يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم تشهد الصحافة التركية في كل تاريخها ما تشهده اليوم من تضييق وملاحقة واضطهاد للصحافيين، حيث أصبحت حرية الرأي جريمة يعاقب عليها قانون إردوغان، وأصبح انتقاد الرئيس أو حكومته أو حزبه سببا كافيا لاتهام الصحافي بالإرهاب.
في عهد إردوغان باتت مصائر الصحافيين الأتراك متأرجحة بين السجون التي أصبحت مكانا طبيعيا ينتظر أي صحافي يكشف حقيقة الفساد الذي أغرق البلاد، وبين المنفى، الذي لا يقل وحشة عن زنزانات إردوغان.

الصحافية التركية أرزو يلدز (39 عامًا) واحدة ممن اختاروا المنفى للهروب من زنزانات إردوغان، فوجدوا أنفسهم في سجن أخر، وشقاء لا ينتهي.
لم تتخيل يلدز أن سبقًا صحافيًا حققته سنة 2014، سيجلب عليها شقاءً لا حدود له، بدءًا من وقف عملها الصحافي، مرورًا بفقدانها منزلها، وانتهاءً إلى انفصالها عن عائلتها وحرمانها من طفلتيها.

عملت يلدز في موقع (تي 24) الإخباري التركي، وكانت أول صحافية تتحدث عن قيام المدعين المحليين في جنوب تركيا باعتراض قافلة شاحنات تركية تحمل على متنها أسلحة متوجهة إلى سورية.

وفي الوقت الذي كان ينكر فيه إردوغان إرسال أي مساعدات للمتمردين الذين يقاتلون حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، جاء هذا السبق الصحافي ليفضح أكاذيب الخليفة العثمانلي، ويضع حكومته في موقف شديد الحرج. حيث نشرت يلدز في مايو 2015 جانبا من جلسة كان يحاكم فيها أربعة من ممثلي الادعاء العام، أمروا بتفتيش شاحنات تابعة لجهاز المخابرات التركي (أم.آي.تي) بينما كانت في طريقها إلى سورية في 2014.

وكان تفتيش الشاحنات مسألة حساسة للغاية بالنسبة للرئيس رجب إردوغان والحكومة. وقال إردوغان إن تفتيشها وجانبا من تغطية وسائل الإعلام لما حدث، جزء من مؤامرة حاكها خصومه السياسيون لتقويضه وإحراج تركيا.
وقامت بعدها حكومة إردوغان بمقاضاة يلدز. وفي مايو عام 2016، حُكم عليها بالسجن لمدة 20 شهرًا، وتم تجريدها من الوصاية على طفليها الصغيرين، بعد إدانتها بانتهاك سرية قضية منظورة في محكمة.

خريف الصحافة
بعد حادثة سجن الصحافية المذكورة، شهدت الصحافة التركية خريفًا قارسًا هو الأسوأ في تاريخ الجمهورية، التي يخيم عليها مناخ سياسي دامس يسوء يومًا بعد آخر. 

استغل إردوغان مسرحية المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016، للانقضاض على قلاع الحرية في البلاد، وقبض الدولة بقبضة حديدية، ليقضي على كل خصومه ومعارضيه.

في أعقاب المسرحية الانقلابية أمر إردوغان باعتقال عشرات الآلاف من الجنود والعاملين بالحكومة، كما أغلق جميع المنابر الإعلامية التي كانت تنتقده واعتقل أكثر من 300 صحافي. 

انتقام الديكتاتور
أجرى موقع "جلوبال جورنالست" حوارًا مع طريدة الديكتاتور التركي، تحدثت فيه عن مأساتها منذ نشرت سبقها الصحافي، وقالت إن قوات الأمن التركية داهمت منزلها للقبض عليها، بعد يومين فقط من مسرحية المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016، الذي اتخذها إردوغان ذريعة لاعتقال كل من ينتقد سياساته، غير أنها  نجحت في الهروب بابنتيها أمينة (7 سنوات) والرضيعة زهرة. 

تقول يلدز إن الكثير ممن اعتقلوا تعرضوا للتعذيب ولم يكن أحد ليكتب عن ذلك، لكني نجحت في الهرب. 
عاشت يلدز مع طفلتيها في سرية داخل غرفة صغيرة لمدة خمسة أشهر؛ خوفًا من ملاحقة زبانية إردوغان، الذين كانوا يطوفون أرجاء البلاد بحثًا عنها، لفضحها مؤامرات الخليفة العثمانلي في سورية.
وعن هذه الأوقات العصيبة، تذكر يلدز أنها لم تستطع الاستمرار في العيش داخل تلك الغرفة، وبدأت تعاني من ضغوط نفسية شديدة، نتيجة الأخطار المحدقة بها، وكانت تصاب بالهلع في كل مرة يطرق أحدهم الباب.

منفى اضطراري 
في نوفمبر 2016، اضطرت يلدز إلى ترك طفلتيها مع والديها، وهربت عبر الحدود إلى مخيم للاجئين في اليونان وسرعان ما حصلت على حق اللجوء في كندا وانتقلت للعيش في مدينة تورنتو بمفردها، حيث تعمل في مطعم بيتزا حتى الآن.

وفي عام 2018، التحقت بها ابنتها الكبرى أمينة لكن طفلتها الأخرى زهرة -التي تبلغ من العمر الآن 3 أعوام - مازالت في تركيا. وتصف يلدز حرمانها من طفلتها الصغيرة بأنه أكبر كلفة تحملتها حتى الآن بعد خسارة وظيفتها ومنزلها والابتعاد القسري عن عائلتها، حيث إنها لا تتمكن من التواصل مع ابنتها ووالديها بأية طريقة، ولا عن طريق الهاتف. 

والدة يلدز سيدة مسنة تبلغ 73 عامًا، لذا فهي تخشى من احتمالية عدم رؤيتها مجددًا. وتقول يلدز حول هذا الأمر " البعض نصحني أن "التقيهم في دولة أخرى"، يعتقدون أنني ثرية للغاية، لكنني لا أستطيع الذهاب حتى إلى العاصمة الكندية حاليا لأنني أعمل بوظيفتين أسدد من خلالهما فقط إيجار المسكن". 

وأضافت: لقد تضررت عائلتي بأجيالها الثلاثة. تسألني ابنتي الكبرى، التي تقيم معي، دائما عن سبب انفصالنا عن جديها. يعتبر أطفالي جدتهم بمثابة والدتهم".

رقابة صارمة
بعدما أنهت يلدز دراستها، عملت مراسلة قضائية لفترة طويلة. وكانت تقوم بإعداد التقارير عن الشرطة والنظام القضائي التركي. في ذلك الحين لم تكن تعير أي اهتمام على الإطلاق للسياسة أو الحكومة، بل كان جل تركيزها فقط على العدالة، التي بدأت تشهد أفولها مع صعود العثمانيين الجدد بزعامة إردوغان إلى سدة الحكم في أنقرة.

عملت يلدز لدى صحيفة "طرف" الليبرالية المعارضة، لمدة خمسة أعوام. ثم حاولت بعدها ممارسة الصحافة بشكل مستقل من خلال العمل لدى موقع (تي 24) الإخباري التركي لمدة عامين.

انضمت يلدز كذلك  لفريق تحرير صحيفة "تركيا" لمدة شهرين، وهي صحيفة مقربة من حزب إردوغان. بيد أن الرقابة الصارمة التي كانت تفرضها الصحيفة على أخبارها، سرعان ما دفعتها لتقديم استقالتها. وفي ذلك الحين كانت يلدز تدرس القانون أثناء ممارستها مهنة الصحافة، وكانت تقرأ بشغف عن القانون التركي ونظم العدالة في العالم.
دراسة يلدز للقانون بجانب عملها الصحافي كمحررة قضائية، جعلها قريبة للغاية من دائرة السلطة القضائية التركية في عهد إردوغان، واستطاعت رصد الخلل الكبير في هذه المنظومة الموالية لإردوغان، ووصفتها في تصريحات لـ جلوبال جورنالست، بأنها لا يمكن الوثوق بها.

وقالت يلدز: كان هدفي كصحافية هو السعي وراء الحقيقة، لا نهدف كصحافيين لأن نصبح أبطالا أو مشاهير، لسنا فنانين أو مطربين، إننا صحافيون والهدف من تلك المهنة هو معرفة الحقائق، لذا كانت مشكلتي في تركيا هي البيروقراطية، لم أثق بالساسة ولا بالقضاة الأتراك، ففي تركيا، لا يثق الشعب بالنظام القضائي.


 
سجن كبير
تحتل تركيا المرتبة الأولى عالميًا في سجن الصحافيين، وتلقب بـ "أكبر سجن للصحافيين في العالم"، في ظل إصرار نظام إردوغان على بقاء أكثر من 140 صحافيا رهن الاعتقال، بتهم مفبركة ومعدة سلفا.
 
وفقا لبيانات نقابة الصحافيين الأتراك، فإنه تزامنا مع الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 مايو الماضي، يقبع في السجون التركية 142 صحافيًا.
 
تقرير "منظمة هيومان رايتس ووتش" السنوي، الصادر مطلع 2019،  فضح المستوى المتراجع لحرية الإعلام في تركيا، مشيرًا إلى أن الإعلام التركي يفتقر لأدنى درجات الاستقلالية والحرية، وأن أغلب الصحف والقنوات تحولت لمساندة الحكومة حفاظًا على بقائها، فيما تصدر الأحكام القضائية بحق صحافيين بدوافع سياسية، بينما  أدلة الإدانة مجرد تقارير مهنية لا تدعو للعنف، ولكنها لا تتوافق مع هوى السلطة.
 

 

Qatalah