يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على أطراف واحة تفصل طرابلس الغرب عن تونس، استعد الشيخ غومة المحمودي مع أبناء عمومته للسفر غربا، سنوات النفي العثماني في طرابزون غيرته كثيرا، صار قليل الضحك ونادر الكلام، زاد نحول وجهه وتركت التجاعيد بصماتها على قسماته، فيما لم يفقد شيئا من متانته القديمة، بدا وهو ممتطيا جواده حاملا سيفه مثل نخلة سامقة تأبى -ولو اجتمعت عليها عواصف الدنيا- أن تنكسر. 
 
المحمودي قبل أن ينادي في الحاضرين بالرحيل نحو تونس، يمم وجهه شطر الشرق محدقا في كومة الرمال الهائلة، هناك خلف البحر الأصفر يقع الجبل الغربي، موطن الأجداد وأرض الصبا والشبيبة، حيث العز والثورة الكبرى التي أشعلها ضد العثمانيين قبل 23 عاما، ذاق الفوز والنصر كما عاين الانكسار والغدر، نظر الشيخ غومة إلى الصحراء مرة أخيرة ثم مضى غربا، آملا أن يجمعه بالجبل الغربي لقاء قريب.
 
الشيخ الثائر
ينتسب الشيخ غومة بن خليفة بن عون المحمودي إلى قبيلة أولاد المرموري من قبائل المحاميد، ولد عام 1795 في منطقة الحوض داخل بيت توارث السيادة على الجنوب الغربي من طرابلس منذ القرن الخامس الهجري، وتحالف أجداده منذ القرن الثامن عشر الميلادي مع الأسرة القرمانلية التي استقلت بولاية طرابلس الغرب عن السلطنة العثمانية.
 تأسس التحالف على اعتراف القرمانليين بسيادة قبيلة المحاميد على الجبل الغربي ومقره يفرن، وشهدت ليبيا في ذلك الوقت نموا كبيرا في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن ضمن التعاون العربي القرمانلي بقاء ثروات البلاد في أيدي أصحابها دون تدخل الأتراك. 
 
الثورة
ثلاثينيات القرن التاسع عشر شهدت تحولا مهما في سياسات العثمانيين تجاه العرب، حيث عمد السلطان محمود الثاني إلى إعادة المركزية بالقوة إلى الولايات المستقلة، وفي 24 مايو عام 1835 تمكن الأسطول التركي بقيادة مصطفى نجيب باشا من إنهاء حكم الأسرة القرمانلية وطرد علي باشا القرمانلي من حكمها. 
كان نجيب باشا على علم كامل بعلاقة المحاميد بالوالي المخلوع، لذلك دبر الحيلة لإيقاع بزعمائها والزج بهم في السجن ظنا بأن ذلك سيجعل الأجواء تصفو للدولة العثمانية في ليبيا. 
أقام الباشا حفلا لتنصيبه، ودعا الشيخ غومة المحمودي وزعماء المحاميد لمبايعة السلطان وقبض عليهم جميعا بعد حضورهم، ثار العرب في الجبل الغربي على الغدر وأرغموا السلطان في إسطنبول أن يصدر أمرا بعزل مصطفى نجيب ويعين واليا جديدا هو محمد رائف باشا. 
 
حاول رائف باشا تلطيف الأجواء مع عرب ليبيا، فأطلق سراح المحمودي وباقي الزعماء سعيا لضمان ولائهم، ولكن الشيخ كان يعلم تماما أن الأتراك طبعهم الغدر، وبالتالي أصر بعد العودة إلى الجبل على استجماع قوته وإشعال الثورة مطالبا بأن يحصل العرب على الحكم الذاتي، ورفض الخضوع إلى موظفين مبعوثين من العاصمة العثمانية.
اتصل الشيخ غومة بأحمد بك القرمانلي الذي كان مقيما في تاجوراء شرق طرابلس ووعده بمساعدته للعودة إلى حكم البلاد، واجتمع أهل طرابلس على دعم ذلك التعاون أملا في الخلاص.
لم ينتظر الوالي رائف باشا ازدياد التحالف القرمانلي العربي في تاجوراء قوة، فباغت المدينة بالمدافع وحالف النصر جنوده الذين ألحقوا الضرر البالغ بأهالي تاجوراء، حيث خربت الأسوار نهائيا ونهبت المتاجر. 
 
القتال ضد الأتراك
عزل الإدارة المركزية في إسطنبول رائف وجرى تعيين أمير البحر طاهر باشا واليا على طرابلس، وبدأ عمله بإرسال الخطابات العديدة إلى مشايخ العرب طلبا منهم الحضور لتقديم الطاعة وهددهم بالقتال حال الرفض. 
رفض المحمودي التهديد وتحصن بالجبل الغربي، وحدثت المعركة الأولى عام 1836 عندما اشتبك الفريقان، وكان المحاميد تحت قيادة علي بن عبد الصمد ابن أخو الشيخ غومة، وخسروا بسبب التفوق العثماني في العتاد، وسقط منهم نحو 300 شخص وسطا الأتراك على أعداد كبيرة من الإبل. 
لم يستسلم الشيخ، فخاض ثماني وعشرين معركة ضد طاهر باشا أبرزها غريان التي انتصر فيها المحاميد على العثمانيين وأجبرهم على عقد الصلح، وعزل الباشا من منصبه في مايو 1837 بسبب فشله في إخماد الثورة، وتولى بدلا منه حسين الجشملي، ثم عزل أيضا وتبعه علي عشقر الذي اتبع سياسة ودية مع الليبيين. 
 
شهد السابع من أبريل 1839 استئناف المعارك بين الليبيين والأتراك، بسبب عدم دفع المشايخ أموالا للعثمانيين، واستغرقت الحملة العثمانية الجديدة فترة طويلة من أبريل إلى سبتمبر لكنها لم تأت بأية نتائج.
 
المذبحة
من سبتمبر 1839 إلى يونيو 1840، خشى والي طرابلس الجديد محمد أمين باشا من أن يتوجه غومة المحمودي إلى المدينة، فحرك الحملات للاستيلاء على الزاوية التي رفض أهلها التخلي عن الشيخ الثائر فكان عقابهم مذبحة دامية على يد الأتراك ما زالت معروفة بين الليبيين باسم سانية المقتلة. 
رغم المذبحة العثمانية، فإن الشيخ غومة سيطر بالكامل على الطرق الموصلة بين غدامس وطرابلس ونجح في الاستيلاء على قافلة عثمانية محملة بالأموال المنهوبة، ما دفع الأتراك إلى محاولة الصلح من جديد ولكن المفاوضات سارت ببطء.
 
المنفى
تساقط مشايخ العرب من رفاق غومة المحمودي بشكل متوالٍ في قبضة الأتراك ما كان سببا في دخوله في حالة نفسية سيئة عبر عنها الشيخ مولود بن سعيد في رسالته إلى مصطفى قرجي الوسيط مع العثمانيين بقوله: "وفي الوقت الحاضر لا يوجد تحت حكمه جزء من الممالك السنية ولا يتدخل في المطلوبات الأميرية ولا في غيرها وهو مقيم في أملاك أجداده وفي وطنه، أن رفاقه الذين كانوا معه أصبحوا مغلوبين على أمرهم ومشتتين، والأملاك التي كانت تحت تصرفهم صودرت من الدولة". 
عام 1842 حاول القنصل البريطاني التوسط للصلح ولكن غومة المحمودي رفض، وبعد ثلاثة أشهر جرى منحه الأمان وعقد الاتفاق، وغادر الشيخ مع الوفد إلى طرابلس حيث التقى الوالي محمد أمين باشا وبعد الترحيب الرسمي حدث الغدر المعتاد من الأتراك وقبض عليه وأرسل إلى المنفى في طرابزون، وظل ثلاثة عشر عاما من 1843 إلى 1854، فيما استمرت المعارك في غيابه.
 
المجاعات
بعد اندلاع حرب القرم بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية عام 1853، استغل الشيخ غومة الفوضى التي ضربت السلطنة وهرب من منفاه في طرابزون إلى طرابلس، على أمل أن يتواصل مع رجاله في الجبل الغربي لقيادة الثورة من جديد. 
 
حاول الشيخ غومة أن يتواصل مع السلطان عبد المجيد الأول، مطالبا بتعيين حاكم عربي في ليبيا بدلا من الأتراك ناهبي الأموال والأقوات، وتعتبر رسالته إلى السلطان وثيقة تاريخية تلخص الأوضاع تحت الاحتلال العثماني، وتفسر الأسباب التي أدت إلى إصرار المحاميد على الثورة مدة تزيد على ربع قرن.
 
تثبت الرسالة سوء الإدارة العثمانية في ليبيا، حيث كان الحكم موزعا في إيالة طرابلس بين الوالي ونائبه (الكخيا) وقائد الجيش والجنود وبالتالي قسمت البلاد إلى أقسام إدارية يديرها الأتراك فقط دون أصحابها الأصليين.
 
تتضح الأسباب الاقتصادية لثورة الشيخ غومة في الرسالة، حيث أشار إلى الإهمال العثماني للزراعة في الأراضي الخصبة ما أدى إلى تعرض ليبيا لمجاعات عنيفة، وهروب الفلاحين من أراضيهم بسبب مضاعفة الضريبة، ولجوء عشرات الآلاف إلى مصر وتونس والجزائر والسودان وتشاد، ولم يبق سوى 30% فقط من سكان البلاد. 
 
لم تكن الأوضاع الصحية أحسن حالا تحت الاحتلال، حيث عانى الليبيون من سوء التغذية والأمراض الوبائية، وضاعف الجوع والبرد من مصائبهم، وكان النفي جزاء كل من يجهر بكلمة حق، وصادر العثمانيون مصادر رزق الناس وعم الغلاء.
 
قال الشيخ غومة في رسالته :"كلما صار تبديل والي من الولاة رجونا أن يكون أعدل من سلفه، فيكون أشد ظلما، وكلهم يجورون. ونحن صابرون مرتقبون لعل الولاة يصير منهم للناس حسن التفات، وهم لا يصدر منهم إلا أعنف المعاملات، يرتكبون في ذلك الإثم العظيم المخالف لأمر الله تعالى".
 
الشيخ غومة أشار في رسالته إلى أمر بالغ الخطورة، حيث أكد أن العثمانيين يهدمون المساجد مثلما فعلوا في بلدة ككلة، وفرضوا المذهب الحنفي على سكان الجبل الغربي بالإكراه، فيقول: "الشرع الشريف أهملوه وشرائع الدين الحنيف غيروه ومذهبنا مذهب إمام دار الهجرة حضرة الإمام مالك أبطلوه، والجوامع والمدارس خربت أو قربت من الخراب، ولا يصرفون إيراد الوقف في واجباته، فالقضاة يبيعون الوظائف الشرعية لمشتريها".
 
الثورة مجددا
ما كتبه المحمودي لم يجد آذانا صاغية عند السلطان وأثبت أن ما يحدث بأمره وتحت ناظريه، فلجأ غومة إلى الثورة من جديد وعلى نطاق أبعد مئات الكيلومترات من قضاء يفرن، وأدى سوء الأحوال وقلة العتاد والجوع والأمراض جميعا بالشيخ إلى الاتجاه صوب الحدود التونسية حيث وجد في مطماطه ملاذا آمنا.
لم ينج الشيخ غومة من الضغوط العثمانية في تونس فذهب إلى الجزائر التي سقطت في يد الفرنسيين بتخاذل تركي، فيما اشترط الجنرال ديفو لاستقباله إلقاء السلاح فرفض وآثر العودة إلى ليبيا بمن معه من الرجال. 
 
الغدر بالشيخ
سافر الجميع من مدينة سوف الجزائرية 13 يوما منها سبعة أيام متوالية دون ماء، ووصلت تقارير الجواسيس إلى الوالي التركي تصف الحالة السيئة التي عليها الشيخ فانطلقت قوة لملاحقته، وما إن اقتربت من المكان المعروف بخشم غومة بوادي اوال حتى بادر قائدها اللواء مصطفى صدقي بالإسراع في تطويق الثوار. 
 
قتل الشيخ غومة في المعركة بالرصاص في 26 مارس عام 1858، ومثل بجثمانه عن طريق قطع رأسه، وأمر والي طرابلس بأن يطاف به في شبكة على جمل في ضواحي المدينة، قبل أن ينجح بعض الثوار بعد يومين من المعركة في دفنه بطريقة لائقة.
 
لا يزال الشعب الليبي يحفظ سيرة الشيخ غومة في الأمثال والأشعار والأغاني الشعبية، بوصفه تعبيرا عن النضال الليبي لكل المحتلين الذين وفدوا على البلاد.

المصادر :


Qatalah