يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


وصفته صحيفة التايمز البريطانية، بأنه "ثاني أقوى رجل في تركيا بعد إردوغان"، مشيرة إلى أنه تحول بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو من العام الماضي، إلى أقوى شخصية في بلاط الرئيس التركي، إنه فخر الدين آلتون، الأستاذ الجامعي السابق الذي تم تعيينه رئيسًا لمكتب الاتصالات في الرئاسة التركية قبل نحو عام.
من المعلوم في تركيا، أنه لا يدخل دائرة إردوغان إلا قلة فقط، إما من أفراد أسرته أو أصدقائه القدامى؛ وفي مرتبة أدنى يعين أشخاص ينتمون إلى عائلات معروفة، لديها عضوية في حزب العدالة والتنمية، أو ينحدرون من مدن منطقة البحر الأسود، التي يعود إليها بأصوله.
قبل سنتين فقط، لم يكن اسم فخر الدين ألتون، ذا قيمة في بلاد الأناضول، لكن الشاب الطموح بات الآن رقمًا مهمًا في حاشية "الرئيس".

ظل إردوغان
عند فحص الصور ولقطات فيديو الحديثة لإردوغان سيلاحظ المتابع وجود رجلٍ واحدٍ يقف باستمرار بجانبه في أغلب الصور، هو فخر الدين ألتون، البالغ من العمر 42 عامًا، والذي تحول خلال عام واحد من كونه مجهول فعليًا ليصبح الشخصية الأقوى في القصر الرئاسي. 
إردوغان عين ألتون رئيسًا لدائرة الاتصال في الرئاسة التركية في يونيو 2018، في أعقاب الانتخابات الرئاسية التي جرت آنذاك، واستبدلت الديمقراطية البرلمانية في تركيا، التي عمرها قرن تقريبًا، بحكم الرجل الواحد المستبد.
يرجع ارتقاء الشاب الطموح بسرعة قصوى في مساره المهني إلى أسلوب تعامله مع الإستراتيجية الإعلامية التركية، في عدد من الملفات التي حاول إردوغان أن يستفيد منها لزيادة رصيده السياسي، ومع طول الفترة التي يقضيها مع الرئيس وإطاعته الدائمة للأوامر حظي ألتون بالثقة الكاملة من النظام. 
"ذا تايمز" نقلت عمن أسمته "أحد المطلعين على بواطن الأمور في القصر الرئاسي التركي" قوله: إن ألتون يقضي ما يصل إلى خمس ساعات في اليوم مع إردوغان، وهو وقت أطول بكثير مما يقضيه الشاب الطامح مع زوجته. 
خلال فترة تواجده في القصر الأبيض والتي لم تتجاوز السنة، أزاح ألتون عددًا من الأسماء صاحبة الوزن الثقيل في القصر الرئاسي، بسبب المهارات التي يتمتع بها نظرًا لصغر سنه نسبيًا ومهاراته في استخدام اللغة الإنجليزية.
مهارات ألتون في التواصل واللغة جعلت إردوغان ينظر له على أنه شخص لا غنى عنه، خصوصًا أن ديكتاتور تركيا يبلغ من العمر 65 عامًا، وغير قادر على التواصل والتفاعل مع جميع الناخبين في البلاد خصوصًا الشباب الذين يخاطبهم رئيس دائرة الاتصال عبر حملات السوشيال ميديا، كما يقود حملات خارجية للترويج للطاغية التركي على أنه "زعيم للمسلمين في العالم".
ألتون الذي نال ثقة إردوغان نجح في الظهور كشخص متحفظ يبقى على مسافة بعيدة من الآخرين في وقت تمزق فيه الصراعات الدائرة المقربة من إردوغان؛ ويلقي كل منهم باللوم على الآخر في زيادة كراهية الشعب التركي لحزب العدالة والتنمية وإردوغان شخصيًا، وهو ما بدا من الانتخابات البلدية الأخيرة التي فشل الحزب في أن يحقق أي فوز في المدن الكبرى بالبلاد: أنقرة وإسطنبول وإزمير وأضنة وأنطاليا.


ذيل ألبيرق
الانقسام والصراع الخفي يضرب الدائرة المقربة من إردوغان، فهناك جبهتان تكن العداء لبعضهما؛ الأولى يقودها بيرات ألبيرق، وزير الخزانة والمالية، صهر الرئيس وولي عهده المفترض- بحسب تعبير "ذا تايمز"، والثاني يتمركز فيها سليمان صويلو، وزير الداخلية، ومنفذ حملة القمع الكبرى في البلاد.
ارتقى ألتون إلى وضعه الحالي عبر جبهة ألبيرق، لكنه ظل محايدًا في الحرب الخفية داخل القصر الرئاسي التركي. وتتمثل نقطة قوته العظمى في قدرته على إقامة علاقات مع جميع الفصائل مع عدم الانضمام إلى أي منها، وفقًا للبعض، ولكنها في نظر آخرين تشكل نقطة ضعفه أيضًا. ويقول أحد المطلعين على الأمور الداخلية للقصر: "إنه شخصية قوية - لكنه يستمد كل قوته من إردوغان".
عُرف عن إردوغان- خلال فترات سابقة- أنه مستعد للاستماع إلى مجموعة متباينة من الآراء في الدائرة المحيطة به، وأن تتضمن هذه الدائرة شخصيات مختلفة، لكن المعايير الجديدة التي يطبقها عند اختيار المحيطين به تعكس تنامي جنون العظمة والنزعة الاستبدادية.
طريقة انتقاء إردوغان لأعضاء حكومته ومستشاريه ومن يشغلون المناصب العليا في البلاد تعتمد على اختيار أهل الثقة، سواء من أفراد أسرته مثل ألبيرق، أو أصدقائه القدامى مثل مصطفى ورانك، وزير الصناعة والتكنولوجيا. أما في المستوى الأدنى من المناصب، يتم تعيين أشخاص من أسر حزب العدالة والتنمية المعروفة أو مدن منطقة البحر الأسود، حيث تنحدر عائلة إردوغان.


المتطرف
ألتون يملك سيرة ذاتية تجعل اختياره مثاليًا؛ فقد ولد في عام 1976 في مدينة آلن الألمانية، التي تضم حوالي 10 آلاف تركي بين سكانها البالغ عددهم 66 ألف نسمة. وعندما كان طفلًا، عادت أسرته إلى مسقط رأسها بمدينة أرتوين على ساحل البحر الأسود. وكان والد ألتون مسلمًا متشددًا، وهو ما ورثه عنه ابنه.
يصنف ألتون- الذي درس علم الاجتماع في الجامعة- على أنه متزمت دينيًا، فيقول أحد من عاصروه في جامعة معمار سنان بإسطنبول، حيث درس هناك للحصول على درجة الماجستير، إنه أخفى خلفيته الدينية حتى لا يعوقه ذلك في الأوساط الأكاديمية، وقد استُبعد من الحصول على درجة الدكتوراه عندما اكتشف المشرف على رسالته حقيقته؛ لكنه أكمل دراسات الدكتوراه في جامعة إسطنبول عام 2006، وذلك في موضوع "تحليل مقارن للنظريات الإعلامية"، وهو المجال الذي عمل فيه لاحقًا. 
الذين عملوا مع ألتون في الأوساط الأكاديمية وجدوا أنه يخلص فقط لمن يحقق له منفعة، وقال أحدهم إنه كان في الأصل من رافضي إردوغان لأنه - من وجهة نظره وقتها: "مقصر جدًا في تطبيق عقيدته الإسلامية".
وأضاف أحد معارفه الأكاديميين، حسبما تنقل "ذا تايمز": "يقوم أسلوب فخر الدين ألتون على تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار، وكان لديه بعض الأفكار الإسلامية المتطرفة. ولم يكن يومًا باحثًا جيدًا؛ إذ لم يكن يطرح الكثير من الأسئلة".


في دائرة الصراع
في السنوات الأولى من حياته المهنية، كتب "ألتون" مقالات سياسة في عدة مجلات إسلامية، قبل أن يتجه إلى العمل في مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي "SETA"، وهو مؤسسة بحثية خرجت العديد من الأكاديميين إلى صفوف حزب العدالة والتنمية، وعُيّن سريعًا رئيسًا لفرع المركز في أنقرة.
في مايو 2016، طرد إردوغان رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو من منصبه في صراع على السلطة داخل الحزب الحاكم. وكانت المجموعة التي دبّرت سقوط داود أوغلو مرتبطة بألبيرق وشقيقه، سرحات، رئيس مركز SETA ونائب رئيس مجموعة إعلامية تضم الأبواق الدعائية الأبرز لإردوغان - جريدة "ديلي صباح" وقناة "أ خبر".
ساهم عمل ألتون في مركز SETA وعلاقاته مع الأخوين ألبيرق في ترشيحه لمنصب مستشار إردوغان في 2018، ووقتها كان الرئيس مستاءً من أداء المكتب الصحافي القديم في وزارة الإعلام، إذ رأى أنهم يتحملون مسؤولية صورته التي تزداد سوءًا في الخارج.


تجميل صورة الديكتاتور
تم تأسيس دائرة اتصال جديدة خاضعة لسيطرة الرئاسة، ومقرها في قصر إردوغان، وباتت من مهام ألتون إدارة صورة الديكتاتور في مرحلة صعبة، وهو عمل ليس بالهين بالنسبة لنظام ينظر إلى الرسالة التي تصل للشعب التركي باعتبارها كل شيء، وفي بلد تخضع فيه وسائل الإعلام لسيطرة رجل واحد، وفي عالم يصير فيه إردوغان منبوذًا بصورة متزايدة.
في مؤتمر حكومي عقد في مايو الماضي، قال ألتون: "نحن في صراع وجودي"، موضحًا كيف ستقوم دائرته المشكلة حديثًا "بتنظيم المجال الإعلامي، والإشراف على تدفق المعلومات للجمهور، وتوحيد الخطاب في الدولة". 
وفق "ذا تايمز"، يجب أن تمر حاليًا جميع البيانات من كل ركن من أركان الحكومة والدولة التركية على مكتب ألتون أولًا. وعلى عكس أسلافه، نادرًا ما يتحدث رئيس دائرة الاتصال في مؤسسة الرئاسة إلى وسائل الإعلام الأجنبية، إلا إذا كان ذلك لتسريب معلومات تعود بالنفع على رئيسه.
في مقابلة باللغة التركية مع مجلة "كريتر" - إحدى المنشورات الصادرة عن مركز SETA - في فبراير الماضي، كشف  ألتون عن أهمية وحجم مكتبه. وقال: "الاتصال ليس مجالًا ينتمي إلى فئة الأمور الكمالية، والتي يكون جيدًا إذا توفرت لديك. بل أصبح مجالًا ضروريًا... إن جمهورنا المستهدف يكاد يكون العالم كله".

 

 

Qatalah