يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أينما حل رجال الرئيس التركي، رجب إردوغان، حل الفساد والفوضى"، هذا ما تثبت الأيام وتؤكده الوقائع واحدة تلو الأخرى، فالديكتاتور التركي نجح في تجنيد الآلاف من حزبه ليكونوا أدواته في نهب وتخريب دول أخرى.

السفارة التركية في العاصمة الصومالية مقديشو كشفت عن أن مجموعة "آلبيراق"، وهي مجموعة شركات تركية متهمة بالفساد داخل تركيا وخارجها بمساعدة إردوغان، تنفذ مشاريعها في الصومال "تحت رعاية السفارة".
السفارة التركية، شرحت عبر حسابها الرسمي على موقع "تويتر"، كيف أصبح وزير مهم في حكومة إردوغان الفاسدة شخصية رئيسة في الصومال التي صُنفت كواحدة من أكثر الدول فسادًا في العالم، وفقًا لتقارير "منظمة الشفافية الدولية" و"مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة".
ووفق موقع "نورديك مونيتور" السويدي، فإن تغريدة السفارة تمثل إحدى الدلائل العديدة التي تبين كيف أصبحت وزارة الخارجية التركية ودبلوماسيوها مجرد وسيلة لترسيخ نظام محسوبية إردوغان والعبث والفساد خارج تركيا.

نشر الإرهاب
في أعقاب سقوط نظام الرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري عام 1991، لم تعد هناك دولة صومالية قائمة، ولم يكن هناك سلطة حاكمة، وتسببت المجاعة والصراع في مقتل نحو 300 ألف شخص عامي 1991 و1992، مما أدى إلى إرسال مهمة إنسانية للأمم المتحدة بقيادة القوات الأمريكية.

سرعان ما تحول التدخل العسكري إلى حرب عصابات مع الميليشيات الصومالية، وفي سبتمبر 2012، شكّل الصومال حكومة جديدة، وصاغ دستورًا مؤقتًا في محاولة لتثبيت أقدام أول حكومة دائمة في البلاد منذ أكثر من 20 عامًا.
تركيا استغلت الأوضاع المأساوية هناك، وأشعل إردوغان خلافات وصراعات ومشاكل في الصومال تفوق ما هي قائمة بالفعل، حيث أبدى اهتمامًا كبيرًا بالصومال منذ العام 2011، وأمر ببناء أكبر مجمع دبلوماسي تركي في مقديشو، إلى جانب إنشاء مركز للتدريب العسكري ومدرسة عسكرية، وحاز شركاؤه على حقوق التشغيل لمرافق المطار والموانئ. كما عيّن جمال الدين كاني تورون، وهو طبيب إسلامي متشدد، سفيرًا غير محترف لدى مقديشو عام 2011.
ووفقًا لما ذكره أحد المطلعين داخل الحكومة، أرسل تورون ملايين الدولارات لشركاء إردوغان التجاريين حتى العام 2014، كما اجتمع سرًا بقادة حركة "الشباب" الإرهابية ووفر لهم الأسلحة. وكافأ إردوغان تورون على خدماته، حيث عينه كبير المستشارين عام 2014 ونائبًا في البرلمان بعد ذلك بعام.
وكان "نورديك مونيتور" كشف في وقت سابق أن جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، الذي تقوده شخصية إسلامية موالية لإيران، أرسل مئات الآلاف من الدولارات إلى حركة "الشباب" الإرهابية في الصومال من خلال معتقل سابق في جوانتانامو. واعترضت الحكومة الأمريكية عملية تحويل الأموال، وحذّرت السلطات التركية وطلبت فتح تحقيق في الشبكة التي سهلت عملية تمويل حركة "الشباب". لكن الحكومة التركية أوقفت التحقيقات التي بدأت بعد الإخطار الذي أصدره مكتب وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية الذي كان يرأسه ديفيد كوهين في ذلك الوقت.



لم يقتصر التدخل التركي في الصومال على سرقة الموارد الطبيعية، والاستفادة من موقعها الاستراتيجي المتميز، وإنشاء قواعد عسكرية، ومشروعات تنموية، وتقديم مساعدات إنسانية، فقد وضع لصوص أنقرة خطة لاختراق المؤسسات الحساسة، مثل الشرطة والجيش والمخابرات.
حجج كثيرة ساقها مسؤولو حكومة إردوغان، للتوغل في قطاعي الأمن والاستخبارات بالصومال، منها حفظ السلام، والأمن وتدريب جنود وضباط القطاعين، من أجل مكافحة القرصنة، والقضاء على الإرهاب، الذي تمارسه حركة الشباب.

رعاة الفساد والفوضى
بحسب موقع "نورديك مونيتور"، تقوم مجموعة آلبيراق في الصومال بإنشاء وحدات سكنية بتمويل من وكالات تركية منذ العام 2011، كما استحوذت المجموعة على ميناء مقديشو في العام 2014، لتديره بما يتماشى مع أجندة إردوغان، ومنذ ذلك الحين، انتشر الفساد والرشاوى على نطاق واسع، ويعمل الميناء بمثابة البوابة الرئيسة للنظام الفاسد".

تقرير الفساد في الصومال الصادر عن مؤسسة للنزاهة أشار إلى أن الرشاوى باتت أمرًا شائعًا أثناء عملية التخليص الجمركي للبضائع عبر ميناء مقديشو الذي تديره مجموعة "آلبيراق"، علاوة على ذلك، انتشرت التجارة في السلع المقلدة على الحدود الصومالية، وكانت بمثابة مصدر لتمويل المتمردين المسلحين مثل "حركة الشباب".
وأُلقي القبض على أحمد علي سامو، رئيس "هيئة ضرائب ميناء مقديشو"، وتسعة من كبار المسؤولين الآخرين على خلفية اتهامات بتحويل الرسوم التي تم تحصيلها من الميناء البحري عام 2018، وأثارت عمليات القبض على مسؤولي الميناء اهتمامًا كبيرًا من الرأي العام نظرًا لأن الميناء يمثل أعلى مصدر دخل للحكومة الفيدرالية في الصومال.
الأمم المتحدة والمحللون وصفوا الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الصومال التي أُجريت في فبراير 2017 بأنها "علامة فارقة" و"نقطة تحول في الفساد"، واتهم المرشحون الرئاسيون المتنافسون بعضهم البعض بتقديم رشاوى للنواب والشيوخ مقابل الحصول على دعمهم. إلى جانب بعض دول الخليج، ثمة شكوك لدى البعض في أن تركيا مولت الحملة الانتخابية لأحد المرشحين مقابل صفقات تجارية أو مصالح جيوسياسية أخرى، مما يؤدي بشكل غير مباشر إلى تفشي الفساد.
في 8 يوليو 2019، وقّعت تركيا اتفاقية مع الصومال، وتعهدت بتقديم 2.5 مليون دولار نقدًا كل شهر ليصبح المجموع 30 مليون دولار. كما قدمت أنقرة تمويلاً مماثلاً للحكومة الصومالية في الماضي، والتي جرت تحقيقات بشأنها على خلفية مزاعم بالفساد.


أقوى من الخدمة و"بي كا كا"
مجموعة "آلبيراق" عبارة عن تجمع لعدة شركات تمتلكها عائلة آلبيراق التي تربطها صلات وثيقة بحزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يتزعمه إردوغان، فصهر إردوغان الذي يتولى حقيبتين وزاريتين يعدان ضمن الوزارات الأهم في الحكومة "المالية" و"الخزانة"، بيرات آلبيراق أحد أفراد هذه العائلة.
المجموعة تمتلك صحيفة "يني شفق" اليومية، وجريدة “صباح” التي يمتلكها سرهاد آلبيراق شقيق بيرات آلبيراق وهما صحيفتان إسلاميتان مؤيدتان لنظام إردوغان، بالإضافة إلى قناتي "كنال 7" و"Ülke TV"، وترجع العلاقة بين إردوغان وعائلة آلبيراق بالتحديد إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث كان أحد أفراد عائلة آلبيراق في مدرسة "إسطنبول إمام خطيب"، وهي مدرسة دينية عامة.


ولا يقتصر توغل عائلة آلبيراق على هذا، بل شكلت العائلة مجموعة نفوذ وضغط قوية للغاية، تسمى داخل تركيا بـ"البجع"، حيث  ظهرت قوتها في مايو عام 2016، حيث شنت هجومها على رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ما انتهى بإقالته من منصبه بعد ذلك.
كما أن مجموعة البجع تحول دون استجابة إردوغان للمطالب الكثيرة للغاية داخل الحزب الحاكم وخارجه بإقالة صهره بيرات آلبيراق الذي يعيث فسادا في الاقتصاد ويورد تركيا المهالك، حيث تدعم المجموعة صهر إردوغان وزير الخزانة والمالية، بل وترى أن بقاء آلبيراق على رأس حقيبته الوزارية أمر ضروري وأن ابتعاده عن الحكومة سيؤدي إلى انهيار المجموعة بعدما وضعت ثقلها عليه.
مجموعة "البجع" تتكون - وفق وسائل الإعلام التركية - من رجال الأعمال وأصحاب النفوذ والسلطة داخل حزب العدالة والتنمية، ويزيد من قوتها امتلاكها عددا من وسائل الإعلام، وكان إردوغان قد أجرى زيارة مثيرة التقى خلالها فريق عمل مركز بوسفور جلوبال Bosphorus Global المعروف باسم “البجع”، ردًا على الانتقادات المتصاعدة داخل الحزب ضد المجموعة.
كما يظهر قوة المجموعة بين فترة وأخرى، فمن بين الأسماء المنتقدة للمجموعة أيضًا الكاتب السابق لخطابات إردوغان ونائب حزب العدالة والتنمية السابق عن مدينة أنقرة آيدن أونال، لكن المجموعة استهدفته مؤخرا بعد أن قال صراحة: "مجموعة البجع أخطر من حركة الخدمة وحزب العمال الكردستاني، فهي مجموعة تسمم جسد حزب العدالة والتنمية. يجب تصفيتها فورًا".
لم يمر إلا ثلاثة أشهر فقط على تصريحات أونال، حتى بدأت المجموعة مهاجمتها من خلال حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد نشر حساب على موقع تويتر باسم “debuffer” تغريدة، قال فيها: “لنتعرف سويًا على آيدن أونال صديق إبراهيم آران وشانول كازانجي ومصطفى فارناك؟”، وتبعها عدد من الرسائل التي تستهدفه بشكل واضح.

فساد داخلي
وفي تركيا، حصلت شركات "آلبيراق" على العديد من المناقصات العامة المهمة التي تتراوح بين بناء مترو إسطنبول وتصنيع الدبابات للجيش التركي، وأثار العديد منها جدلاً هائلاً وتحقيقات بشأن الفساد.
مجموعة "آلبيراق" الإعلامية تعتبر أحد أكثر المؤيدين لسياسات إردوغان الإسلامية المتطرفة منذ وصول حزبه إلى السلطة في نوفمبر 2002، وباتت تمثل عمودًا مهمًا في مؤسسته الإعلامية الجديدة. وفي المقابل، حققت مجموعة "آلبيراق" وشركاتها الإعلامية مكاسب ضخمة من نجاح إردوغان السياسي في الأعوام اللاحقة.
تقرير أصدرته منظمة "مراسلون بلا حدود" حول تركيا ذكر أنه تم التنصت على المكالمات الهاتفية التي أجراها أحمد آلبيراق، رئيس المجموعة، في العام 2009 كجزء من تحقيقات مستمرة، حيث كشفت المكالمات أن آلبيراق كان يضع خططًا لتغيير أعضاء وكالة "Press Advertising Agency" الحكومية من أجل تأمين المزيد من عائدات الإعلانات لصحيفة "يني شفق" ودعم حزب "العدالة والتنمية" في الانتخابات المحلية في مدينة طرابزون.
بداية توغل إردوغان في الشأن الصومالي، كانت عبر أبواب كثيرة أشهرها محاولته لعب دور الوسيط، لحل الأزمات الداخلية، بهدف الحصول على مكاسب إضافية في وقت لاحق، ولكنه في الحقيقة أطلق رجاله على رأسهم مجموعة آلبيراق التي نهبت وأفسدت ورعت الإرهاب لخدمة أجندته.

Qatalah