يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في زيارته الأخيرة إلى لبنان، 23 أغسطس الجاري، لم يخف مندوب الرئيس التركي رجب إردوغان، وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أطماع بلاده في البلد العربي، إذ بدت في صدارة اهتماماته مطالب تفعيل اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين البلدين في عام 2010، والتي تلقى اعتراضًا كبيرًا بين اللبنانيين، ولم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن. 

أوغلو التقى خلال الزيارة بالرئيس اللبناني ميشال عون، ورئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، و بوزيري الخارجية جبران باسيل، والصناعة وائل أبو فاعور، وبرئيس مجلس النواب نبيه بري، وبعدد من كبار رجال الأعمال وممثلي المنظمات الأهلية والأكاديميين.

دبلوماسي بدرجة سمسار
الاستفادة التركية ماليًا من لبنان كانت على رأس اهتمامات الدبلوماسي التركي، الذي أكد حرص بلاده على "الاستثمار في لبنان"، خاصة في مشاريع البنى التحتية، التي تم الحديث عنها في "مؤتمر سيدر" الاقتصادي الدولي، 6 أبريل 2018، بالعاصمة الفرنسية باريس بمشاركة 50 دولة بهدف دعم اقتصاد لبنان، وبلغت القروض المالية من الدول المانحة خلاله نحو 12 مليار دولار.

الخارجية التركية قالت إن اللقاء بين جاويش أوغلو والمسؤولين اللبنانيين تم خلاله "الاتفاق على تفعيل اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين البلدين، وترتيب عقد اجتماع قريب للجنة الوزارية العليا اللبنانية التركية المشتركة". ونبهت إلى أن سعد الحريري وقع الخميس الماضي مرسومًا يقضي برفع الحظر المفروض على استيراد بعض المنتجات التركية إلى لبنان.

لبنان وقعت مع تركيا اتفاقية للتعاون التجاري والاقتصادي والصناعي والتقني والعلمي في 10 أكتوبر 1991 نصّت على توسيع نطاق السلع المتبادلة والإلغاء التدريجي للمعلومات الإدارية والمالية وتسديد المدفوعات بعملات قابلة للتحويل، لكن هذه الاتفاقية لم ترض طموحات إردوغان الراغب في أرباح أكبر للشركات التركية، فعمل على توقيع اتفاقية أشمل لاقت اعتراضَا واسعًا بين اللبنانيين.

قبل توقيع الاتفاقية، رفض وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني محمد الصفدي مرافقة رئيس الحكومة سعد الحريري في زيارته إلى تركيا لمعرفته أن الزيارة قد يتم خلالها توقيع اتفاقية التجارة الحرة، معترضًا على توقيعها حماية للصناع والمزارعين في لبنان.

بعد هذه الزيارة، قام إردوغان بزيارة إلى لبنان تم خلالها توقيع الاتفاقية في 24 نوفمبر 2010، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ، واشترطت بنودها موافقة مجلس النواب اللبناني عليها، وهو ما لم يحدث حتى الآن، ومن يومها لم تتوقف المطالبات التركية بتفعيلها أملًا في فتح الباب اللبناني على مصراعيه أمام الواردات التركية، ما يحقق أرباحًا بمئات الملايين من الدولارات للشركات المقربة من إردوغان.

السعي وراء تحقيق أرباح مهولة من جراء هذه الاتفاقية هو ما جعل وزير الخارجية التركي يبدو خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت سمسارًا أو تاجرًا أكثر منه دبلوماسيًا، مع حرصه الشديد على تفعيل اتفاقية تجارية منوط بها في الأساس وزراء الملف الاقتصادي. 

الاتفاقية غير المفعلة تفيد بالأساس الشركات التركية التي نصت على "إقامة منطقة تجارة حرة بين لبنان وتركيا بهدف زيادة التعاون الاقتصادي وتعزيزه بين البلدين وإلى رفع مستوى معيشة الشعبين"، غير أنها كانت تصب في صالح شركات أنقرة. 

صادرات تركيا إلى لبنان تقترب من حاجز المليار دولار، إذ سجلت في العام 2017  نحو 777 مليونا في حين وصلت صادرات لبنان إلى تركيا إلى 120 مليون دولار فقط، وفي حال تم تفعيل الاتفاقية التي تخفف من الرسوم الجمركية المفروضة على سلع أنقرة فإن مقدار مبيعات الشركات التركية إلى لبنان قد يتجاوز المليار دولار بكثير. 

الاتفاقية تنص على "إزالة الحواجز والقيود الخاصة بتجارة السلع وتنمية علاقات اقتصادية متكافئة بين الطرفين وذلك من خلال زيادة التبادل التجاري بينهما وتوفير ظروف عادلة للمنافسة في التجارة بينهما".

اللبنانيون ضحايا
الجيش اللبناني أكد عبر موقعه الرسمي على الإنترنت خطورة الاتفاقية على اللبنانيين، مشيرًا إلى أنها تؤدي إلى "إلغاء مصانع الألبسة والجلود والصناعات الغذائية والورقيات"، كما أنها لا تصب في صالح الشركات والمصانع اللبنانية المتضررة من المنافسة غير المتكافئة مع السلع التركية المدعومة.

الاتفاقية نصت على "تخفيض التعريفات الجمركية المفروضة على الجميع، وبالأخص تلك الناتجة عن المفاوضات حول التعريفة في منظّمة التجارة العالمية أو عند انضمام لبنان إلى تلك المنظمة، ويتم تثبيت هذه الرسوم المخفّضة المطبقة فعليًا وتحلّ محل الرسوم الأساسية المشار إليها إعتباراً من تاريخ تطبيق هذه التخفيضات".

المزارعون والصناع في لبنان أكدوا مخاوفهم من إجحاف الاتفاقية بحقّهم، خصوصًا أن تركيا تدعم القطاع الصناعي لديها، مؤكدين أن أكثر القطاعات تضرّرًا هي مصانع الألبسة والجلود والصناعات الغذائية والورقية.

الجيش اللبناني أكد أن "الصناعة اللبنانية ستعاني جراء تلك الاتفاقية من اشتداد ضغط تدفّق السلع الصناعية التركية وزيادة حدة المنافسة في السوق اللبناني. لذلك فإن تقوية القدرات التنافسية للصناعة أصبحت حاجة ملحة لمنع انهيارها".

ومن النتائج المباشرة لهذه المنافسة دفع المؤسسات والفروع الضعيفة إلى الإفلاس وإغلاق أبوابها وتسريح عمالها، مما يزيد من نسبة البطالة ويساهم في تراجع الدخل والناتج الوطني، وفق تأكيد موقع الجيش اللبناني.

الأردن نموذجًا
وفي الوقت الذي قد تنزلق فيه لبنان إلى مستنقع اتفاقيات التجارة الحركة مع حكومة إردوغان المستفيد الأول من هذه الاتفاقيات مع الدول العربية، فإن هناك دولًا تفطنت إلى أطماع الرئيس التركي من وراء هذه الاتفاقيات وألغتها، ومنها سورية في العام 2011 والمغرب، وكذلك الأردن .

في مارس 2018 ألغت الحكومة الأردنية اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع تركيا والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2011، بهدف الحفاظ على قطاع الصناعة الأردني الذي يواجه التحديات نتيجة إغلاق المنافذ الحدودية مع الدول المجاورة وانحسار الأسواق التصديرية التقليدية أمام الصادرات المحلية.

وزير الصناعة والتجارة الأردني قال إن قرار إلغاء الاتفاقية يهدف إلى دعم القطاع الصناعي والزراعي والإنتاجي بالبلاد وزيادة قدرته التنافسية في السوق المحلي والأسواق الخارجية، مشددًا على أن القرار "سيجنب القطاع الصناعي المزيد من الآثار السلبية التي لحقت به، في ضوء المنافسة غير المتكافئة التي يتعرض لها من البضائع التركية".

حكومة إردوغان حاولت استباحة الأسواق الأردنية وإغراقها بالسلع التركية ما يؤذي الصناعة المحلية في الأردن، وهو ما فطنت إليه حكومة الأخيرة التي ألغت الاتفاقية، وأكدت أنها "ساهمت في ارتفاع العجز في الميزان التجاري لمصلحة الجانب التركي مع عدم قيام الأخير بإحداث فرق يذكر في حجم التدفقات الاستثمارية التركية للأردن". 

فلسطين متضررة
وفي فلسطين، تستغل حكومة إردوغان اتفاقية التجارة الحرة في إغراق السوق الفلسطيني بالسلع التركية، في مقابل عدم سماحها للسلع العربية بدخول السوق التركي بحرية، ما يؤكد أن المسالة ليست "تجارة حرة"، وإنما "تجارة مقيدة" يستفيد منها رجال إردوغان وشركاته فقط. 

في عام 2004 وقعت حكومة إردوغان الاتفاقية المجحفة مع فلسطين بهدف أن تسهم في زيادة كل طرف صادراته إلى الآخر بما ينعكس على زيادة حجم التبادل التجاري، وتعود الاستفادة على الجانبين، غير أن بنود الاتفاق سمحت فقط لحكومة إردوغان وشركاتها بتحقيق أرباح مهولة، نتيجة تدفق صادراتها بنسب مهولة، في المقابل وضعت العراقيل أمام تصدير المنتجات الفلسطينية إلى تركيا. 

بعد أشهر من توقيع الاتفاقية قفزت الصادرات التركية إلى فلسطين، لتحتل المركز الثاني في قائمة الواردات القادمة للبلاد بنسبة 5%، متضمنة المنتجات التي تصل من أنقرة إلى إسرائيل، وتعيد الأخيرة توريدها إلى الفلسطينيين، على حين حرم الفلسطينيون من تصدير منتجاتهم إلى تركيا.

في مارس من العام الماضي (2018)، كشفت هيئة الإحصاء التركية أن اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة بين تركيا وعدد من الدول ساهمت في رفع حجم تجارتها بنسبة لم تكن متوقعة ولم يحلم إردوغان نفسه بها، حين وصل حزبه إلى السلطة في عام 2002.

أرباح مهولة
الهيئة التركية أكدت زيادة حجم التجارة الخارجية مع فلسطين خلال العقد الماضي بنسبة 337.7 %، مالت هذه النسبة إلى صالح الصادرات التركية التي بلغت بحسب الأرقام المعلنة من الجانب الفلسطيني في عام 2013 نحو 99 % بقيمة 290 مليون دولار، بينما بلغت الصادرات الفلسطينية نحو 3 ملايين دولار فقط في العام ذاته، بنسبة واحد % فقط.

مركز التجارة الفلسطيني "بال تريد" التابع للحكومة نبه في تقرير أعده في عام 2014 إلى العوار الذي شاب اتفاقية التجارة الحرة الموقعة ومنها أنها في حين سلهت كثيرا دخول البضائع التركية إلى الأراضي المحتلة، فإنها زادت الصعوبات أمام وصول المنتجات الفلسطينية إلى الأتراك.

الاتفاقية نصت على أن السلع المعفاة من الرسوم الجمركية تنحصر على السلع الصناعية ولا تشمل السلع الزراعية والأغذية المصنعة، التي يبرع ويتميز فيه الفلسطينيون أصلا، وهو جعل العديد من المنتجات الفلسطينية الزراعية والغذائية تواجه صعوبة في دخول تركيا.

 

 

 

 

 

Qatalah