحجة.

ويقول "مُجلَّى يابيجي" أمين سر اللجنة الاستشارية لتقييم التأثيرات البيئية في نقابة المهندسين المعماريين التابعة لاتحاد المهندسين والمعماريين الأتراك "لقد رفعنا دعاوى قضائية بخصوص هدم المباني التاريخية. لا تزال القضايا مستمرة. كما رفعنا شكاوى جنائية. وقد رفضت الوزارة الإذن بالتحقيق. أي أنّ كاراكوي انقلبت رأسًا على عقب. كما اشتكت هيئة الحماية.

لكنهم يمررون الأمر من هيئة الحماية أيضًا، للأسف. لدى هيئة الحماية موافقات على الترميم، ولكنها ليست موافقات صحيحة وسليمة. إنها تصاريح تم توفيقها بحسب كتاب العمل. وفي اللحظة الأخيرة مُرِّرت المشاريع من الهيئة. وقد أضفوا عليها الشرعية حاليًا."

ويعتبر المهندس المعماري "كورهان غوموش" كاراكوي منطقة فريدة في المدينة، ويصف مشاريع غلاطة بورت بأنها "مقبرة لفن العمارة".

ويقول غوموش بشأنها"مثل سراي بورنو تمامًا، ومثل شبه الجزيرة التاريخية إنها الشريط الساحلي لمركز المدينة وللعاصمة خلال مرحلة الحداثة. إنها مكان قيم جدًا. هذا المشروع يحول المنطقة إلى فضاء عمومي. لأنه ليس هناك منهج يكمن وراء هذه الرؤية النفعية. إنها مجرد عملية تحوّل تنفذ من منظور الاستثمار العقاري. لذلك فإنه في حين يمكن حماية الأماكن الموجودة بشكل سهل للغاية، وتفعيل دورها، وإشراكها في الحياة العامة للمدينة إلا أنها تُركت فارغة حوالي 25-30 عامًا. وعدم وجود مبادرة معمارية ولا فكرة لإعادة استخدامها بصورة فعلية خلال فترة تركها وإهمالها دليل على هذا في الأساس."
ويعارض غوموش مشروع التحول المستهدف تنفيذه من خلال مشروع غلاطة بورت ويواصل قائلًا "يمكن وصف عملية التحول هذه بأنها احتلال للفضاء العام. وهذا منظور أنشأته الحكومة المركزية في أنقرة بشأن المدينة. يعني أنها تنظر إلى الأمر بنفعية تمامًا. لأنها ستحصل إيرادات من وراء ذلك."

ويكمل غوموش حديثه واصفًا كيف أن البنية المعمارية تمّ استغلالها بسبب مشروع غلاطة بورت قائلًا: "كانت هناك مرحلة في البنية المعمارية يُطلق عليها ما قبل المشروع. إننا نتحدث فقط عن الأعراض التي ستقع. إن هذا المكان أساسًا ليس منفذًا تجاريًا بالمعنى العمومي. سوف يتم تحويل هذا المكان وتغيير معالمه. إن عدم تطوير فكرة معمارية في هذا المكان طيلة 30 سنة، وتحقيق استثمار يستهدف نقل الأرباح من هنا واعتبارها أداة للمضاربة والاستثمار يعني استغلال البنية المعمارية هنا. إنه مثال على أن استخدام البنية المعمارية كرافعة لن يُثري الساحة العمومية للمدينة، بل على العكس تمامًا يظهر أنه يمكن استغلالها لتصبح أداة لنقل ثروات المدينة إلى المضاربين".
 
وكذلك عالم الاجتماع الحضري الأستاذ الدكتور "فرحات كنتِل" عضو هيئة التدريس بجامعة "إسطنبول شهِر" يعتبر تدمير المباني التاريخية "جرائم تفصل المجتمع عن ارتباطه بالماضي".

ويقول فرحات كنتل إنه لم تبق معلومة ملموسة حول التاريخ، ويضيف "أصبح الناس مضطرين إلى الإيمان فحسب ببعض التواريخ الخيالية التي تقدم لهم. وحين كان يُقال منذ الطفولة لقد حدث هذا، وحدث ذلك من الناحية الاجتماعية، لم يكن هناك أي شيء على الساحة يُكذب هذا. إنكم في ظل ما يجري تفقدون الشعور بالاستمرارية. تفقدون الشعور بالانتماء إلى المكان. فتؤمنون بتاريخ خيالي وملفق، وبمتاحفه الخاصة به. ومن هذه الأمور تنبع إحدى مشاكل الهوية التي يعانيها المجتمع".

ويقول كنتل إن كاراكوي أحد أهم المراكز في المنطقة المؤدية إلى باي أوغلو بعد عصر الدولة البيزنطية والدولة العثمانية، ويخبرنا بأن مراجعنا التاريخية قد تُركت عرضة للتآكل فيقول: "إنها واحدة من أهم المراكز التاريخية في المدينة. لقد اكتسبت طرق التجارة الدولية مكانة مهمة للغاية في مطلع القرن الــ 20. وعن طريق القيام بمثل هذه المشاريع تتركون الحداثة والمعالم الكلاسيكية، وترجعون إلى مجموعة من تشكلات "ما بعد الحداثة". إنكم تتخطون التاريخ. تمحون التاريخ وتمنعون استمراريته. وبينما تمثل كاراكوي واحدة من أهم النقاط المرجعية الخاصة بنا إذ بتصورنا التاريخي-المكاني هذا يُترك عرضة للتآكل".

وفي نطاق هذا المشروع تمّ خلال شهر يوليو الماضي أيضًا هدم متحف إسطنبول الحديث الذي يضم أحد المباني الأثرية التي في المنطقة. وقد نقل متحف إسطنبول الحديث إلى مبنى الاتحاد الفرنسي القديم الموجود في باي أوغلو بشكل مؤقت إلى حين إنشاء مبناه الجديد.

وفي نطاق المشروع ذاته أيضًا تم إخلاء المنطقة من مقاهي “النرجيلة" التي تعتبر من الأماكن الرمزية في طوب خانة. وتتواصل الأعمال في منطقة المشروع. ويتوقع أن يكتمل مشروع غلاطة بورت عام 2020. أما بالنسبة لتشغيل الموقع فسيكون في قبضة منفذي المشروع لمدة 49 سنة.

أما الخبراء العقاريّون فيذكرون أن قيمة العقارات في كاراكوي قد ارتفعت بنسبة 60 في المائة بسبب هذا المشروع. لقد أصبحت المنطقة مركز جذب للمستثمرين. ونظرًا لقربها الشديد من المناطق السياحية وخصائصها الفريدة وسهولة مرافق النقل فإن المستثمرين يفضلون استغلال المشروع في إنشاء الفنادق.

ومن المخطط له كذلك أن يتم في نطاق مشروع غلاطة بورت إنشاء فنادق ومراكز للتسوق بدلا من المباني المهدمة، وتأثرًا بعملية التحول التي تجري في ميدان تقسيم تمتد أماكن اللهو والتسلية إلى كاراكوي. وهناك العديد من المقاهي تم افتتاحها في الشارع الخلفي من المنطقة التي يُنشأ فيها مشروع غلاطة بورت. يعني أنه بهذا تكون مراكز التسلية والمتعة أيضًا قد انتقلت إلى كاراكوي إلى جانب التجارة والفن. وكل هذه عوامل تزيد من قيمة كاراكوي.

ويرى الخبير العقاري "تبرنوش كيرججي" أن مشروع غلاطة بورت سيؤثر إيجابيًا على قيمة كاراكوي. ويضيف " السياحة كلها ومراكز التسوق واستثمارات النقل تجعل العقارات المحيطة بها أكثر قيمة. إن غلاطة بورت أكبر مشروع استثماري سياحي في تاريخ الجمهورية التركية. إنه مشروع سيساهم مساهمة حقيقية وجادة للغاية في تسويق إسطنبول سياحيًا. وكأنها مدينة مكتفية ذاتيًا. وهذا شيء مهم".

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah