يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


سياسات رجب إردوغان الفاشلة أدت إلى انهيارات متتالية في قطاع المصارف التركي، وما يحدث حاليا في البنك المركزي خير شاهد على تلك الأوضاع، حيث فقد قدرته على كبح جماح التضخم المتزايد، بينما خفضت وكالات الائتمان تصنيفها لـ 20 مصرفا عاملا في تركيا.
استهدف إردوغان إغلاق عدد من المصارف عامدا متعمدا بهدف تصفية حسابات سياسية، مثلما حدث مع بنك آسيا التابع  لحركة الخدمة التي يتزعمها رجل الدين المعارض فتح الله غولن، وهو المصرف الذي حقق نجاحا باهرا في العام 2013 وبلغت أرباحه حينذاك 181 مليون ليرة.
تسبب إردوغان أيضا في الإضرار بسمعة وتصنيف بنك هالق الحكومي عالميا، بعد أن أقحمه في صفقات مشبوهة من أجل الالتفاف على العقوبات الأميركية على إيران، ويوجه الرئيس أنظاره الآن إلى بنك إيش بنك وهو أحد أهم المصارف الخاصة في البلاد.

 



مكايدة سياسية

أمر إردوغان بمصادرة أصول بنك آسيا، ثالث أكبر بنوك تركيا، بغرض الانتقام من عدوه اللدود فتح الله غولن عام 2015، الأمر الذي مهد إلى إعلان إفلاس المصرف، حيث أمر السلطات الأمنية بالقبض على عشرات المساهمين في البنك بتهمة الانتماء إلى جماعة محظورة عام 2014، ووجهت النيابة اتهامات الإضرار باقتصاد الدولة إلى 74 مساهما، بزعم أنهم تخطوا حدود الإقراض المفرط من البنوك التركية وأعادوا ضخها في بنك آسيا، ما أدى إلى زيادة ميزانيته في وقت قصير وبشكل مريب.
خسر البنك في هذه الحملة نحو 301 مليون ليرة خلال الربع الثالث من عام 2014، وانخفضت مؤشراته الرئيسية إلى 41% في 9 أشهر من العام نفسه، ليبدأ مصرف آسيا في الانهيار بتخفيض فروعه من 281 فرعا إلى 200، وتقليص ميزانيته إلى 51%، لتقدر خسائره بـ 876.9 مليون ليرة.
استكمالا لخطة تصفية البنك، أصدر مجلس التنظيم والرقابة المصرفي قراره رقم 6187 في إطار قانون المصارف رقم 5411 بوضع 63% من حصة البنك تحت تصرف صندوق التأمين على الودائع والمدخرات ليخسر 489 مليون ليرة في 9 أشهر، وأعقبه قرار جديد بفرض السيطرة الكاملة على البنك، ثم قرار أخير بتعطيل عمله نهائيا عقب مسرحية الانقلاب في يوليو 2016.

 



إلقاء الفشل على البنك المركزي

لم يتوقف توغل إردوغان في البنوك إلى حد الانتقام فقط، ففي 24 يونيو الماضي قبيل الانتخابات الرئاسية قال إنه سيكون أكثر فاعلية في السياسة النقدية للبلاد، مؤكدا أنه يتعين على البنك المركزي أن ينتبه لما يقوله الرئيس ويعمل على أساسه، حسب وكالة بلومبرغ، ما أدى إلى اضطراب الأسواق، ولا تزال أصداء تلك التصريحات تواصل تأثيرها حتى الآن.
قال إردوغان في منتصف سبتمبر الماضي إن التضخم المرتفع في تركيا جاء نتيجة خطوات خاطئة اتخذها البنك المركزي، مشيرا إلى ضرورة خفض أسعار الفائدة، وفور تصريحاته سجلت الليرة تراجعا جديدا خشية سيطرة إردوغان على السياسة النقدية، في المقابل يرى البنك المركزي أن العلاج الناجع للتضخم المتصاعد وانخفاض العملة المحلية هو رفع أسعار الفائدة في البنوك.

 



"هالق" الحكومي يتعرض للضربات

في عام 2013، تورط مدير بنك هالق الحكومي وقتها سليمان أصلان بإيعاز من إردوغان في فضيحة الفساد الكبرى التي كان الرئيس التركي ورجل الأعمال رضا ضراب أهم أبطالها، حيث لعب البنك دورا في معاملات مالية مشبوهة تصب في صالح طهران بالمخالفة للقوانين الدولية.
وأصدرت محكمة أميركية في مايو الماضي حكما بالحبس 32 شهرا على المسؤول التنفيذي السابق في بنك هالق محمد هاقان أتيلا، بسبب دوره في خرق العقوبات المفروضة على إيران.
اتهمت مذكرة الادعاء كلا من رضا ضراب رجل الأعمال التركي الإيراني ومحمد هاقان أتيلا وشركائهما بتأسيس شبكة دولية لغسيل أموال من أجل الالتفاف على العقوبات الأميركية، وأشارت إلى علاقتهما بشركة ماهان للطيران المتهمة بـ "إرسال سلاح ومعدات ومقاتلين إلى أماكن النزاع في كل من سورية والعراق بطرق غير شرعية".



السطو على "إيش بنك"

في سبتمبر الماضي، كشف إردوغان عن نيته الاستيلاء على إرث أتاتورك في "إيش بنك"، وتشكل نحو ثلث رأس مال البنك البالغ 10 مليارات دولار. وقال حينها إن حزبه يجهز تشريعا لتمرير الأمر.
تسببت تصريحات إردوغان في تراجع أسهم البنك في البورصة بنحو 4% من القيمة الأساسية، واعتبرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية سياسات إردوغان الرامية إلى كسر وصية مؤسس الجمهورية التركية أمرا "مقلقا للغاية"، لاسيما للمستثمرين الذين أصبحوا قلقين على أموالهم وأعمالهم في تركيا، ما يقلل فرص أنقرة في جذب الاستثمارات.
اللافت للنظر أنه على الرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعاني منها تركيا، يعمل إردوغان على توريط اقتصاد أنقرة أكثر، ولم يكترث للنتائج التي تترتب على خطاباته العدائية.

تخفيض تصنيف 20 بنكا
سياسات إردوغان الخاطئة بدأت تؤتي ثمارها على الأرض، بعدما أكدت وكالة فيتش الدولية في تقريرها الصادر أوائل أكتوبر الجاري أن الوضع في تركيا سيزداد سوءا نتيجة السياسات الاقتصادية الخاطئة، وخفضت تصنيف 20 بنكا وسط تجاهل حكومة أنقرة لتلك التطورات.
حذرت الوكالة من المخاطر المتزايدة التي تواجه القطاع المصرفي التركي في أعقاب أزمة العملة التي تراجعت نحو 40% أمام الدولار، الأمر الذي ألقى بظلاله على انخفاض تقييم البنوك، فضلا عن ارتفاع نسبة التضخم إلى 40 % حسب صحيفة فايننشال تايمز.
قللت الوكالة المعيار الأول لقياس الجدارة الائتمانية للمصارف لـ 12 بنكا من B+ إلى BB- ومن بينها بنوك آكبانك وايش بنك وجارانتي ويابي كريدي، إضافة إلى بعض البنوك التابعة لإدارة الدولة مثل هالق وزراعات، وهو أسوأ تقدير حصلت عليه هذه البنوك منذ سنوات.
محللون أكدوا أن التصنيف الائتماني أعطى نظرة سيئة للبنوك والمؤسسات الدولية، ما يحرم هذه البنوك من قروض كثيرة في حاجة إليها، كانت تعول في الحصول عليها من مؤسسات الائتمان الخارجية.

Qatalah