يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في أول اختبار حقيقي لشعبية رجب إردوغان، بعد انقلابه على الدستور، وتغيير نظام الحكم إلى رئاسي، يخوض حزبه العدالة والتنمية معركة البلديات، غدا الأحد، بمعنويات منخفضة، وبات صموده أمام رغبة الأتراك عقابه، وإزاحته عن السلطة، مرهونا بحال الليرة التركية.

الاضطرابات الكبيرة في سعر صرف العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، والزيادة الجنونية في أسعار الخضراوات والفاكهة، كلها أسباب أدت إلى اهتزاز صورة إردوغان وحزبه، باعتباره صاحب تجربة اقتصادية متفردة.

في تقرير موسع رصدت صحيفة فايننشال تايمز الأمريكية، لجوء إردوغان إلى رد فعل سبق اختباره وتجربته، للخروج من ورطته، حيث بادر بمهاجمة القوى الأجنبية والغربية، متهما إياها بتنفيذ مخطط للضغط على بلاده، في محاولة لتبيض صورته، أمام ناخبين أحنى ظهورهم ركود اقتصادي حاد، تعيشه البلاد.

الصحيفة الأمريكية أكدت أن مصداقية الرئيس التركي باتت مرتبطة بالعملة المحلية، وهو ما يفسر سعيه الدؤوب لتثبيت سعر الليرة، قبل يوم من انتخابات يراها الكثيرون بداية لأفول نجم العدالة والتنمية، بعد نحو 17 عامًا من الحكم.

شعبية تنزف
فايننشال تايمز أوضحت أن حزب العدالة والتنمية، الذي نُسب له الفضل سابقا، في جلب الاستقرار إلى الملايين الأتراك، تهاوت شعبيته بالفعل، جراء انخفاض معدل النمو، والارتفاع الجامح لأسعار الغذاء، وزيادة معدلات البطالة،  في أعقاب انهيار الليرة العام الماضي.

رئيس شركة بحوث إسطنبول الاقتصادية الاستشارية، جان سلجوقي، قال للصحيفة الأمريكية، إن المواطنين الأتراك يرون الليرة باعتبارها وكيلا لقوة الاقتصاد، مشيرًا إلى أن تقلبات العملة هذا الأسبوع، زادت من تقلبات إحساس الكآبة الاقتصادية.

الصحيفة قالت إن إردوغان لم  يتحمل خروج سعر الليرة عن السيطرة، لذلك دفع البنك المركزي لحرق ثلث احتياطيه الأجنبي الهزيل أصلًا، هذا الشهر، في محاولة لتثبيتها.

مصرفيون أجانب قالوا إن المقرضين الأتراك، صدرت إليهم تعليمات بإغلاق عملية الإمداد بالعملة، بهدف إجهاض عمليات البيع قصيرة المدى، وهو ادعاء نفى اتحاد البنوك التركية صحته.

فايننشال تايمز، قالت إن تحقيق التدخل الحكومي لتثبيت سعر الليرة حقق بعض النجاح، لكنه سبب خسائر فادحة في الأسهم والسندات التركية، وأن تلك الإجراءات ألحقت الضرر بالسمعة الهشة لأنقرة، في عيون الممولين الدوليين.

وأشارت إلى تحذيرات أحد المحللين في لندن، من أن "المذاق المر لهذه الإجراءات الحكومية سوف يستمر لفترة طويلة"، متوقعًا أن تتسبب في تخويف المستثمرين للابتعاد عن الأصول التركية، مما يجعل مهمة إصلاح الاقتصاد طويلة الأمد، وأكثر صعوبة.

إجراءات سوفيتية
بعد إسدال الستار على انتخابات الغد، يريد المستثمرون- بحسب الصحيفة الأمريكية - من رجب إردوغان وصهره وزير المالية بيرات آلبيراق، تطمينات عاجلة، بأن الحكومة سوف تركز على السلامة الاقتصادية طويلة الأمد، بدلا من سياسة الإغواء، قصيرة المدى، والمرتبطة بالانتخابات.

وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك يعني التعهد بعدم اللجوء مجددا إلى ما  وصفه أحد المصرفيين بالتدابير سوفيتية الطابع، "نسبه إلى الاتحاد السوفيتي"، والتي تضمنت خفضًا إجباريا لأسعار الفاكهة والخضراوات، والضغط على مصارف الدولة لمنح قروض أكثر، بمعدلات فائدة أقل.

وبعد 7 انتخابات أو استفتاءات منذ 2014، ترغب الأسواق في وضع حد للعادة المتكررة قبل كل انتخابات، والمتمثلة في وضع أولوية للنمو المرتبط بالائتمان، على حساب الاهتمام بتخفيض التضخم وتعزيز الإنتاجية.

مدير محفظة أسهم في شركة أبردين لإدارة الأصول كيفن دالي، قال: "بعد الانتخابات المقبلة، ستخلو فترة طويلة من أية انتخابات جديدة، ما يمنحهم متسعا من الوقت لحل تلك القضايا".

وفي وقت يطالب فيه بعض الاقتصاديين الحكومة، بالحصول على مساعدات من صندوق النقد الدولي، على غرار ما فعلته أثناء أزمة مصرفية بدأت عام 2000، من أجل دعم مصداقيتها، إلا أن إردوغان شدد مرارا على أنه لن ينحدر إلى ذلك الطريق، قائلا خلال تجمع انتخابي الشهر الماضي:  "لقد أغلقت تركيا صفحة صندوق النقد الدولي، ولن تفتح مجددا".

ثقل إسطنبول
كافح المستثمرون في البداية لفهم أهمية انتخابات البلدية، في ضوء اعتلاء إردوغان العام الماضي، قمة نظام جديد في الحكم، يضع سلطات كاسحة تحت سيطرته، إلا أن الصحيفة الأمريكية أوضحت أن الرئيس التركي يعرف جيدًا أن انتخابات غدا الأحد، هي تصويت على حكمه، وقد تكون بداية نهاية مسيرته في السلطة، وقالت إنه يدرك جيدًا عواقب فقدان السيطرة على مركز حضري رئيس مثل إسطنبول.

وعندما صوتت مدينة إسطنبول  بـ "لا" في الاستفتاء على النظام الرئاسي الجديد، قبل عامين، حذر الرئيس أنصاره المخلصين لحزب العدالة والتنمية قائلا :"إذا تعثرنا في إسطنبول، سوف نفقد موطئ قدمنا في تركيا بأسرها".

فقدان أنقرة
رجب إردوغان  يخشى أن تؤدي الهزيمة في إسطنبول أو أنقرة إلى إحداث صدع في قوته، وفقا لمصادر مطلعة بحزب العدالة والتنمية، والتي أكدت للصحيفة الأمريكية أن "إردوغان يخشى أن تحدث احتجاجات في الشارع حال خسارتنا"

وذكر مصدر آخر أن تحقيق نسبة  أقل من 50% من الأصوات، قد يثير مساحة الشكوك بشأن النظام الرئاسي الجديد، فيما يتوقع المحللون أن يكون السباق في إسطنبول متقاربا جدا، ولكن حظوظ المعارضة هي الأقوى في أنقرة، عاصمة تركيا على مدار ر 94 عاما، حيث رجحت معظم استطلاعات الرأي فوز منصور يافاش، مرشح حزب الشعب الجمهوري.

يأتي ذلك رغم شن وسائل الإعلام الخاضعة لحزب العدالة والتنمية لحملة شرسة لتلطيخ سمعته.

الحصان الأسود
فايننشال تايمز توقعت أن يلعب المترددون دورا مهما في اقتراع البلديات، حيث يتخذ العديد منهم قراره في اللحظة الأخيرة، حسب تقلبات سعر الليرة.

يوجيل يلدريم، ناخب من إسطنبول، دأب على منح صوته لحزب العدالة والتنمية،  قال إنه يفكر في أن يبقى في منزله غدا، وفسر ذلك قائلا: "ما زلت لا أعرف ماذا سأفعل،  ولكني أعتزم بعث رسالة من خلال عدم تصويتي".

وأضاف يلدريم، من يعمل بأحد جراجات إسطنبول، وأغرقته الديون، ويعاني من أجل الإنفاق على عائلته، :"نريد إخبار الحزب الحاكم بضرورة مراقبة خطواته".

Qatalah