يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


امتلأت بطونهم بأموال الرعية، أنفقوا منها على حفلات الترف والليالي الحمراء، وتفننوا في فرض الضرائب على أتفه الأشياء لإشباع ملذاتهم الشاذة على حساب المعدمين، ففرضوا رسوما على العزاب والمتزوجين والمولودين الجدد والسائرين في الطرقات، ولم تنج منهم الدواب ولا المتسولون.

فاضت خزائن مندوبي السلطان في طرابلس بالمال الحرام، فيما لجأ الطاغية التركي أحمد باشا القرمانلي إلى إحصاء ثروته كل ليلة، وتفقدها قبل الخلود إلى النوم، بوضع فائض الضرائب والإتاوات في 10 صناديق وغلقها بقفلين، فضلا عن 5 صناديق أخرى للعملات الذهبية والنحاسية.

اضطربت الأوضاع المالية لولاية طرابلس الغرب منذ منتصف القرن الـ16، بسبب إهمال الولاة العثمانيين للإصلاحات الاقتصادية، وعدم استقرار الوضع السياسي، فضلا عن الفساد الإداري وانتشار الرشوة، لكن أشد أهوال العثمانيين كانت كثرة الضرائب والإتاوات التي قابلها الليبيون بالرفض والثورة، وقدموا في سبيل حريتهم آلاف الشهداء.

الضرائب كانت موردا رئيسا لميزانية السلطنة والولايات، وكانت ترسل فرمانا للوالي بقيمتها السنوية، فيعقد اجتماعا مع شيوخ ورؤساء القبائل والعشائر لإبلاغهم بـ "فرمان مال الميري"، وفي نهاية الاجتماع يلزم المشايخ بدفع ضريبة "التقدمة"، دون احتسابها ضمن الضرائب المفروضة على القبيلة، بل هي إتاوة سنوية للوالي وحاشيته.

حاميها حراميها
في كتابه "ولاة طرابلس" يقول طاهر الزاوي: "قسوة الضرائب في طرابلس نشأت عن نظام الالتزام، إذ يعرض الوالي حق تحصيل الضرائب في مزاد علني، ليستقر على ثري تركي أو أحد قادة الجيش، لينطلق هؤلاء في نهب جيوب الليبيين، وإذا عجز شخص عن الدفع يتم القبض عليه، ويربط في ذيل حصان حتى السجن، ما دفع بعض الفقراء إلى الهروب فور وصول الجباة".

المؤرخ الليبي محمد بن خليل بن غلبون رصد في كتابه "التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار" ثراء ولاة طرابلس وامتلاء بطونهم بالذهب والفضة، فيما عانت الرعية الفقر والجوع، ومن هؤلاء الطغاة الوالي أحمد باشا القرمانلي الذي كان يتفقد ثروته كل ليلة.

شهادة أحمد النائب الأنصاري في كتابه "المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب" تؤكد ثراء الولاة على حساب الرعية، ويقول: "أسرف الولاة في مطلع القرن الـ 18 في فرض الضرائب والإتاوات، وأضافوا ضرائب جديدة بعد انغماسهم في المتع والملذات، فامتلأت قصورهم بالأثاث الأوروبي ولبسوا ملابس مزينة بقطع ذهبية، ولما نفدت خزائنهم بعد افتقار الأهالي لجأوا للاستدانة من الدول الأوروبية".

ضريبة الويركو
السلطنة فرضت على الليبيين ضريبة "الويركو" أو "الميرى"، وأجبروا الذكور البالغين على دفع 40 قرشا سنويا، وفرضوا مثلها على الحيوانات والأشجار، وسرت على الذبائح، وعوقب الممتنعون بالسجن 3 شهور، مع إمكانية التجديد إذا عجز أهله عن الوفاء.

فرض العثمانلي ضريبة "الجهادية" على الليبيين إبان حرب اليوناني عام 1897، وبلغ مقدارها 6% من ضريبة "الويركو" بدعوى تلبية نفقات الحرب، لكن الولاة العثمانيين ضموها إلى قيمة "الويركو"، واستمروا في جبايتها من أقوات الرعية حتى سقطت البلاد في قبضة الاحتلال الإيطالي.

ضريبة العشر
عانى الفلاحون من إهمال العثمانيين للزراعة خاصة في سنوات الجفاف، وعجز المزارعون عن تسديد ضريبة "العشر" البالغة 10% من قيمة المحاصيل، وكانت تحدد في أبريل من كل عام، فيما حصل الجباة على إتاوة 16 ليرة من كل مزارع، وأدت المحسوبية والرشوة دورها في إعفاء الموسرين، وألزم الفقراء وغير القادرين بسداد ضرائب الأغنياء.

في مواسم الجفاف، كانت الديون تتراكم على الفلاحين، وكان الفرار ملجأهم من بطش العثمانلي، فتركوا مزارعهم نهبا للتصحر، ما أدى إلى تراجع الحبوب والمحاصيل في الولاية، وفي العام 1889 بلغت الديون على إقليم الخمس 390 ألف قرش، فيما وصلت في إقليم العجيلات إلى 280 ألف قرش.

يقول محمد بن غلبون: "الوالي عثمان الساقزلي كان قاسي القلب على الرعية، بارع في نهب أموالهم، ومن عظيم ظلمه الفاحش أنه زاد الخراج زيادة فاحشة، ففر الأهالي إلى الصحراء وتركوا أراضيهم، وحمل من بقي منهم قيمة الضريبة على كامل البلد، كما أحصى النخيل وفرض على كل نخلة 20 عثمانيا (عملة)".

"فتح بندر"
قضى العثمانيون على التجارة في طرابلس، لإتاحة الفرصة للمحتكرين الأجانب، وفرض الولاة على التجار الليبيين ضرائب باهظة، منها ضريبة "رسوم فتح بندر" المفروضة على كل مواطن يرغب في فتح محل تجاري، ما أدى إلى إغلاق العديد من المحال بعد إعلان إفلاسها".

فرض العثمانيون الضرائب على أتفه الأشياء، مثل ضريبة "التمتع" مقابل الحصول على الخدمات العامة، مثل الأمن والرعاية الصحية والنظافة واستخدام الطرق، وفرضت على المزارعين والصناع والحرفيين، وبلغت قيمتها 5% من الدخل السنوي.

ضريبة المرور
ألزم الولاة الرعية بدفع ضريبة "رسوم المرور" مقابل التنقل داخل البلاد وخارجها، ويقول ابن غلبون: "محمد باشا الساقزلي فرض ضريبة على الخارج من المدينة والداخل إليها، وجمع منها 25 ألف قرش حتى عام 1842، حين أصدر السلطان عبدالمجيد الأول قرارا بتعميم تذاكر المرور شريطة التنقل، وبلغت قيمتها 3 قروش".

رسوم العزوبية
السلطنة لم ترحم الليبيين سواء كانوا متزوجين أو عزابا، وفرضوا على كل بالغ أعزب ضريبة "رسوم عزوبية"، وبلغت 15 بارة سنويا (عملة عثمانية)، وإذا تيسر له الزواج تحولت الضريبة إلى "رسوم زواج" عند عقد القران، وبلغت قيمتها 30 بارة سنويا، وإذا رزق بمولود ألزم بدفع "رسوم قدوم غلمانية"، وبلغت 60 بارة للذكر و30 للأنثى.

تفنن الولاة الجدد في فرض الضرائب على الرعية، واستهلوا ولاياتهم بفرض "رسوم قدوم" 40 بارة، تجمع يوم قدوم الوالي إلى طرابلس، كما تكفل الأهالي بنفقات الحفلات والسهرات في قصور الوالي، وفرضت الضرائب في الأعياد والمناسبات تحت اسم "رسوم خلعت" وبلغت في بعض الأحيان نحو 40 بارة.

لم تكتف السلطنة بهذا القدر من الضرائب الظالمة، بل فرضت الإتاوات على الرعية كلما خاضت غمار الحرب باسم "تبرعات الجهاد" لتشجيع الرعية على السداد في أسرع وقت، وصدر فرمان بإضافة 6% على جميع الضرائب لصالح التجهيزات العسكرية، الأمر الذي قابله الأهالي بالتذمر. 

أحرار ليبيا
خصص العثمانيون فرقا من الجيش والشرطة لتأمين الجباة، ومعاقبة المتعثرين، وتعرضت القبائل في سنوات الجفاف لمطاردة العسكر، فطلب شيوخ القبائل من الوالي تخفيض قيمة الضرائب، لكن سلطة الاحتلال لم تلتفت لسوء الأوضاع، سوى بتأجيل السداد إلى العام التالي.

رسالة مشايخ غدامس للوالي التركي عام 1645 تعد أشهر الخطابات التي فضحت ظلم الأتراك، إذ تقول: "هنا في غدامس صار توزيع إعانة السلطان 350 ألف قرش، جلها على الفقراء بواقع 17 مجيدي (عملة)، وفرضوا على المتسول 10 مجيدي"، أغضبت الرسالة الوالي فأمر جنوده بمهاجمة المحتجين وضربهم بالعصي، وإرسالهم للسجون، فثار أهالي غدامس على السلطة، وامتنعوا عن الدفع، بل قتلوا جباة الضرائب الأتراك.

لم يخش أحرار ليبيا سياسة النار والحديد التي اتبعها الوالي يوسف القرمانلي، وقاوموا ظلمه بشدة، وفي يوليو 1803 امتنع سكان غريان عن الدفع، فأرسل إليهم مرتزقة الإنكشارية لتحصيلها بالقوة، فانتهز الأهالي الفرصة وقتلوا عساكره، وسدوا الطريق المؤدية إلى فزان، بعد أن استولوا على قافلة من 500 جمل محملة بالحبوب والأموال.

ثورات الليبيين
ظلم العثمانلي دفع الأهالي إلى هجرة قراهم، وغادر مزارعو قبيلة الرحايمة في إقليم ترهونة حقولهم بسبب تراكم ضرائب العشر، بعد أن أصدر الوالي أحمد عزت باشا أوامره للعسكر بمطاردة القبيلة عام 1860، وانطلق جنوده في سلب ونهب البيوت، وسبوا 500 فتاة لإجبار ذويهم على العوجة وسداد الضريبة.

كثرت ثورات الليبيين على الأتراك بسبب قسوة الضرائب، منها ثورة سكان طرابلس وبرقة وفزان ومدن الساحل عام 1672 على الوالي باي شاوس، وانتصر الثوار بإجباره على خفض الضرائب 10%، حسب محمد بن خليل بن غلبون.

الوالي أحمد عزت فرض ضريبة "إعانة الوالي" لسد العجز الكبير في حصيلة الضرائب، خاصة بعد إسرافه في الترف وسهرات المجون، لكن الليبيين أعلنوا الثورة، فاضطر السلطان عبدالمجيد الأول لعزل الوالي عزت، وتعيين مصطفى نوري عام 1852.

الوالي نوري أظهر وجه الطيب للأهالي، ولما هدأت ثورتهم كشف عن وجهه الحقيقي وألقى القبض على زعماء الثورة وزج بهم في السجون، وأعاد الضريبة بقوة الكرباج، لكن أهالي غدامس ومصراتة واصلوا تمردهم حتى أجبروا جباة الضرائب على العودة بخفى حنين إلى واليهم. وتكررت مشاهد الثورة  في إقليمي أوجله وجالو عام 1868 وإقليم زلة عام 1901، اعتراضا على ضرائب السلطنة الجائرة والقسوة في جبايتها.

المصادر :

1 - طاهر الزاوي: ولاة طرابلس
3 - محمد بن خليل بن غلبون: التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار

Qatalah