يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لو لم يكن إردوغان يشعر بالضعف، ما كان يقدم على الاتحاد مع حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهتشلي لحسم الانتخابات المقبلة، التحالف الوليد عكس شعورا متناميا داخل الدوائر الرسمية التركية بتناقص رهيب في شعبية الرئيس جراء أزمة اقتصادية طاحنة تقود البلاد إلى المجهول، وانقسامات حادة داخل الحزب الحاكم تمثلت في تصاعد الانتقادات بين أعضائه.

مجلة فورين بوليسي الأمريكية وقفت على حقيقة المشهد الانتخابي الملتبس راصدة العديد من الشواهد التي تدلل على تراجع شعبية إردوغان وحزبه العدالة والتنمية قبل ثلاثة أيام على التصويت الذي سيحدد من يحكم المدن التركية، محذرة من استعداد الحزب الحاكم لتزوير النتائج إذا لم تأت لصالحه. 

خوف متزايد
قالت فورين بوليسي: إن عرض إردوغان للفيديو القبيح لمذبحة مسجد كرايست تشيرتش النيوزيلندي، والتي راح ضحيتها 50 شخصًا، في أكثر من تجمع انتخابي، إلى جانب وضع المعارضة في مرمى اتهاماته المتكررة، يعكس خوف الرئيس التركي من الخسارة المتوقعة في الانتخابات المحلية.

أضافت: تصريحات وزير الداخلية سليمان صويلو بشأن تحدي تركيا المزعوم للولايات المتحدة بغزوها لسورية وهيمنتها على عفرين جاءت لتحقيق نفس هدف إردوغان. 

تابعت: الضرب على أوتار الإسلاموفوبيا الغربية، وخيانة الحزب المعارض الرئيس"حزب الشعب الجمهوري"، ومقاومة الولايات المتحدة تمثل سبلًا ممتازة لحشد الناخبين الأتراك لدعم مرشحي العدالة والتنمية في انتخابات الأحد.

انتخابات مصيرية
الأحد المقبل، يتنافس المرشحون في 81 مدينة و1000 بلدة في انتخابات تكتسب أهمية كبرى لإردوغان وحزبه الحاكم في ضوء أن السيطرة على المدن والبلدات تعني السيطرة على المحسوبية التي تجعل ماكينة العدالة والتنمية مستمرة في الدوران.

المجلة الأمريكية أشارت إلى أن قلق إردوغان تزايد جراء المجموعة الأخيرة من الأنباء الاقتصادية السيئة حيث يعاني الاقتصاد التركي من مرحلة ركود،  حيث بلغ التضخم مستوى 20%، ولامس معدل البطالة 13.5% ويزيد بنسبة 12% بين فئة الشباب، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

قالت:" بالرغم الاقتصاد المتراجع، فإن استعداد حزب العدالة والتنمية لتزوير النتائج، وقدرته على إضعاف مناهضي الحزب، إلى جانب نقص الشجاعة بين المعارضة، عوامل قد ترجح تحقيق الحزب الحاكم فوزا آخر".

مراوغة
يفهم إردوغان بوضوح أن النداءات السياسية التي تعتمد على الهوية ربما تمنحه سلطة السيطرة حتى على الأخبار الاقتصادية السيئة، استغل فيديو مذبحة نيوزيلندا المروع بهدف تكتيكي سياسي رخيص، ما سمح للرئيس بتعزيز الأفكار المرتبطة بتضامن المسلمين، والقيادة التركية، والغرب غير القابل للشفاء، وجميعها تمثل جزءا من الذخيرة السياسية  لحزبه العدالة والتنمية بحسب المجلة الأمريكية.

في الوقت الذي تسبب فيه سوء الإدارة الاقتصادية لحكومة العدالة والتنمية إلى تراجع عسير في قيمة الليرة خلال العام الماضي، توقع محللون أن يلجأ إردوغان إلى صندوق النقد الدولي للمساعدة، فيما قام الرئيس بإلقاء اللوم على عاتق الولايات المتحدة، ولجأ إلى المناشدة الربانية وصبغ الأزمة بفضيلة قومية ودينية لمناهضة منطق الأسواق.

يفسر ذلك- حسب فورين بوليسي- لماذا توجه إردوغان بسؤال إلى الأتراك قبل أقل من أسبوع من انتخابات الأحد قائلا: "لماذا يصمت الغرب؟ لماذا يصمت الإعلام الغربي؟ لأنهم هم من قاموا بإعداد بيان الإرهابي مرتكب هجوم نيوزيلندا وقاموا بتسليمه إليه".

إردوغان حذر النيوزيلنديين والأستراليين من أنهم إذا زاروا تركيا، سوف يعودون في نعوش على غرار أجدادهم في الحرب العالمية الأولى.

حتى لو فشلت مناشدة اردوغان للتصويت على حساب 50 قتيلا مسلما، فإن كافة الأسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن حزب العدالة والتنمية سوف يفعل ما يلزم مهما بلغ الأمر للتيقن من أن النتيجة سوف تصب في صالحه، حسب المجلة الأمريكية. 

التزوير 
النموذج الأكثر حداثة للتزييف الانتخابي على أيدي حزب العدالة والتنمية جاء في أبريل 2017 عندما طُلب من الأتراك الموافقة على التغييرات الدستورية التي تمنح إردوغان صلاحيات جديدة، فعندما أصبح الأمر واضحا أن معسكر "نعم" ربما يخسر، لجأ الحزب وعملاؤه - في انتهاك واضح للتعديلات الانتخابية التي سنها بنفسه- إلى حساب بطاقات اقتراع غير مؤكدة.

في الانتخابات العامة في نوفمبر 2015، في جولة ثانية لانتخابات يونيو 2015 التي لم ترض نتائجها إردوغان، ذكر مراقبون دوليون أن التصويت كان خاليا من المشكلات، لكن حزب العدالة والتنمية ومؤيديه والحكومة كانوا ضالعين في حملة تخويف وعنف ضد المعارضة.

قبل ذلك بعام، اتهمت المعارضة، الحزب الحاكم  بالعبث بنتائج الانتخابات البلدية في أنقرة والتأثير على المنافسة لصالح مرشح العدالة والتنمية.

فورين بوليسي قالت إن  أكثر ما يقلق إردوغان هو خسارة بلديتي أنقرة وإسطنبول لصالح مرشحي المعارضة منصور يافاش وأكرم أغلو وهو ما يفسر اشتداد الانتقادات الموجهة للمرشحين.

أزمة المعارضة
رغم وفرة الموضوعات التي تمكنهم من مهاجمة العدالة والتنمية وعرض مستقبل أفضل للأتراك، إلا أن المجلة الأمريكية أوضحت أن قيادات حزب الشعب الجمهوري مازالوا غير قادرين على رسالة محدددة.

صيف 2017، فجر كمال كيليتشدار أوغلو رئيس الحزب  قضية سياسية رابحة عندما بدأ مسيرة  من أجل العدالة احتجاجا على سجن أحد أعضاء حزبه وصحافي سابق، وبينما شق كيليتشدار أوغلو طريقه من أنقرة إلى إسطنبول، جذب إليه عشرات الآلاف من الأتباع واهتماما إعلاميا ملحوظا.

بعد 25 يوما و280 ميلا، استطاع بنجاح دخول أكبر وأكثر مدن تركيا أهمية سياسية والتي تمثل معقلا لحزب العدالة والتنمية حيث قام بتحية الجمهور. ولكن بعد انفضاض أنصار  كيليتشدار أوغلو، لم يحدث أي شيء.

المجلة الأمريكية أوضحت أنه كان ينبغي أن تكون المسيرة بداية حملة لاستعادة سيادة القانون والإجراءات المستحقة ونهاية للفساد، لكن كليتشدار أوغلو ونوابه لم يستطيعوا إدارة  ذلك الملف حتى بعد النجاح الذي حققته رحلته المضنية الملهمة.

القضية توضح لماذا أصبح حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى أتاتورك حزبا إقليميا يتمركز على ساحل بحر إيجة ولا يستطيع إلا الحصول على نسبة تتراوح من 20 إلى 25% من الدعم القومي الإجمالي.

فيما يتعلق بالأحزاب الأخرى، فإن حزب الخير - حسب المجلة الأمريكية- كان يفترض أن ينقذ تركيا من العدالة والتنمية في الجولة الأخيرة من الانتخابات العامة والرئاسة لكنه حقق أداء أقل من المطلوب حيث لم يفز إلا بـ 43 مقعدا من إجمالي 600 مقعد بالبرلمان التركي.

حزب الشعوب الديمقراطي هو هدف للقمع الحكومي على مدار سنوات، يقبع معظم قياداته في السجون جراء دعم مزعوم للإرهاب في اتهام مسيس من "العدالة والتنمية" نظرا لصعود الحزب من رحم المجتمع الكردي رغم أن قاعدته تتجاوز ذلك حسب المجلة.

الانشقاقات الداخلية
إردوغان وحزب العدالة والتنمية مازالوا إلى الآن يمتازون بالأفضلية على المعارضة داخل دوائرهم الإسلامية، حسب فورين بوليسي التي كشفت أنباء تتردد مؤخرًا بشأن عزم الرئيس السابق عبدالله جول الخروج من فترة تقاعده لتحدي الرئيس التركي ما هي إلا شائعات تعلم الأتراك عدم تصديقها.

أضافت:  الأنباء التي تشير إلى ميلاد حزب جديد من رحم العدالة والتنمية بقيادة أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية ورئيس الوزراء السابق، وعلي باباجان، نائب رئيس الوزراء السابق ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق ربما تمثل أنباء جيدة للناخبين الأتراك حال صحتها.

 ما تراه المجلة الأمريكية مشكلة هو أن أحمد داود أوغلو ورفقاءه لن يفعلوا أي شيء حتى رؤية نتائج الانتخابات المحلية، ما يعني أنه إذا فاز نظام العدالة والتنمية حتى ولو بهامش ضئيل، فالحزب الوليد سيتم وأده في المهد.

 استطلاعات الرأي تُظهر تراجع أسهم الرئيس التركي بنسبة 10% قبل أسبوع من الانتخابات، ولهذا فإن الرهان على خسارة حزب العدالة والتنمية أمر مغر، حيث يتوقع الخبراء أن الحزب سوف  ينال قصاصه العادل، أو أنه سيعاني من الانقسام في أعقاب انتخابات الأحد.

موقف إردوغان يبدو أضعف من أي فترة أخرى خلال آخر 17 عاما، لكن المجلة حذرت من أن ذلك لا يعني أنه في وضع خطير حيث يسيطر هو وحزبه العدالة والتنمية على تركيا على مدار عقدين من الزمان، ونتيجة لذلك، فهم يبسطون سيطرتهم على الصحافة وموارد الدولة والعملية السياسية على كافة مستوياتها.

 

Qatalah