يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


سهل وجود رجب إردوغان وحزبه على رأس السلطة، منذ 17 عاما، عملية نهب عائلته لأموال الشعب التركي، وتكوين ثروات طائلة، عبر صفقات تجارية مشبوهة، في حماية أجهزة حكومة العدالة والتنمية.

وسط منظومة الفساد التي تحكم تركيا، برز نجل الرئيس التركي، بلال إردوغان، وجد الابن المدلل طريقه إلى الفساد مفروشا بالورود، عبر وقف مؤسسة "تورجاف"، الذي يزعم تقديمه أعمالا خيرية، وتعليم الشباب في إسطنبول وتطوير قدراتهم، تأسس في عام 1996 بعد انتخاب إردوغان رئيسا لبلدية إسطنبول، وكان وقتها يعرف باسم مؤسسة إسطنبول لخدمة الشباب والتعليم "إسجاف" ثم تحول إلى تورجاف، في أغسطس عام 2012.

تمدد الوقف سريعا، وأصبح يمتلك21 مسكنا طلابيا، و3 دور ضيافة، و160 مليون ليرة في حسابه البنكي، ليبدأ مشروعاته الاستثمارية في الجامعات ورياض الأطفال، لتخريج جيل من الأتراك، يدين بالولاء لإردوغان، وأفكار حزب العدالة والتنمية.

حول بلال البالغ من العمر 37 عاما، وقف "تورجاف" إلى غطاء لإخفاء صفقاته غير المشروعة، وإدارة عملياته في غسيل الأموال، وحصل على مساحات كبيرة من أراضي الدولة، لصالح رجال أعمال أتراك، مقابل عطايا ومكافآت سخية.

تاريخ من النهب
يدير بلال هذه الجمعية منذ 2012، ويضم مجلس الإدارة كلا من سمية إردوغان وسرهات آلبيراق، الأخ الأكبر لصهره بيرات آلبيراق، وزير المالية، وحماته ريحان أوزنير، وصهره الآخر ضياء إيلجين، وشقيقة زوجته شعلة آلبيراق، حسب صحيفة " سوزجو".

كما تشغل إسراء أخت بلال وزوجة بيرات آلبيراق، منصب عضو مجلس إدارة في مؤسسة تورجاف.

بدأت الجمعية أولى نشاطاتها في عهد بلال إردوغان، بافتتاح المساكن الطلابية عام 2012، تحت اسم "مأوى خيرية وجمال جولباران الطلابي" حاملا اسم أبوي أمينة إردوغان زوجة الرئيس التركي.
كما افتتحت الجمعية مدارس وحضانات باسم "مؤسسات باليت التعليمية"، يدرس بها 3 آلاف و691 طالبا، وتتولى إدارتها حماة بلال إردوغان ريان أوزونير.

تخصيص أراضٍ
كشفت التحقيقات في قضايا فساد تتعلق بجمعية تورجاف،  عن استيلاء بلال إردوغان على أموال عامة دون وجه حق،  بمساعدة العديد من رجال النظام الحاكم، على رأسهم الأمين العام لإدارة الأوقاف، الذي خصص له أراضي منتقاة وأبنية أثرية لمدة 49 عاما دون مقابل، فيما خصص أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية الذي يتولى رئاسة إحدى بلديات مقاطعة فاتح، مسكن الطلاب المقام بأموال الدولة بشكل كامل، لمدة 25 عاما دون مقابل، وخصصت المديرية العامة للأملاك القومية 9 أفدنة و800 متر مربع إلى الوقف لمدة 30 عاما.

وأكدت الصحف التركية المعارضة أن مؤسسة تورجاف، التي من نشاطاتها بناء أقسام داخلية للطلاب، حققت أرباحا غير مشروعة من صفقات عقارية مشبوهة، بتواطؤ سلطات محلية ورجال أعمال، وكشفت دخول نجل الرئيس في شراكة مع إحدى الشركات المهتمة بتملك أراضي الدولة، تزيد قيمتها على مليار دولار.

فاحت رائحة فساد مؤسسة نجل الرئيس في 2013، عندما قرر نائب في البرلمان التركي توجيه استجواب مباشر لإردوغان، والذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء وقتها، حول دوره في فساد شركات ابنه، وقدم النائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض أوموت أوران، استجواباً مكتوباً في البرلمان عن توسط إردوغان وابنه الأكبر في نقل أراض مملوكة للدولة لصالح المؤسسة التركية لخدمة الشباب والتربية "تورجاف" مجانا أو بأسعار منخفضة كثيرا عن سعرها الحقيقي، مشيراً إلى أن بلال هو عضو المجلس التنفيذي لهذه المؤسسة غير الرسمية.

واستفسر أوران، وفق ما ذكرته صحيفة توداي زمان، عن توسط رجب أو ابنه في نقل قطعة أرض بأحد أحياء إسطنبول إلى مؤسسته الخيرية، في الوقت الذي كانت فيه وزارة التربية والتعليم تطلب هذه الأرض لإقامة مدرسة، وفي سؤال برلماني آخر، طالب نائب حزب الشعب الجمهوري بمعرفة ما إذا كان إردوغان قد أعطى تعليمات بتلقي "تورجاف" معاملة مميزة من المؤسسات الحكومية.

ورغم الاتهامات والاستجوابات التي وجهت لبلال وأبيه في 2013، لم تتوقف حكومة العدالة والتنمية عن مجاملة الابن وجمعيته، حيث كشفت صحيفة صول خبر النقاب عن تخصيص الحكومة مساحات شاسعة من الأراضي، وعدد من العقارات، للمؤسسة الخيرية المزعومة، بحجة دعم نشاطاتها.

وفي عام 2017 خصصت حكومة العدالة والتنمية أراضي بقيمة 600 مليون ليرة لمدة 30 عاما قابلة للتجديد، لجمعية بلال إردوغان، لبناء جامعة باسم "ابن خلدون".

وفي عام 2018 خصصت لها بلدية إسطنبول 41.1 مليون ليرة، بهدف استخدامها في الخدمات العامة، بالإضافة إلى ذلك أجرت البلدية 4 مبان للمؤسسة، في أحياء فاتح وشيشلي وأفجيلار ومجيدية كوي، لمدة 4 أعوام، إيجارها المستحق طوال فترة السنوات الأربع 8 ملايين ليرة، لكن "تورجاف" دفعت 6 ملايين ليرة فقط، دون تسديد باقي المبلغ.

في ولاية ديار بكر، كشف العضو بحزب الشعوب الديمقراطي، نجاتي برينتشي أوغلو، أن الأمناء ببلدية كايبينار، خصصوا عقارات تقدر بمئات الملايين، لمؤسسة بلال إردوغان، بحسب ما ذكرته صحيفة صول خبر، في فبراير الماضي.

برينتشي قال إن الأوصياء الذين عينتهم الحكومة على البلدية، بعد الإطاحة برؤسائها المنتخبين، نقلوا ملكية 13 دارا ومجمعا رياضيا، أنشئوا لخدمة الطلاب ذوي الوضع الاقتصادي المنخفض، لمؤسسة نجل  الرئيس، بالإضافة إلى ذلك أجرت له البلدية منتزه "أكين جاران" لمدة 25 عاما، وقامت بتجديد بناء تابع لـ"تورجاف" بمبلغ 2.5 مليون ليرة.

غسيل أموال
اسم نجم الدين بلال إردوغان، الابن الرابع للرئيس التركي، تردد كثيرا في العديد من قضايا الفساد، كان أشهرها على الإطلاق، في 2013، بحسب ما نشرته وكالة "جيهان" المعارضة، وذلك على خلفية تورط جمعيته تورجاف في غسل الأموال الإيرانية.

موقع "بيك نت" القريب من حزب توده الإيراني المعارض،  نشر في 2014 معلومات حول عملية غسيل أموال ضخمة ، متورط بها رجال أعمال إيرانيون وأتراك، مؤكدة أن رضا ضراب، ورئيسه بابك زنجاني، وهو أحد رجال الأعمال الإيرانيين الذين فرضت عليهم القيود ضمن العقوبات الدولية على إيران، قاما بغسل أموال عبر رشوة مسؤولين أتراك، أبرزهم بلال إردوغان لصالح الحكومة الإيرانية، تبلغ 87 مليار يورو، أي ما يزيد على 100 مليار دولار، للالتفاف على العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على طهران.

وكشفت مكالمة فيديو نشرت في 17 ديسمبر 2013، إرسال رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، في يوليو من العام نفسه، مبلغا من المال لمؤسسة تركية، يديرها نجل إردوغان، في إطار أعمال غسيل الأموال الإيرانية في تركيا، بعد حصوله على رشوة مقابل هذه الأعمال.

تحدث رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كيليتشدار أوغلو، عن هذه الواقعة في اجتماعات حزبه، واتهم بلال بتلقي رشوة لتيسير هذه الأعمال، حسب صحيفة جمهورييت ، وعلى إثر ذلك رفع الابن المدلل دعوى قضائية ضده، وحكمت المحكمة في وقتها ضد كيليتشدار بدفع تعويض قدره  27 ألفا و500 ليرة، واعتبرت اتهامات زعيم الحزب المعارض مجرد اتهامات تخدم مصلحته الشخصية.

التسجيلات الصوتية التي ظهرت في نفس العام، وجمعت بين بلال إردوغان ووالده، الأمر الذي أحدث زلزالا في الشارع التركي، حيث تضمنت حوارا بينهما يسأل فيه إردوغان نجله: هل نجح في إخفاء مبلغ 30 مليون يورو ونقله إلى مكان آمن من عدمه؟.
وأوضحت سجلات رسمية لهيئة الاتصالات التركية الحكومية، وشركة متخصصة في القضايا الدولية ببريطانيا، صحة التسجيلات، وخرجت رئاسة الوزراء التركية في فبراير 2014 لتؤكد أن التسجيلات مفبركة، وبناء عليه تم إسدال الستار على القضية.

مؤسسة أنصار
قضية فساد أخرى تورط فيها نجل إردوغان مع جمعية أنصار، التي تديرها شقيقته إسراء، وفقا لما نشرته صحيفة جمهورييت، في فبراير الماضي، وأشارت إلى وجود صفقة مشبوهة، على خلفية إتمام المؤسستين شراء قصر يملكه المصارع الشهير محمد علي كلاي، بولاية ميتشيجان الأمريكية، على ضفاف نهر جوزيف، ويقع على مساحة 328 فدانا، مقابل 2 مليون و895 ألفا و37 دولارا.
 
وفي محاولة من عائلة الرئيس للتحايل على الضرائب، بعد تضخم ثرواتهم، بما يخالف الإقرار المقدم قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تم إحالة القصر إلى جمعية "توركان" التابعة لهيئة الأوقاف التركية، وهي مؤسسة شريكة لجمعية أنصار وتورجاف، وتتخذ من نيويورك مركزا لها، حسب صحيفة "جمهورييت".

مؤسسة أنصار تأسست عام 1979، لخدمة التعليم وتربية الشباب، تشغل إسراء ابنة إردوغان منصب عضو في مجلس إدارتها، بالإضافة إلى عضوية مجلس إدارة جمعية توركان.

تواطؤ حكومي
لا تتوقف عائلة إردوغان عن نهب الأموال الحرام، تحت ستار ما يسمى "الخدمة العامة"، بتواطؤ من حاشية الرئيس ورجاله في كافة مؤسسات الدولة.

بخلاف عمليات نقل الأراضي المملوكة للدولة لصالح مؤسسة الفتى المدلل، دعمت بلدية إسطنبول جمعيتي تورجاف والأنصار بـ 28.7 مليون ليرة، كما اعترفت في بيان لها عن نشاطات الجمعيات الأهلية والمؤسسات الخيرية بأنها استولت على العديد من الأوقاف التابعة للمعارض فتح الله جولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير مسرحية الانقلاب، ووضعتها تحت تصرف  بلال.

ويقول طارق باليالي، المتحدث الرسمي عن حزب الشعب الجمهوري فى البرلمان، إن تلك المؤسسات بالإضافة إلى كونها أدوات للحزب الحاكم، فإنها تعمل أيضًا على تنفيذ مشروعه لتربية جيل من الشباب، يتبنى الفكر الإسلامي المتطرف.

بلال تاريخ من الفساد
يمتلك بلال ثروات طائلة استغل اسم إردوغان ومنصبه لتكوينها، فرغم تأكيدات أبيه بأن نجله مجرد مستثمر صغير في مجال الأغذية، لكن نائب حزب الشعب الجمهوري باريش يارداش، كشف امتلاكه 15 مطعما، وليس 5 كما يدعي، ودخل في صفقات مع إحدى الشركات البرازيلية لاستيراد البن، فضلا عن معلومات تؤكد مسعاه لدخول مجال المعجنات، إضافة إلى امتلاكه شركة للأغذية وأخرى للتجميل.

استطاع الابن المعجزة أن يستحوذ على شركتين بقيمة مليون دولار، بمساعدة شخص يدعى مسعود بيكتاش، يعمل مديرا تنفيذيا في شركة زولو المملوكة له، والمفارقة أن بيمتاش هذا كان مسؤولا عن ميزانية النفقات السرية في حكومة رجب إردوغان.

وصفت صحف تركية معارضة نجل إردوغان بأنه "وزير نفط داعش" لدوره الكبير مع بيرات آلبيراق في تسهيل تهريب النفط الذي استولى عليه التنظيم المتطرف في سورية، وتسويقه والتربح منه، حتى تضخمت قيمة أصول شركته البحرية، التي يمتلكها بالشراكة مع عمه مصطفى إردوغان، وصهره ضياء إلجين، إلى 180مليون دولار، ونقل مقر الشركة إلى منطقة بيليربيي على مضيق البوسفور، ووصلت قيمة المقر الجديد لـ 150 مليون دولار.

لم تقتصر علاقات بلال مع داعش على الجانب الاقتصادي، بل امتدت للعب دور سياسي، خلال أزمة احتجاز التنظيم رهائن يابانيين، وتدخل بلال لحل الأزمة والإفراج عنهم.

فيما كشفت الصحف أن بلال عقد صفقات تجارية مع إسرائيل، في أعقاب حادث سفينة المساعدات التركية مرمرة، والتي سقط فيها عدد من القتلى الأتراك.

وكشفت وسائل الإعلام عن قيام سفينتين تابعتين لشركة "إم بي" المملوكة له، بنقل مواد تجارية بين موانئ تركيا وإسرائيل، خلال فترة القطيعة المزعومة، وأشارت إلى أن المعاملات بين البلدين بلغت خلال أزمة مرمرة 4 مليارات دولار، بارتفاع يصل إلى نسبة 30%.
 
لم يكتف بلال بدوره في الاقتصاد، وبدأ يفرض نفسه على الحياة السياسية، وظهر مع أبيه في اجتماعه برئيس البرلمان القرغيزي العام الماضي، رغم أنه لا يحمل صفة رسمية لحضور مثل هذه اللقاءات الدولية، وهو ما اعتبره محاولة من الأب لتجهيز ابنه للقفز على السلطة.

Qatalah