يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ليس من قبيل الصدفة أن تأتي ولادة جماعة الإخوان الإرهابية على يد مؤسسها حسن البنا سنة 1928 بعد أعوام قليلة من ترنح الدولة العثمانية عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وإلغاء الخلافة رسميا في العام 1924، إذ نادت الجماعة في مهدها بإحياء "خلافة السلاطين"، وسخرت أبواقها لتزوير التاريخ بتمجيد عصورهم ومحو سيرة المذابح التي ارتكبوها في حق شعوب الأرض، حتى آلت الجماعة إلى المصير نفسه، وسقطت سقوطا مدويا في المنطقة، وتحول أبناؤها إلى فلول يعيشون في حضن كبيرهم رجب إردوغان، يزينون له الحلم القديم بعودة الخلافة، وكأنهم سحرة في بلاط الفرعون.
اتخذ الإخوان من العثمانيين قدوة لهم واتبعوا أفكارهم العنصرية ضد الأقليات والمرأة، وتعاملوا بعداء مع الحركات التحررية في بلادهم وهم ينادون - بوهم - إحياء الخلافة العثمانية، بينما استقبلوا رجب إردوغان في مصر عام  2012، عندما دانت لهم السلطة استقبال الفاتحين باعتباره " الخليفة المنتظر".
يرى الباحث محمد عبد القادر خليل، في دراسة بعنوان "تركيا والإخوان.. علاقات أيديولوجية تتجاوز المصالح السياسية"، أن العلاقة بين تركيا وجماعة الإخوان لا تقوم فقط على الروابط القوية التي تجمع النخبة السياسية الحاكمة في تركيا مع مختلف فصائل الإسلام السياسي في المنطقة العربية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، وإنما تجاوزت الإطار السياسي إلى النسق الأيديولوجي الذي يجعل الجانبين ينتميان لتيار عقائدي واحد، منذ أن أقدم نجم الدين أربكان على تأسيس حركة المللي جورش (الرؤية الوطنية) في ستينيات القرن الماضي، والتي تمثل الجناح التركي للإخوان، ومن رحم الحركة خرج العديد من الأحزاب السياسية، ومن بينها "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا.

الإخوان.. فلول العثمانيين
من الثابت تاريخياً أن إلغاء الخلافة العثمانية 1924، كان أهم الأسباب في نشأة جماعة الإخوان المسلمين، وفي كتابه "الانفجار العظيم والفوضى الخلاقة" يقول مصطفى الفقي: إن سقوط دولة الخلافة العثمانية على يد أتاتورك أدى إلى ميلاد "جماعة الإخوان المسلمين" في مصر وتكريس الإسلام السياسي بديلاً لدولة الخلافة المنهارة، فعندما ألغيت الخلافة العثمانية في مارس 1924 كان حسن البنا يعيش عامه الأول في القاهرة التي انتقل إليها للدراسة في دار العلوم، وكان لهذا الحدث رد فعل عميق في نفسه، كما ذكر فؤاد البنا في كتابه "الإخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر".
مجلة الدعوة - لسان حال الجماعة - اعترفت خلال احتفالها بمرور سبعين عاماً على تأسيس الإخوان بأن الجماعة ولدت كرد فعل على سقوط الخلافة، وتمثل ذلك من خلال هدفها الأساسي إعادة الخلافة الإسلامية الضائعة وفق المرجع السابق.
خرج الإخوان من رحم السلاطين، وورثوا جميع مساوئهم، وعملوا على نشرها بين الشعوب العربية، وبدلاً من انخراط الجماعة في الدولة الناشئة في الوطن العربي، راحت تخطط للانقلاب على التجربة الوطنية، وإحلال التجربة العثمانية البائدة محلها.
منذ نشأة الجماعة الإرهابية وحتى يومنا هذا ما زال الجدل قائماً بداخلها حول أهمية وقيمة نظام الخلافة في الدولة الإسلامية، ما جعلها تنظر إلى الدولة القومية الحديثة نظرة شك باعتبارها تخالف النظام الإسلامي، حيث لا تعتقد الجماعة أن أي شكل آخر يمكن أن نطلق عليه إسلامياً سوى الخلافة، في وقت كان القوميون العرب تحت احتلال الدولة العثمانية يخوضون معركة الإصلاح والاستقلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، في حين استمر الإسلاميون يعادون بني جلدتهم، ويزيفون الوعي العربي باسم التبعية للخلافة العثمانية وفق دراسة صادرة عن مركز القدس للدراسات السياسية بعنوان "الإسلام الدولة والمواطنة" .

العلاج بالداء
العجيب أن الحل الذي طرحته جماعة الإخوان كان نفسه الداء الذي ضرب العقل والبدن الإسلامي والعربي في مقتل، باستدعاء فكرة السلطنة التي كانت مكمن الداء ورمز الاستبداد والفساد واستغلال الشعوب باسم الدين، ونضالهم من أجلها.
وضع الأتراك العقبات أمام العرب حين بدأت تجربة الإصلاح الديموقراطي بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني وإجراء انتخابات مجلس النواب، وجاء تمثيل العرب في المجلس هزيلاً مقارنةً بالأتراك، في حين كانت نسبة السكان العرب ثلاثة أضعاف الأتراك.
واظب الأتراك على قمع وبطش الشعوب العربية التي سيطروا على أراضيها، وتعاملوا معهم بدونية واحتقار تخطى مسألة حرمانهم من المشاركة السياسية في بلادهم، إلى استنزاف ثرواتهم واضطهادهم والدخول بهم في حروب لا تخدم إلا مصلحة السلطان.
لم يهتز ضمير حسن البنا لجرائم العثمانيين بحق العرب، لكنه انتفض عندما علم بزوال سلطان أسياده في إسطنبول.
يتهم الباحث إبراهيم غرايبة - في دراسة بعنوان "الديني والسياسي المعاصر-  حسن البنا وجماعة الإخوان بالردة الحضارية عن الفكر الإسلامي الإصلاحي الذي بدأ مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ودأب على نقد الاستبداد، وتبنى الدعوة إلى الحرية، وآمن بأن العدل والحرية يتحققان بالدولة الوطنية، لا بالخلافة التي أصابت الشعوب بالظلم في ذلك الوقت.
تبنى الإخوان رؤية السلطة العثمانية، التي صورت كل حركة إصلاحية على أنها معادية للإسلام، ومدعومة من أوروبا، واتخذ الإخوان نفس الموقف، هاجموا الإصلاحات التي شهدتها مصر منذ إنشاء الدولة الحديثة معتبرين أنها بعيدة عن الإسلام.
سيرا وراء العثمانيين، استغل الإخوان الدين حجة لمعارضة أية خطط إصلاحية تقاوم الاستبداد، ويؤكد فؤاد البنا أن تلك الخطط كانت أحد الدوافع القوية لإخراج جماعة الإخوان للوجود في سبيل مقاومة عودة الإسلام في صورته النقية قبل التشويه والتوظيف العثماني المستبد.

ورثة الاستبداد
أثبتت التجربة العملية للإخوان في الحكم أنهم ورثة الاستبداد العثماني في تركيا الذي يسير فيه الديكتاتور رجب إردوغان على خطى السلطان عبد الحميد، بمصادرة الصحف واعتقال السياسيين، وهو ما حدث في  مصر حين وصلت الجماعة للحكم في 2012 وانقلبت على الدستور كما فعل عبد الحميد عام 1878 تماما.
تمثل طرح الإخوان الساذج لحل أزمات العالم العربي بزعمهم في "تغليب الديني على السياسي"، طمعا في النجاة من المحاسبة على جرائمهم في حق الشأن الديني والسياسي معا، والترويج لذلك المنهج ترغيبا وترهيبا، ما آل في النهاية إلى المناداة بالحكومة الدينية استنادا إلى نظرية الحاكمية، الأشد تطرفا، والتي صاغها كبيرهم سيد قطب قبل إعدامه، حسب الباحث توفيق بن عمر في دراسة بعنوان "في العلاقة بين الديني والسياسي".
ورث الإخوان فكر الدولة العثمانية في السياسة والإدارة والموقف من الآخر، لم يقبل الإخوان بالديموقراطية إلا كرهاً كما فعل أسلافهم العثمانيون، واتخذوها فقط سلما للوصول للسلطة، وترسيخ الاستبداد، أما موقف الإخوان من الحريات والحقوق السياسية فلم يخرج فكان صورة طبق الأصل من موقف الدولة العثمانية، كل منهما لا يؤمن بالحريات، ولا بالحقوق الفردية، ويتشاركان في الدفاع الأعمى عن السلطان عبد الحميد الثاني، الذي اتسم حكمه بالاستبداد، وقمع الإصلاحيين.

اضطهاد المرأة والأقليات
حصرت سلطنة العثمانيين دور المرأة في تلبية شهوات السلاطين والأمراء والوزراء ورجال القصور، وحطت من مكانتها التي أعلى منها الإسلام، ولم يشهد التاريخ العثماني الطويل بروز أسماء لسيدات رائدات في مجال السياسة أو العلوم أو الفنون، بينما حمل لنا قصص المؤامرات في سلطنة الحريم، وعلى نفس الدرب مضى الإخوان الذين انفصلوا ذهنيا عن العصر الذي يعيشون فيه وهم يضطهدون المرأة. 
اعتنق الإخوان عنصرية الجنس التركي، وحددوا وظيفة المرأة في خدمة أعضاء الجماعة الذكور، وتلبية رغباتهم وشهواتهم، ومنحهم الذرية، بينما تنص أدبيات الإخوان على منع المرأة من تولي المناصب الرئيسية في إدارة الدولة، وعلى رأسها الرئاسة، استناداً إلى المنظومة الدينية العثمانية.
وذكرت دراسة "الإسلام: الدولة والمواطنة" أن نظرة جماعة الإخوان إلى المرأة تعود إلى الميراث الفقهي السلطاني، وتتمثل في عدم أهليتها لتولي منصب الخلافة، بجانب منع غير المسلمين من الوصول لمنصب الرئاسة.
ووفق مفاهيم القرون الوسطى حرمت الدولة العثمانية الأقليات من حقوق المواطنة وتعاملت معهم بإذلال وصل إلى حد الاستعباد الفعلي، وتبنى الإخوان المنظومة نفسها في النظرة إلى الأقليات غير المسلمة، بل والمسلمة من خارج الجماعة أيضا.
اتبعت السلطنة العثمانية سياسة الإبادة العرقية بحق الأقليات في فترات عديدة من تاريخها، وطبق الإخوان نفس السياسة بحق سكان دارفور، والجنوب السوداني، حين وصلوا إلى السلطة بانقلاب البشير - الترابي على الحكم الديموقراطي الوليد.
ويرى مصطفى الفقي في كتابه أن حالة الانهيار الثقافي والتفكك السياسي التي عرفتها تركيا العثمانية لا تبدو بعيدة عن حال بعض الدول العربية، حيث يتراجع العلم وتتقدم الخرافة في معظم مجالات الحياة على نحو غير مسبوق، مع محاولة إقحام الإسلام الحنيف في كل مشكلات الحياة اليومية.

المهدي العثماني
رغم ابتعاد تركيا أتاتورك عن المنطقة العربية، إلا أن الإخوان احتفظوا بولائهم للعثمانيين، وظلوا يمهدون الأرض من أجل ظهور المهدي العثماني، فعمدوا إلى تزييف التاريخ بإصدار مئات الكتب التي تمجد في تاريخ العثمانيين، وتهاجم كل من ينقدهم، ووصل الأمر بهم لتأليف كتب تعظيم أسلاف العثمانيين، من القبائل التركية الهمجية كما فعل عبد العزيز الشناوي وراغب السرجاني وعلي الصلابي الذي حاول غسل سمعة العثمانيين الملطخة بالدماء من خلال كتابه "الدولة العثمانية..عوامل النهضة وأسباب السقوط"، حيث تعمد تجاهل جرائم الاحتلال التركي، في مقابل الترويج للحكم العثماني الرشيد، وليس من الصدفة أن يصدر الكتاب مطلع الألفية بالتوازي مع صعود إردوغان السياسي.
نشط الإخوان في ترجمة المؤلفات التركية عن الدولة العثمانية، خاصة في الفترة التي ظهرت فيها الأحزاب الإسلامية على الساحة السياسية التركية، وهي مؤلفات تجمل صورة الدولة العثمانية، وتمول أغلبها من مؤسسات تركية رسمية، منها "الوقف التركي".
ووجد البحث الإخواني عن شخص المهدي التركي غايته في شخص إردوغان، فراحوا يدعون له، ويبشرون بالمستقبل المنتظر على يديه، وعلت دعاوى إحياء الخلافة، في حين راح إردوغان يحيط نفسه بحرس يرتدي الزي العثماني التراثي، ويتبنى أسماء وشعارات قديمة، ووفر كل الدعم لأتباعه في الدول العربية.
عبد القادر خليل يعود فيوضح أن إردوغان يتخذ من الشعارات الدينية منهجا لإعادة صياغة روابط تركيا مع دول العالم العربي، بهدف استعادة ميراث الدولة العثمانية، ليس فقط بالمعنى الروحي عبر إعادة صياغة الصورة الذهنية لتركيا، ووضعها في إطار جديد، وإنما عمليا عن طريق إعادة سيطرته  على أجزاء من الأراضي التي افتقدتها بلاده بعد الحرب العالمية الأولى بدعم مفضوح من وكلاء وعملاء محليين تتحكم فيهم عناصر إخوانية في ميادين ملتهبة بدول الجوار.
اعترفت جماعة الإخوان بأن تركيا تمثل النموذج القابل للاستنساخ، لاسيما في مرحلة ما بعد الثورات العربية، لم يتوقف ذلك عند تأسيس أحزاب تستلهم تجربة العدالة والتنمية على مستوى المسمى الحزبي وحسب، وإنما تتعلق أيضا بشيوع مصطلح الأمة على حساب مفهوم الدولة.
وفي لحظة شهدت هيمنة إخوانية على شؤون الحكم في مصر زار إردوغان القاهرة في 2012 فتعاملت معه الجماعة على أنه "رجب الفاتح"، ما أكد من جديد أنهم فلول للعثمانيين، يعملون من أجل عودتهم، إلا أن أمانيهم لم تكن سوى أضغاث أحلام، فهربوا إليه بعد سقوطهم، ليوظفهم أسوأ توظيف كعملاء يخونون أوطانهم ويوجهون لها الشتائم ليل نهار.

Qatalah