يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الفساد وحب الأضواء والشهرة والبعد عن التحزب، صفات أهلته لمنصب نائب رجب إردوغان، إبان التحول التاريخي من النظام النيابي إلى الرئاسي بموجب التعديلات الدستورية أبريل 2017، فضلا عن دوره في الإشراف على تصفية الجهاز الإداري من الموظفين غير المرغوبين بدعوى التورط في مسرحية الانقلاب.

فؤاد أقطاي بات بين ليلة وضحاها الرجل الثاني في تركيا يوليو الماضي، بعد مسيرة طويلة ومستمرة من التزلف إلى إردوغان وافتدائه بالغالي والنفيس، ساعده في ذلك عدم ارتباطه المباشر بحزب العدالة والتنمية لضمان خلو الساحة أمام السلطان من أية منافسة، فضلا عن دوره البارز في دعم الإرهابيين في سورية.




ظل إردوغان
إردوغان كافأه بمنصب نائب الرئيس على دوره في العمل السري لحكومة "العدالة والتنمية" على مدار عقدين، ومنذ مسرحية انقلاب يوليو 2016 أشرف الرجل بحكم منصبه كوكيل رئيس الوزراء على عملية الملاحقات الواسعة داخل مؤسسات الحكومة لكل معارضي رجب بدعوى الانتماء إلى حركة "الخدمة" التابعة للداعية المعارض فتح الله جولن.

الكاتب التركي عبدالله بوزكورت كشف في مقالة بصحيفة "تركيش منيت" سبتمبر 2018 أن أقطاي أطاح بالموظفين غير المرغوبين من إردوغان وتصعيد عناصر موالية للحزب الحاكم بدلا منهم، وقرر الرجل إقالة 18 ألف موظف في مختلف مؤسسات الحكومة، حسب وكالة الأنباء الفرنسية.

نجاح أقطاي في تنفيذ المهمة القذرة في خراب بيوت آلاف الأسر قربه خطوات كثيرة من إردوغان، كما يقول الكاتب بوزكورت، وتحول بين ليلة وضحاها إلى أحد أكثر موظفي الحكومة الموثوقين لديه، فأوكل إليه الإشراف على تحول النظام من النيابي الديمقراطي إلى الرئاسي الشمولي.

مذبحة القضاء 
صحيفة "سول بارتي" اعتبرته "مهندس إخضاع مؤسسة القضاء لأقدام الحزب الحاكم"، في نوفمبر الماضي أعلن عن تصفية أكثر من 4 آلاف قاضٍ ومدعٍ عام بحجة انتمائهم لحركة "الخدمة"، وقال في حفل تعيين دفعة جديدة من وكلاء النيابة والقضاة :"نولي أهمية كبرى لاستقلال القضاء، وعلينا أن ننظف المؤسسة من أتباع جولن بأقصى سرعة، لقد تخلصنا من نحو 4 آلاف قاضٍ ومدعٍ عام".

أقطاي حدد شرط الدخول إلى السلك القضائي في ظل هيمنة إردوغان وحزبه وهو تزكية "العدالة والتنمية"، ويقول الرئيس السابق لنقابة القضاة مصطفى كاراداغ :"من الآن فصاعدا يتعين على القضاة إحضار توصيات من الحزب الحاكم حتى يتم تعيينهم، الذين لن يحصلوا على تلك التوصيات لن يكون بإمكانهم حتى الترشح لاختبارات المنصب"، حسب صحيفة "سول بارتي".

غطاء الإرهاب
أقطاي يعد خزانة أسرار إردوغان، أشرف على مهمة جهاز الاستخبارات الوطني لنقل الأسلحة والأموال إلى الجماعات الإرهابية في سورية تحت غطاء محاربة الأكراد، وتولى بشكل مباشر مهمة توفير الدعم اللوجستي لأذرع إردوغان الإرهابية في الشمال السوري.

الكاتب أوزكورت يقول: أقطاي قدم خدمات لا تقدر بثمن لطموح إردوغان في ابتلاع الشمال السوري عبر الوكلاء الإرهابيين، وخلال رئاسته لإدارة الكوارث والطوارئ الحكومية وفر أغطية عديدة للدعم التركي للإرهاب عبر الشبكات المحلية والمدنية لإدارته، وكان يشحن الإرهابيين والسلاح تحت غطاء المساعدات الإنسانية والعمل الخيري إلى سورية.

الرجل سخر شاحنات غير حكومية لنقل الأسلحة والإرهابيين إلى سورية تحت غطاء "المساعدات الإنسانية التركية"، وتبين لاحقا أن تلك الشاحنات مملوكة لرجال أعمال موالين لإردوغان وحزبه مثل غالب أوزتورك، وكانت شاحنات شركته "مترو" تنقل السلاح إلى الإرهابيين عبر منفذ أضنة.

نصاب محترف
تعيينه نائبا لإردوغان لم يأت اعتباطا بل لتوفر العديد من المؤهلات، أهمها فساده وشغفه بالسلطة، اكتسبهما من العمل في عدة شركات مثل "تورك تليكوم للاتصالات" و"يمباش"، وتورطت الأخيرة في وقائع نصب شهيرة، وخدعت مئات الأتراك في أوروبا خلال التسعينيات من بوابة القروض الإسلامية.

أقطاي حاول إخفاء دوره في الشركة المشبوهة، بعد أن كان رئيسا لمجلس إدارتها بين عامي 2001 و2003، ويعتقد الكاتب عبدالله بوزكورت أن الشركة مولت حزب العدالة والتنمية عام 2001 بغطاء تمويل المشروعات التجارية، وخصصت أجزاء من تلك الأموال لدعم إردوغان ومخططه.


نهب الأتراك
دفاع أحد ضحايا الشركة المنحرفة "يمباش" قال إنها منذ عام 1990 حتى 2002 استولت على ملايين الماركات الألمانية من أتراك المهجر بدعوى استثمارها في مشروعات مربحة، ووعدت عملاءها آنذاك بإعادة أموالهم وقتما أرادوا.

الشركة ماطلت في إعادة أموال المستثمرين، وما زالت الدعوى سارية حتى اليوم، فيما ينتظر آلاف الضحايا استعادة أموالهم المقدرة بنحو 5 مليارات دولار، نهبها أقطاي عندما كان رئيسا للشركة، ورغم ذلك لم يوجه إليه أي اتهام من قريب أو بعيد.

فضيحة "ترك تليكوم"
وكالة "أودا تي في" التركية فضحت فساد أقطاي خلال فترة إدارته لشركة "ترك تليكوم" عام 2013، واتهمته بسرقة الأتراك، وأوردت عدة تساؤلات للكاتب التركي نجاتي دوغرو ديسمبر 2018 حول إفلاس وبيع الشركة، مخاطبة أقطاي بقوله: "نشرنا أكثر من 10 مقالات للتحذير، لقد سرقت شركاتنا الوطنية، هذا مال مسروق يعود إلى إيداعات الأتراك والحكومة في البنوك".

صحيفة "أحوال" كشفت أن أعضاء مجلس إدارة "ترك تليكوم" ومن بينهم أقطاي اختلسوا مبالغ كبيرة بعرض كابلات الشركة النحاسية للبيع بشكل غير قانوني، خلال تلك الفترة عمدت الإدارة إلى إحلال الكابلات الفايبر الرخيصة محل الكابلات النحاسية، وباعت أطنانا منها بطرق غير شرعية في صفقة بلغت نحو 10 ملايين دولار، فضلا عن التلاعب بعملية بيع الشركة وتكبيدها خسائر بنحو 1.5 مليار ليرة.

سيرة أقطاي البالغ 55 عاما بدأت مع تخرجه في جامعة جوقور أوفا عام 1985، حصل على الدكتوراة في هندسة التصنيع وإدارة الأعمال من جامعة وين ستيت الأمريكية، وتخصص في مجال صناعة السيارات والطيران، وانخرط في عدة شركات تركية، قبل أن يرتبط بالحزب الحاكم برئاسة إدارة الكوارث والطوارئ الحكومية بين عامي 2012 و2016.

Qatalah