يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يعد كتاب "المذابح في أرمينيا" لمؤلفه السوري فائز الغصين (1883 - 1968) باكورة الأعمال التي وثقت إبادة الأرمن على يد العثمانيين عامي 1915 و1916.
تعلم الغصين بدمشق ثم التحلق بمدرسة العشائر في إسطنبول، وعاد إلى سورية فجرى تعيينه قائم مقام وافتتح مكتبا للمحاماة. عند اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 أصدرت حكومة الاتحاد والترقي عليه حكما بالإعدام شأن الشهداء العرب في سورية ولبنان، بيد أنه نجح في الهروب إلى بومباي بالهند، وأثناء رحلة الهروب لاسيما في ولاية ديار بكر، شاهد بنفسه مذابح الأرمن فدونها أولا بأول وطبعها في كتاب صدرت الطبعة الأولى بالقاهرة يناير 1917.



البيان الخفي للقتل

تضمن كتاب "المذابح في أرمينيا" تفاصيل شبه يومية عن جرائم موغلة في الوحشية طالت الأطفال والنساء والعجائز، حيث عاين المؤلف الترحيل الإجباري للأرمن ثم إعدامهم في معسكرات اعتقال بصورة جماعية واغتصاب النساء وسبي الأطفال.
يقر الغصين أن المذابح ضد الأرمن سياسة رسمية منذ عهد السلطان عبدالحميد الثاني (1876-1909)، وأورد نص بيان حكومة الاتحاد والترقي بشأن الأرمن "قررت الحكومة جمع الأرمن وترحيلهم إلى ولايتي الموصل وسورية ولواء دير الزور"، لكن الغصين يشهد أن إسطنبول أصدرت "البيان الخفي" الذي تمثل في تشكيل ميليشيات خاصة لمعاونة أفراد الشرطة على قتل الأرمن.
فند الغصين الحجج التي روجتها جماعة الاتحاد والترقي لقتل الأرمن، وطبقا للنص: سألت المسؤولين الأتراك بولاية فان الموجودين بديار بكر هل قتل الأرمن أحدا من المسلمين في مدينة فان؟، فقالوا كلا، بل إن الحكومة أمرت أهل المدينة أن يفارقوها قبل وصول القوات الروسية إليها وقبل أن يقتل أي شخص.
يضيف الكاتب: في ديار بكر لم يحدث من الأرمن قتل أو إخلال بأمن يخول للسلطات معاملتهم الجائرة الفظيعة، وفي إسطنبول والولايات الأرمنية الست لم يرتكبوا شيئا مخالفا للقوانين، أما المقاومة في زيتون والرها فقد جرت بقصد الدفاع عن النفس.



عقدة النقص التركية

من واقع شهادته، يرى الغصين أن كراهية الأتراك للأرمن ترجع إلى التفوق الحضاري والثقافي للأرمن: لما رأى الاتحاديون أنهم ضعفاء في العلم لا يفقهون من السياسة شيئا ولا إدارة البلاد، لا يدركون معنى الحرية والإدارة الدستورية، آثروا العودة إلى ما كان عليه أجدادهم الأتراك من خراب البلاد وإهلاك العباد دون ذنب.
رسم الغصين ملامح خطة إبادة الأرمن على يد القوات التركية: جمعت الميليشيات الرجال والنساء وأرسلتهم مع كتائب من الجند، قتلت كثيرا من رجالهم أما النساء فلا تسأل عما جرى بهن فإن الأعراض أصبحت مباحة للجند العثماني، والأطفال ماتت من الجوع والعطش، ولم يصل من الرجال والنساء إلى سورية إلا كل أعرج أو أعمى لا يقدر على الحياة، وأما الشبان فقد قتلوا جميعا والنساء الجميلات صرن سبايا للأتراك.
في حماة رأى الغصين "نساء ورجالا من الأرمن يصارعون الموت جوعا وعطشا، إذ إن الجنود كانوا يسيرون بهم ولا يدلونهم على مكان الماء حتى يأخذوا منهم دراهم ثمن الماء"، وكانت النساء يمشين حافيات الأقدام يحوطهن أفراد الشرطة، وكلما تخلفت واحدة منهن يلكمها الجندي ببندقيته فيرميها على وجهها، فتقوم مرعوبة وتلحق برفيقاتها وأما من تخلفت منهن بسبب المرض فيقتلها رميا بالرصاص ويتركها في البرية طعاما للوحوش.



فرق للقتل في حظائر الحيوانات

سجل الغصين أشكال القتل بمرارة بالغة: كان الأتراك في ولاية بتليس يجمعون الأرمن في المتابن (حظائر أعلاف الحيوانات) ويضعون التبن في أبوابها ويضرمون النار بها فيموت الرهائن الأرمن من الدخان، أما في (موش) فقد قتلوهم رميا بالرصاص وطعنا بالسكاكين، وكانت الحكومة في ولاية سيواس استأجرت قصابين (جزارين) بأجرة يومية لذبحهم، وكان أفراد الدرك يفرقون كل عشرة على حدة ويرسلون واحدا بعد الآخر إلى القصابين الذين كانوا يذبحونهم ذبح الغنم، وكان أفراد الفرق المتطوعة يربطون الضحايا رجالا ونساء ويلقونهم من محلات عالية إلى الأسفل فلا يصلون إلا جثثا هامدة محطمة، وفي ديار بكر كانوا يقتلونهم رميا بالرصاص وبواسطة القصابين، وتارة يرمون بكثير منهم في الآبار والمغاور ويسدون أبوابها فيموتون جوعا واختناقا.
يذكر فائز رواية مفزعة عن التهجير من ديار بكر: كلما صدر قرار بتهجير قرية أو مدينة أرمنية يأتي المأمور ويحصي عدد أفرادها ويسلمها لقائد المليس (الشرطة) أو أحد ضباط الدرك، فيوضع أفراد يخفرون المنازل وسكانها تلك الليلة حتى الساعة الثامنة مساء، ويراد بذلك إخبار العائلات البائسة أنها ستلقى حتفها الليلة، وأنه يجب عليها أن تتهيأ للقاء ربها وتفكر فيما سيؤول إليه أمرها، فتبدأ النساء بالصراخ والعويل وتظهر آثار الحزن والقنوط على وجوه الرجال فيموتون قبل أن يأتيهم الموت، أما الأطفال الصغار فيأخذهم الرعب من بكاء آبائهم، فيجلسون إذلاء واجمين جاهلين أسباب البكاء والعويل، غير أنهم سيكونون تحت التراب بعد ساعات تاركين الحياة الفانية قبل أن يذوقوا من لذائذها شيئاً فيعدوها سعادة ويأسفوا على فراقها.
بعد الساعة الثامنة تأتي عجلات تحمل العائلات لمحل قريب فيقتلون رميا بالرصاص أو يذبحون كذبح الغنم بالسكاكين والخناجر والفؤوس، وبعد المذبحة يبدأ الجنود بسلب ممتلكات القتلى من دراهم وملابس وينهبون المال ويبيعونالثياب ويأخذون أثمانها غنيمة.

عندما شرعت حكومة إسطنبول في الإبادة الجماعية في ديار بكر اعتنقت بعض نساء الأرمن الإسلام وتزوجن برجال أتراك أو أكراد من نفس الولاية، وبعد مدة وجيزة جمعتهن الحكومة بغرض قتلهن، ورغم اعتراض مفتي ديار بكر من منطلق أنهن صرن مسلمات، فإن الوالي قال: إنهن أفاعي يلدغننا في المستقبل والسياسة ليس لها دين، فلا تعارضنا، ثم أرسلهن إلى ساحات القتل.
وفق الغصين، اتسمت المواقف العربية بالإيجابية، فقد رأى في القرى التي يسكنها العرب جماعات من الأرمن يحسن السكان إليهم، مع أن الحكومة وجهت بيانا إلى سكان المدن العربية يأمرهم بقتل الأرمن وتوعدت من يخالف الأوامر.



الجنود العثمانلية.. لصوص

رافق القتل عمليات سلب ونهب واسعة النطاق لبيوت وممتلكات الضحايا، يصفها الغصين بقوله: راح الجنود يجمعون أثاث منازلهم والأقمشة والأمتعة والآلات وجميع الأشياء ووضعت في كنائسهم، ونظمت الحكومة لجانا لبيع المتاع بأبخس الأثمان كما تركات الموتى، إلا أن تركات الموتى تباع وتسلم أثمانها للورثة وهذه تباع وتسلم أثمانها لخزانة الدولة التركية، أما الحُلي والنقود فإنها جمعت على يد رشدي بك قائد الدرك والوالي رشيد بك فأخذها الوالي عندما ذهب إلى إسطنبول ليسلمها بيده لطلعت باشا.
لم يكتف الجنود الأتراك بأهوال التهجير والقتل، بل فرضوا على الضحايا دفع فدية وإتاوة 10 ليرات عن كل فرد ليسمحوا لهم بالعبور من قرية إلى أخرى، ويذكر صاحب الشهادة أن قائد الدرك ورئيس الشرطة بسيورك هددوا الأرمن المهجرين بالقتل إذا امتنعوا عن دفع الفدية ونتيجة عمليات النهب المستمرة عجز الكثير منهم عن الدفع، فكان الجنود يخطفون بناتهم ويهتكون أعراضهن أمام عائلاتهن.

Qatalah