يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أفضل الموت واقفة على أن أعيش جاثية"، بهذه الكلمات أعلنت الصحفية الأمريكية ذات الأصول اللبنانية سيرينا سحيم الحرب ضد طغيان رجب إردوغان، حتى اغتيالها في 17 أكتوبر 2014، قبل أن تبلغ عامها الثلاثين، تاركة خلفها طفلين.

الصحفية سيرينا سحيم كشفت قبل اغتيالها بيومين عن تهديدات من جهاز الاستخبارات التركي، وقالت في حوار مع وكالة "برس تي في": "يتهمونني بالخيانة ويطلبون من الناس تسليمي إلى الشرطة رغم شهادة الجميع ببراءتي، أنا مندهشة من اتهامي بالتجسس، وأفكر في تسليم نفسي لأنني لم أفعل شيئا".

ثم مضت تقول: "منظمة مراسلون بلا حدود تصف تركيا بأنها أكبر سجن للصحفيين في العالم، لذا أنا خائفة قليلا مما يمكن أن يلفقوه لي، أتمنى ألا يحدث لي مكروه مستقبلا، أفترض أنهم سيعتقلونني، لذا أملي هو أن يكون المحامي الخاص بي جيدا حتى يستطيع أن يخرجني في أسرع وقت".

شبهة اغتيال
لم تدرك سحيم أن مخاوفها من الاعتقال كانت أقل بكثير مما يعد لها، وسرعان ما لقيت مصرعها في حادث سيارة شديد الغموض، حامت حوله الكثير من الشبهات، وأشارت أصابع الاتهام إلى تورط إردوغان واستخباراته في اغتيالها، بفضل سجله السييء في قمع الصحفيين وسحق المعارضة.

سحيم كانت من أوائل الصحفيين الذين عملوا بالقرب من الحدود السورية خلال الهجوم الداعشي على مدينة كوباني، ورصدت مرور عناصر التنظيم الإرهابي عبر المنافذ الحدودية التركية وتحت مظلة الاستخبارات التي خصصت لهم سيارات بزعم أنهم يتبعون منظمات دولية.

دعم الإرهابيين
وكالة "جلوبال ريسيرش" الأمريكية أفادت أن سحيم كشفت في أحد تقاريرها عام 2013 دور أنقرة المحوري في دعم الإرهاب في سورية، والتقطت من الداخل التركي صورا لأكثر من 300 سيارة دفع رباعي تقل إرهابيين إلى الأراضي السورية. 

سحيم رصدت شهادات حول استخدام قاعدة إنجرليك الجوية لإرسال الأسلحة جوا إلى الإرهابيين في مخيمات اللاجئين والداخل السوري، فضلا عن رصد تدريبهم في معسكرات تركية تزعم أنقرة باستمرار أنها مخيمات لاجئين وتفرض عليها حراسة من القوات المسلحة.

تورط "سي آي إيه"
"وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) ونظيرتها التركية تعاونتا في مقتل الصحفية سيرينا سحيم"، تحت هذا العنوان كشفت وكالة "سول بارتي" التركية أكتوبر 2014 تفاصيل جديدة حول اغتيال سحيم، ونقلت عن الصحفي الأمريكي رودني مارتن أن "سي آي إيه" متورطة أيضا في القضية.

مارتن أفاد أن الحادث الذي وقع في محافظة شانلي أورفا الحدودية، وفي منطقة سوروتش تحديدا، يثير الريبة باعتباره مدبرا بتعاون المخابرات الأمريكية والتركية، وفي ذلك الوقت كانت إدارة باراك أوباما تتخذ مواقف سلبية تجاه التنظيمات الإرهابية في سورية.

ومضى يقول: "نستطيع أن نجد بصمات (سي آي إيه) في تلك الحوادث المرورية المريبة اعتبارا من عام 1950، ومن المحتمل أن تكون سحيم وجدت أشياء عن علاقة الوكالة الأمريكية مع تنظيم داعش الإرهابي"، مستنكرا صمت واشنطن بعد مقتل الصحفية الحاصلة على الجنسية الأمريكية.

من جهته، اتهم مذيع قناة "روسيا اليوم" أفشين راتانسي الولايات المتحدة وتركيا بالتعاون لاغتيال سحيم، قائلا: "قليل من التقارير الصحيفة التي تكون على غرار التقرير الشجاع الذي أعدته سيرينا، هل كان قتلها لأن قصتها تعرضت لنقاط شائكة تتعلق بتعاون أنقرة مع داعش؟ لماذا التعتيم السياسي على هذا التقرير؟!".

تحت المراقبة
الصحفية الشابة عملت في أنقرة لسنوات بموجب تصريح بالعمل، ونقلت وكالة "أودا تي في" التركية على لسان أحد أصدقائها أن السلطات رفضت تجديد تصريحها بسبب انتقادها لحكومة "العدالة والتنمية"، وأجبرتها على مغادرة البلاد، ثم عادت إلى أنقرة لتغطية أحداث كوباني السورية.

خضعت للتحقيقات من قبل سلطات مطار هاتاي، ووجهت لها أسئلة عن سبب تواجدها في تركيا، فيما أخبرت صديقها بأن أشخاصا مجهولين تتبعوها إلى مقر إقامتها، وجمعوا عنها معلومات، قبل أن يتحروا عن علاقتها مع نزلاء الفندق.

اغتيال ناجح
وكالة "برس تي في" التي عملت سحيم لحسابها نشرت بعد يومين من مقتلها الرواية الرسمية التي تفيد بمقتلها في حادث سيارة في طريق عودتها من مدينة سوروتش بعد رحلة عمل، حيث دهستها ناقلة خرسانة بالقرب من فندق إقامتها.

شقيقة الضحية أفادت في تصريح لقناة "روسيا اليوم" بتضارب الروايات حول مقتلها، وبعد يومين فوجئنا بأنهم وجدوا السيارة والسائق، ووصلتنا صور للشاحنة وهي تصدم سيارة شقيقتي، وظلت تتوالى الصور كل يوم من زوايا مختلفة.

ومضت تقول: "السلطات نقلت كل من سيرينا وقريبتها التي كانت تقود السيارة إلى مشفيين مختلفين، وأفادت حينها أنها نقلت ميتة من حادث الدهس، وبعد ذلك ظهرت تقارير أخرى تؤكد أنها فارقت الحياة بعد نحو 30 دقيقة من نقلها إلى المشفى إثر أزمة قلبية".

ضد مجهول
المعلومات التي انفردت بها سيرينا سحيم حول دور الاستخبارات التركية في دعم الإرهاب في سورية، تأكدت بعدما نشر الصحفي إرين أردم تحقيقه عن توقيف شاحنات تابعة للاستخبارات التركية بالقرب من الحدود السورية، كانت تهرب الأسلحة إلى الإرهابيين.

قضية شاحنات الاستخبارات أثارت أزمة داخل الدوائر الرسمية التركية منذ نحو 3 سنوات، وندد رئيس الوزراء حينها أحمد داود أوغلو بنشر صور وفيديوهات تفضح دور أنقرة في تخريب سورية.

الاستخبارات حاولت إخفاء الأسلحة المهربة بين حمولات الدواء والمواد الغذائية، بحجة أنها قافلات إغاثة إنسانية، فيما واصل إردوغان التنصل من الجريمة، حتى جرى تسريب مكالمة هاتفية لمرشح "العدالة والتنمية" ياسين أكتاي، فضحت دور أنقرة الحقيقي في سورية.

رغم انكشاف خيوط القضية، يرفض إردوغان فتح التحقيق فيها، بعد أن سارع بتسجيلها ضد مجهول، في محاولة لطمس واحدة من أبشع جرائمه بحق الصحفيين والصحافة الحرة.

Qatalah