يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


استطاع العثمانيون زرع أقلية مسلمة في البوسنة، وسط شعوب البلقان المسيحيين، باستمالة مجموعة من السلاف المنفصلين مذهبيا عن الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية إلى الإسلام، لاستغلالها كنقطة ارتكاز للهجوم على الدول الأوروبية.
أجبر العثمانيون مسلمي البوسنة الجدد على تقديم دمائهم قربانا لسياساتهم التوسعية في أوروبا، ومع ضعف الدولة في مطلع القرن العشرين وبدء الصراع على تركة "الرجل المريض" تملص الأتراك من جرائمهم، وتركوا مسلمي البوسنة وحدهم ضد التيار.

في قبضة الترك
احتل العثمانيون البوسنة بعد سقوط الدولة البيزنطية عام 1481، واستغلوا الخلافات المذهبية بين السلاف في البوسنة وبقية السلاف في منطقة البلقان، حيث كانت لهم كنيسة خاصة مستقلة عن الكنيستين الكاثوليكية والأرذوكسية.
فضلت الدولة العثمانية الكنيسة الأرثوذكسية على الكاثوليكية في البلقان، وشجعت الكاثوليك على التحول إلى الأرثوذكسية لخدمة مصالحها السياسية، حيث كانت الكنيسة الكاثوليكية رأس الحربة في التوسع العثماني داخل أوروبا، فضلا عن خضوع التسلسل الهرمي الأرثوذكسي للسلطان العثماني.
تقع البوسنة على شاطئ البحر الأدرياتيكي الفاصل بين الولايات العثمانية وإيطاليا، وكانت الأخيرة في تلك الحقبة رأس حربة أوروبا في الصراع المسيحي مع الأتراك، عمل العثمانيون على تحويل البوسنة إلى خط دفاع أول، وسعوا إلى إحداث تغييرات في تركيبتها السكانية.
يقول سامي المغلوث في كتابه "أطلس الفرق والمذاهب في التاريخ الإسلامي" إن تأثير القرون الأربعة من حكم العثمانيين كان بالغ الأثر على تركيبة سكان البوسنة التي تغيرت مرات عدة، وصارت الطائفة المسلمة ذات الأصول السلافية بالنهاية من أكبر الطوائف العرقية والدينية.

استغلال البوسنة
دخلت الأرستقراطية البوسنية الإسلام للحفاظ على امتيازاتها، ونجحوا في نشر الدين الإسلامي بين سكان البوسنة بتشجيع من العثمانيين.
منذ بداية احتلال البوسنة، جند آل عثمان 30 ألفا من شباب الدولة للخدمة العسكرية، وأرسلوهم للقتال ضد بقية الشعب السلافي في البلقان، وعلى مدار عقود استغلت تركيا البوسنيين في تنفيذ سياستها الهمجية، حسب كتاب محمد فريد "تاريخ الدولة العلية".
احتلت البوسنة مكانة استراتيجية كبرى عند العثمانيين، وحظي مسلموها بامتيازات عدة مقابل التضحيات التي بذلوها لخدمة التوسعات التركية، ومشاركتهم في عمليات القمع العثمانية ضد شعوب البلقان المسيحيين.
في المقابل، عانى مسيحيو البوسنة من الظلم والاضطهاد في ظل الوجود العثماني، وقاموا بثورات عديدة ضدهم، كان أهمها ثورة 1877 التي امتدت إلى البلغار احتجاجا على زيادة الضرائب، وتعسف ملاك الأراضي المسلمين.
ساد التمايز الاجتماعي حسب الانتماء الطبقي والديني في البوسنة، حسب كتاب سامي المغلوث، وأدى الجنود البوسنيون دورا كبيرا في العسكرية العثمانية، وكان لهم دور بارز في معركة موهاج ضد المجر ومعركة كربافا ضد الكروات.
وتقول نادية مصطفى في كتابها "العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية"، إن العثمانيين أغدقوا على مسلمي البوسنة وقلدوهم أرفع المناصب، بفضل دورهم في "الجهاد" ضد الأوروبيين في النمسا والبندقية.

دماء البوسنة
ارتكب العثمانيون جريمة كبرى بحق الإسلام والمسلمين في البوسنة بسبب ممارساتهم القمعية والبربرية بحق شعوب البلقان المسيحيين، وساهموا في بلورة هوية أوروبية واحدة ضد الخطر العسكري العثماني، وتكريس صورة مشوهة عن المسلمين.
دفع المسلمون من كل الأعراق ثمن البطش التركي بالشعوب، فكلما قامت ثورة في البلقان ضد الأتراك كان المهاجمون لا يفرقون بين المسلمين السلاف والمسلمين الأتراك، ولما تفجرت ثورات البلغار نفذت الجماعات المتطرفة مذابح بحق المسلمين بفضل ممارسات آل عثمان التي شوهت صورة المسلمين.
تحولت البوسنة بمرور الوقت إلى هدف أوروبي، ونجحت النمسا في احتلالها وتدمير عاصمتها سراييفو عام 1697، عقابا لسكانها المسلمين على مساعدة الأتراك، حسب كتاب نادية مصطفى.
اندلعت الحرب البلقانية بين عامي 1911 و 1913، بين التحالف البلقاني المسيحي الذي ضم كلا من اليونان ورومانيا والجبل الأسود وبلغاريا والصرب، في مواجهة الدولة العثمانية ووجودها في المنطقة.
دفع المسلمون في هذه الحرب ثمن البطش التركي بشعوب البلقان، وتعرضوا للتهجير حتى وصل عدد المهجرين إلى تركيا بحلول عام 1923 إلى مليون ونصف المليون من شعوب البوسنة والألبان وغيرهم.
ظهر إرث الكراهية الذي زرعه الأتراك ضد المسلمين خلال أزمة البلقان عام 1992، وحروب جمهوريات الاتحاد اليوغوسلافي حول البوسنة، وشنت الميليشيات الصربية هجوما عنيفا ضد المسلمين، وارتكبت بحقهم أبشع المجازر مدفوعة بالصورة التي كرسها عنهم العثمانيون.


يشير نور الدين محمد في بحثه المعنون بـ "تركيا في البلقان" إلى حديث بين 3 أساتذة من الصرب في ذروة حصار سراييفو عام 1992، حيث اعتبروا أن ما يفعله الصرب هو "انتقام من موقعة قوصوه عام 1389 وتحرير أوروبا من الأتراك". 
ذهب وزير الإعلام الصربي "إيفيتسا داتشيتش" مذهب الأساتذة الثلاثة حين وصف الصرب بأنهم "المحاربون الصليبيون الذين يحمون أوروبا من الإسلام والعالم من المؤامرة الإسلامية"، فيما رأى رئيس الصرب "سلوبودان ميلوشيفيتش" أن ما يقوم به شعبه "ضربة استباقية ضد تشكل قوة مسلمة تعيد صناعة التاريخ المأساوي العثماني في البلقان".

خيانة تركية
قابل الأتراك وفاء البوسنة للدولة العثمانية بالغدر، وتخلوا عن سراييفو لصالح النمسا عام 1878 بعد هزيمتهم أمام الروس، ومنذ ذلك التاريخ بدأت البوسنة وحدها في تسديد فاتورة الجرائم العثمانية.
تنازلت تركيا مجددا عن البوسنة مقابل مبلغ مالي من النمسا عام 1908، ولم تعاود الاهتمام بملف البوسنة والبلقان حتى عام 1990، مع صعود العثمانيين الجدد بزعامة إردوغان وحزب العدالة والتنمية.
لم تختلف استراتيجية إردوغان عن استراتيجية أسلافه من نشر التعصب المذهبي واللعب على التناقضات البلقانية، دون أن يعبأ بخطورة تفجر البلقان مرة أخرى. ويقول نور الدين محمد إن تركيا منذ عام 1990 وحتى اليوم تلجأ إلى سياسة المحاور والأحلاف، انطلاقا من خصوماتها التاريخية والجغرافية مع اليونان وخصوماتها الدينية مع العالم الأرثوذكسي.
نشطت الديبلوماسية التركية خلال الأعوام الأخيرة لإقامة علاقات مع الدول المعادية للكتلة السلافية الأرثوذكسية، ومع الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل كرواتيا وسلوفينيا والبوسنة والهرسك وألبانيا ومقدونيا ورومانيا، وحاولت أيضا اللعب على الخلافات البلغارية اليونانية حول مقدونيا للتقارب مع بلغاريا، حسب دراسة نور الدين محمد.

Qatalah