يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"اقتل، أحرق، دمر".. كانت رسالة واضحة للجنود من وزير الداخلية التركي طلعت باشا، في العمليات الوحشية ضد الشعوب المسيحية من آشوريين وأرمن ويونانيين، لتبدأ على إثرها أكبر سلسلة مذابح في القرن العشرين، قتل فيها مئات الآلاف من الرجال، واغتصبت عشرات الآلاف من النساء، ما يعرفه العالم اليوم باسم "مذابح سيفو".

500 ألف قتيل من الآشوريين انضموا إلى سجل الأتراك الحافل بالمذابح البربرية بحق الشعوب الأخرى، فمنذ ظهر الأتراك في التاريخ الإسلامي سيطر القتل والدمار وغابت صورة الدين الحنيف والتسامح، وحديثا لم يتوقفوا عن إجرامهم فها هو رجب إردوغان وريث التاريخ العثماني المخزي، يسلح الميليشيات الإرهابية في العراق وسورية لتكتمل الإبادة العرقية بحق السريان التي بدأها أجداده.

 

شاهد على الوحشية

ينحدر الآشوريون من عرقية سامية مسيحية، تعود أصولها إلى الحضارة الآشورية في العراق، وتسكن شمال العراق وسورية وتركيا وإيران. وكانت مناطق إقامتهم خاضعة للدولة العثمانية إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.

قدم الآشوريون الكثير للحضارة الإسلامية، فقد كان لهم السبق في ترجمة المؤلفات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما أسهم في إثراء وإبداع الحضارة الإسلامية، وقابلهم العرب بالتقدير والتسامح. إلا أن هذا التسامح زال مع دخول الأتراك التاريخ الإسلامي، وقيام دولهم في آسيا الوسطى والبلدان العربية، التي تميزت بالوحشية بحق جميع الشعوب غير التركية.

واتباعاً لسياسة الأتراك في محاربة العلم، ونشر الجهل والخرافة، أغلقت الإدارة العثمانية في ديار بكر المدارس السريانية عام 1884، تمهيداً للتخلص من الشعب السرياني وهو ما بدأ في عام 1895 بمذابح "طور عابدين" ومدن أورفه وماردين، والتي قضت على أغلب السكان المسيحيين، وفق دراسات الباحث في الشؤون الآشورية جميل حنا، وكتاب "تاريخ الأقليات في المشرق العربي" ليوسف الكيال.

 

أكبر سلسلة مذابح

استغلت الحكومة التركية الحرب العالمية الأولى في فرض سياستها الشوفينية، مقررة إبادة جميع الأعراق غير التركية، وإبادة المسيحيين، وبدأ ذلك في صيف 1915م بإعلان وزير الداخلية طلعت باشا عن نوايا الباب العالي "استغلال الحرب العالمية من أجل التخلص نهائيا من الأعداء الداخليين (المسيحيين) ومنهم الشعب الآشوري"، يقول جميل حنا في دراسته "مذابح إبادة الآشوريين في هكاري"

وكانت الأوامر الصادرة من طلعت باشا للجيش التركي في ديار بكر تتضمن: "احرق - اقتل - دمر". لتبدأ أكبر سلسلة من المذابح في القرن العشرين بحق السكان المسيحيين، إذ طالت الآشوريين والأرمن واليونانيين. فتم قتل الآلاف واغتصاب النساء ونهب الممتلكات.

 

كانت المذابح على عدة جبهات في داخل تركيا وخارجها، ففي العام السابق أعلنت تركيا الحرب على روسيا في أحداث الحرب العالمية الأولى، وشنت هجوماً على منطقة أورميا الخاضعة للسيادة الروسية، والتي يقطنها الآشوريون، وانسحب الجيش الروسي، فوقعت المنطقة بيد الأتراك، الذين طبقوا سياسة التطهير العرقي بحق الآشوريين، وشملت ممارساتهم: القتل الممنهج، التعذيب البدني، اغتصاب النساء، واستعباد النساء في العمل، كما ذكرت مراسلات البعثات التبشيرية الأميركية في المنطقة، والتي نقلها كتاب "المسألة الآشورية" للمؤلف جوزيف يعقوب.

وجاء في إحدى المذكرات: لقد عشنا طويلاً في وادي الموت مع المرضى، الجياع المحتضرين، مع الأجساد الصغيرة المغطاة بالثياب الرديئة، الجثث المنتشرة، النحيب الذي لا يتوقف، وعيون الباكين التي لا تجف.

ولم تكف التوابيت لدفن القتلى، فحفر الآشوريون الخنادق لدفن موتاهم بشكل جماعي. وفي قرية "سلامس" طلب الحاكم التركي من السكان الحضور للتوقيع على شهادات تفيد بتلقيهم معاملة كريمة، ووعدهم بالأمان، إلا أن تلك كانت خدعة من الأتراك لحصر الآشوريين، وكان عددهم 725 فرداً، فتم تقييدهم في مجموعات، ونقلهم ليلاً للحقول، حيث تم قتل البعض، وتقطيع الآخرين إلى أشلاء، كما ذكر الكتاب السابق.

وفي بلدة "سلماس" جمع العثمانيون قبيل انسحابهم الذكور الآشوريين بحجة إحصائهم، حيث قاموا بقطع رؤوسهم، وفق المرجع السابق.

واستعان الأتراك ببعض القبائل الكردية لتنفيذ عملية التطهير العرقي، وفي إحدى القرى، أوقف بعض الأكراد السكان الآشوريين صفوفاً متراصة، وبدأوا في إطلاق النار عليهم، لمعرفة كم رأساً يمكن للرصاصة أن تخترق.

وذكر الباحث جميل حنا في دراساته تصريحاً من جودت بك والي منطقة "وان" عام 1915 قال فيه: لقد قمنا بتنظيف كامل للمنطقة من الأرمن والآشوريين في أذربيجان.

ووثقت الحكومات الأوروبية والإرساليات المسيحية المذابح، ومنها الوثائق التي صدرت في "الكتاب الأزرق" للحكومة البريطانية، والذي كتب فيه المؤرخ الشهير "أرنولد توينبي": عانى السكان الآشوريون في أورميا من جميع أنواع الوحشية خلال الاحتلال التركي -الكردي للمدينة، كما توفي آلاف اللاجئين الذين فروا حين انسحبت القوات الروسية من المدينة.

وذكر كتاب "المسألة الآشورية" أن عدد القتلى بلغ ما يقرب من 500 ألف قتيل بيد الجيش التركي والميليشيات الكردية المنضوية تحت لوائه.

 

اغتصاب النساء والأطفال

لم تقف مأساة الشعب الآشوري على القتل، فقد تعرضت نساؤهم للاغتصاب الممنهج على يد الجيش التركي والأكراد، وجرى خطف آلاف النساء من القرى، وكان مصير الجميلات منهن الاستعباد الجنسي، والباقيات فُرض عليهن العمل في حياكة ملابس الجيش، وفي آخر المطاف كان القتل مصير أغلبهن.

وتنقل إحدى شهادات البعثة الأميركية في المنطقة بأن النساء والأطفال الذين نجوا من الموت في منطقة منصورية تم أخذهم أسرى. كما أن بعض النساء ألقين بأنفسهن في نهر دجلة هرباً من الاغتصاب.

وذكرت شهادة لإحدى المبشرات العاملات في القسم الطبي في أورميا  بأن الأتراك أقدموا على اغتصاب جميع النساء والفتيات بعد ارتكاب مذبحة بحق الرجال والأطفال، حتى توفيت فتاتان صغيرتان في الثامنة والعاشرة من عمريهما من الوحشية.

 

التعذيب الوحشي

كانت سياسة الأتراك تعتمد التطهير العرقي الكامل، إلا أنهم وجدوا فرصة لتحقيق مكاسب مالية عن طريق فداء حياة بعض الآشوريين بالمال، فقامت الإرساليات التبشيرية بدفع المال الذي بحوزتها لتحرير بعض السكان.

ولكن الابتزاز التركي لم يكن له حدود، فامتلأت السجون بالآشوريين، الذين تعرضوا للتعذيب الوحشي، لابتزاز الأجانب بدفع المال للإفراج عنهم.

وجاء في إحدى الشهادات: علمنا بأن السجناء يتم تعذيبهم من قبل الأتراك بكافة الطرق المتاحة وذلك لأخذ الأموال من عوائلهم.

شكل آخر من الابتزاز تمثل في تجويع السجناء، وإلزام المجمعات التبشيرية بتوفير الخبز لهم، كما فرض الأتراك رسوماً على زيارات العوائل للسجناء.

 

تشوية الدين: اعتناق الإسلام أو القتل

يؤكد تاريخ دخول الترك إلى الإسلام بأنهم لم يفهموا من تعاليمه شيئا، فقد ظلوا على بربريتهم ولم يهذبهم الدين، فكان إسلامهم بهدف اختراق العالم الإسلامي، ونهب خيراته واستعباد سكانه. حتى في توسعاتهم لم يكن نشر الدين هدفاً، فقد هاجموا بلاد المسلمين، وحولوا الجهاد من الدفاع عن الأرض وصد العدوان إلى مهاجمة الشعوب بهدف السلب والنهب.

وبعض هذه السياسات طُبقت بحق السكان الآشوريين، فقد خطفت الميليشيات العاملة مع الأتراك فتاة آشورية من أسرة نبيلة، وعرضوها لكل وسائل الترهيب والترغيب لإجبارها على اعتناق الإسلام. كما سكبوا الزيت على ملابـس أحد القساوسة لأنـه رفض التحول إلى الدين الإسلامي وأشعلوا النـار فيـه، ثـم قـاموا بإطلاق النار عليه بينما كان يركض مشتعلا، وفق كتاب "المسألة الآشورية".

 

الموت جوعاً

كانت القرى الآشورية في سهل أورميا مزدهرة، لكنها تعرضت للنهب والسلب على يد الأتراك وعصابات الكرد الموالية لهم، وكتب القس بول شمعون في مذكراته: خلال أسبوع تم سلب جميع قرى الآشوريين، ولم تنجو أية قرية، لقد سُلب 45 ألف شخص من ممتلكاتهم.

وتسببت الممارسات اللاإنسانية في مجاعة عامة في أورميا، ففر السكان من قراهم، ولجأ من بقي منهم حياً إلى مقرات الإرساليات الغربية، التي لم تجرؤ القوات التركية على اقتحامها، فقد كانت ترفع علم الولايات المتحدة الأميركية.

حاولت الإرساليات إطعام اللاجئين، وتوفير الرعاية الطبية، إلا أن إمكانياتهم كانت محدودة، فانتشر التيفويد بين اللاجئين، وهلك الكثيرون من الجوع والأمراض.

وكتب القس الأميركي أي آلن: لا يمكن وصف المعاناة، توفي أربعة آلاف شخص من المرض والجوع، وقُتل ألف شخص في الاعتداء، وجرى دفن الآلاف بأكثر الطرق وحشية على أيدي القوات التركية النظامية، وعصابة الأكراد تحت إمرتهم، لا أدري متى تنتهي هذه الوحشية .

ولم يسلم اللاجئون من التعذيب التركي، فتم إجبار الإرساليات على تشغيل اللاجئات في حياكة ملابس الجيش التركي.

 

القتل لمن يساعد السريان

جَبن الأتراك عن مهاجمة الإرساليات التي تساعد الآشوريين، إلا أنهم استقووا على من تجرأ على مساعدتهم من المسلمين أو حتى من بعض الأكراد.

ونقل كتاب "المسألة الآشورية" نماذج عديدة لأسر مسلمة حاولت إخفاء جيرانهم المسيحيين، إلا أن الجنود الأتراك هددوهم بالقتل، واقتحموا منازلهم، وخطفوا المسيحيين.

وكتب أحد المبشرين: هنالك بعض الأكراد ممن حاولوا إنقاذ المسيحيين لكن الحكومة لم تسمح بذلك، هذه الكارثة الفظيعة تؤلمني أكثر مما أستطيع أخبارك، والذي يشغلني أكثر من الموت هو مصير الأسرى.

وفي مدينة نصيبين بديار بكر رفض حاكمها نوري باشا دخول الجيش لعلمه بنية ذبح المسيحيين، فما كان من أمر محمد رشيد والي ديار بكر إلا أن أمر باغتياله، واقتحم الجيش المدينة بعدها بأيام، ووقعت مذبحة بالسكاكين.

ولم تتوقف عمليات القتل والاغتصاب والسلب في أورميا وديار بكر والعراق إلا بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وإمعاناً في اضطهاد المسيحيين الآشوريين أعلن القنصل التركي في بغداد عام 1928، أن قانون العفو العام التركي لا يشمل الآشوريين، الذين لن يُسمح لهم تحت أي ظرف بدخول تركيا، وأن من يحاول الدخول سيتعرض للعقاب.

Qatalah