يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


فردٌ واحدٌ يسوق دولة، يحدد سياستها الاقتصادية، وعلاقاتها الخارجية، حسب أجندته الشخصية، ويختار ممن حوله من يجدهم الأجدر بتنفيذ تطلعاته وقراراته وأفكاره، ومن يرى فيهم الإخلاص له، ولمشروعه.. هذه الدولة هي تركيا، وهذا الرجل، هو رئيسها، رجب إردوغان.

منذ تولى رئاسة الوزراء في مارس 2003، وصارت سياسة تركيا تجسيدًا لسياسة إردوغان، البلد تسير كما يريد هو، ولأنه طامع منذ صغره في إحياء الدولة العثمانية المقبورة، صار يستغل إمكانات دولته في سبيل تحقيق أطماعه، ويجنّد من رجالها من يكونوا وكلاءه في تنفيذها، عبر سياسة قائمة على الانتهازية والعدوانية وتجنيد الإرهابيين.

فولكان بوزكير، واحد ممن اختارهم إردوغان ليكونوا أدواته في تنفيذ أجندته العدوانية، يتحدث بنفس منطق سيده، ويردد نفس أكاذيبه ومبرراته، ويجيب بنفس ضلالاته، في قدرة كبيرة على الإنكار وتزييف الواقع، وتغيير المواقف.

بوزكير ينكر الإبادة العثمانية للأرمن، كما يفعل سيده، حيث قال في حوار تلفزيوني في 23 أبريل 2015، إن التاريخ العثماني لا يحتوي على ما يشعر الأتراك بالخجل، زاعمًا أن الأرمن أنفسهم هم السبب وراء قتل ما يزيد على 1.5 مليون منهم، بدعوى أنهم بدأوا بالعنف، في فترة نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ضد الأتراك والأكراد.

رجل إردوغان يشغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركي، وهو المسؤول الأول عن تمرير اتفاقات حكومة العدالة والتنمية بالبرلمان، كما أنه أحد أهم مفاوضي إردوغان مع دول الاتحاد الأوروبي، حيث سبق أن شغل منصب وزير الشؤون الأوروبية، ثم صار أخيرا يخدم تطلعات إردوغان شرقاً عبر لقاءاته في دول مثل بيلاروسيا وروسيا وإيران، وكان عنصرا فاعلا فيما يخص صفقة الصواريخ الدفاعية الروسية S-400.

المتابع لبوزكير يجد أنه يجسد تحولات السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، وابتزازه للدول الأوروبية، كما يمثل العنترية والتهديدات الجوفاء والتي تكشف عجز النظام السياسي، وفشلها تجاه تلك القضايا، كما أنه عصا إردوغان في البرلمان، يقود بها قطيع المؤيدين وينسق حركتهم.

مناصب عديدة 
حسب صحيفة سوزجو عام 2014، ولد بوزكير الذي يجيد الإنجليزية والفرنسية في أنقرة عام 1950، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة أنقرة عام 1971، ليبدأ عمله في أروقة وزارة الخارجية وسفارتها بدءا من عام 1972، حيث عين معاوناً في القنصلية التركية بشتوتجارت، وكاتباً في سفارة تركيا ببغداد.
 
عمله السياسي بدأ مع تعيينه مستشاراً لرئيس الوزراء السابق تورجوت أوزال في الفترة من 1987-1989، لينتقل في عام 1992 إلى سفارة تركيا بنيويورك، وفي الأعوام 2000-2003 عين مساعد السكرتير العام للشؤون السياسية بالاتحاد الأوروبي، وحتى عام 2005 كان مستشاراً مساعداً في وزارة الخارجية، ليصبح سفيراً في هيئة التمثيل الدائم التركية بالاتحاد الأوروبي، ومن عام 2009 شغل منصباً في الأمانة العامة للاتحاد الأوروبي.

في 2011، استقال بوزكير من منصبه بالاتحاد الأوروبي ليخوض انتخابات البرلمان عن حزب العدالة والتنمية بالدائرة الثانية بإسطنبول، ويصبح نائباً بالبرلمان ويتولى رئاسة لجنة الشؤون الخارجية، وفي 2014 شغل منصب وزير الشؤون الأوروبية، وبين يديه ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي، في حكومة أحمد داود أوغلو، وظل بها حتى 2016.

خارج على القانون
حسب صحيفة ماي نت عام 2015، وعلى خلفية إحدى جرائم القتل، نادى بوزكير بإعادة عقوبة الإعدام، التي ألغت تركيا العمل بها منذ 2000، وقال إنه إذا كان ضحية لإحدى هذه الجرائم، أو أي من أفراد عائلته، لن يسكت، وسوف يستخدم السلاح ليأخذ حقه بعيداً عن الدولة.
 
بوزكير تحدث محرضاً أهالي الضحية قائلاً: "لو حدث هذا لابنتي، لحملت السلاح وأخذت حقي بيدي"، أكمل بوزكير منتقداً "أرى أن عقوبة السجن المؤبد كأقصى عقوبة للقتل في القانون لابد أن تتغير، وتحل محلها عقوبة الإعدام".

ابتزاز الاتحاد الأوروبي
حسب صحيفة يني شفق عام 2015، رفض برلمان الاتحاد الأوروبي بأغلبية 452 من 653 فتح ملف الحريات في تركيا للمناقشة، كجزء من مناقشة ملف الطلب التركي بالانضمام للاتحاد، مستندين في ذلك إلى عدم محاربة تركيا لداعش، ولتعاونها النووي مع روسيا في مفاعل أكويو، وعدم انسحابها من قبرص، وعدم الالتزام بتسليم منطقة مراش في شمال قبرص للأمم المتحدة، كما هو متفق عليه.

التقرير الأوروبي اتهم حكومة أنقرة بالتقاعس في مجال حقوق الإنسان والحريات، حينها هدد بوزكير بإلغاء كافة اتفاقيات الهجرة مع الاتحاد الأوروبي، حيث قال: "في تلك الحالة كل الاتفاقات التي عقدناها معاً في خطر"، كانت تركيا حققت 22 شرطا من بين 72 مطلوبين منها، وهو ما رد عليه إردوغان بقوله: "أنتم في طريقكم ونحن في طريقنا".

بوزكير صار يجسد سياسة الابتزاز التي تتبعها أنقرة ضد أوروبا، من خلال استخدام ورقة الإرهاب، فحسب صحيفة سانديكا عام 2016، هدد بوزكير بأن تركيا تمنع أكثر من 37 ألفاً من داعش من دخول أراضيها، وبينهم أكثر من 3 آلاف من حاملي الجنسيات الأوروبية، وقال إن هؤلاء يمرون بعيداً عن المنافذ الحدودية ويمكن أن يعودوا إلى أوروبا بنفس الطريقة.

"لا يوجد لدينا حقوق إنسان أو ديمقراطية، فقط مواطنونا يتنفسون هواءً نظيفاً ويشربون ماءً نقياً، ولا مشكلة لديهم في توفير الطعام والوظائف متاحة، فما الذي سيضيفه الانضمام للاتحاد الأوروبي في هذا الأمر!"، هكذا تحدث بوزكير، كما نقلت عنه صحيفة ميللي جازيتي.

التنقيب عن الغاز في قبرص
بوزكير من أهم العناصر التي اعتمدت عليها أنقرة لتحقيق أهدافها بالسيطرة على نفط المتوسط، فحسب صحيفة إنرجي بورتال عام 2018، قاد بوزكير عملية التصديق بالبرلمان على الاتفاقيات المتعددة التي عقدتها أنقرة مع جمهورية شمال قبرص غير المعترف بها دولياً.

لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان اجتمعت برئاسة بوزكير للتصديق والقبول على تلك الاتفاقيات لتصبح لها قوة القانون من حيث التنفيذ، حيث نقلت الصحيفة قول بوزكير "اتفاقات التعاون الثنائية بين تركيا وشمال قبرص تم التصديق عليها وأصبحت لها قوة القانون ولا تتعارض مع القوانين الأخرى".

رجل إردوغان بأوروبا الشرقية 
حسب صحيفة سول بارتي عام 2019، كان بوزكير هو رجل أنقرة المسؤول عن نقل وجهة نظر إردوغان إلى كل من الولايات المتحدة وروسيا، حول صفقة الصواريخ الروسية S-400، حيث نسق عدة لقاءات مع جيفري هوفنر السفير الأمريكي في أنقرة، وكذلك أليكسي يرهوف السفير الروسي.

بوزكير عبر عن وجهة نظر إردوغان التي ترغب في تجنب غضب واشنطن حين صرح قائلاً: "صفقة S-400 ليست موجهة ضد الناتو أو الولايات المتحدة، هو موضوع يخص أمن تركيا فحسب"، لكنه عاد ملوحا بالتخلي عن الصفقة في حالة تسلم منظومة الباترويت الأمريكية.

اتفاق منسك النووي
حسب نورديك مونيتور عام 2019، كان بوزكير رأس حربة إردوغان في إنهاء اتفاق شراكة نووية سرية مع جمهورية بيلاروسيا لمدة عشر سنوات قابلة للتمديد خمس سنوات أخرى، حيث تم الاتفاق على عجل إلى درجة حدوث توقيع لنائب وزير خارجية بيلاروسيا في النسخة المخصصة للجانب التركي.

الاتفاق المثير للجدل والذي يحمل إشارات لرغبة إردوغان في دخول مجال التطبيقات النووية العسكرية رغم أن الاتفاق لا يشير لذلك صراحة، إلا أنه حمل في مادته الثالثة ما يفيد بإمكانية الدخول في مجالات تعاون جديدة بعيدا عن مجال الاتفاق الأساسي طالما اتفق الطرفان، وهي المادة التي أصر إردوغان على وضعها حسب المونيتور.

دور بوزكير بدأ عند تقديم الاتفاق المثير للجدل بالبرلمان في مارس العام الحالي، حيث منع بوزكير لجنة الصناعة والطاقة والتجارة والتكنولوجيا من مناقشة الاتفاق رغم اختصاصها، ليقتصر الأمر على لجنة الشؤون الخارجية التي يرأسها.

لم يأخذ الأمر سوى دقائق حتى يمر الاتفاق بواسطة بوزكير، لتتحقق رغبة إردوغان بتمرير الاتفاق بأسرع وقت، وهو الاتفاق الذي فسره المراقبون بأنه فضفاض ويحمل الكثير من احتمالات سوء استخدام القوة.

Qatalah