يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تعمد العثمانيون إذلال الفلاح المصري والتضييق عليه بشتى الطرق، فطوال 3 قرون حرموا عليه امتلاك شبر واحد من الأراضي الزراعية، فقد احتكر السلطان العثماني ملكية الأرض لنفسه، ثم منح حق الانتفاع لمجموعة من الملتزمين كانوا غالبا من الصفوة التركية التي سكنت مصر، وعلى رأسهم قادة الجيش وحاشية الوالي، وأصبح الملتزم هو السيد والفلاحون هم العبيد.
كان الغرض من نظام الالتزام في مصر توزيع الأراضي على الفلاحين وجباية الأموال المفروضة عليها، والذي تقرر على يد السلطان سليم الأول، وفي ضوء نظام الحيازة الذي وضعه سليمان القانوني ضمن "قانون نامه" أصبح الملتزم المتحكم الفعلي في منطقة التزامه، وبات الفلاح مرتبطا بأرضه لا يمكنه مغادرتها، خاصة أن قانون نامه ألقى مسؤولية بقاء قطعة من الأرض غير مزروعة على كاهل الملتزمين ومشايخ البلد، وكانت جميع القرى ملزمة بدفع ضريبتي المال الميري والفائض ولم يكن هناك قرية معفاة، وعللوا ذلك بأن الميري خاصة بالسلطان بينما الفائض للملتزم.
تمثل نصيب الفلاح من عمله في الجوع والعمل الشاق بعد أن ألزمته الدولة بالعمل بالسخرة في أرض الملتزم "الوسية"، ويذكر يوسف الشربيني في كتابه "هز القحوف في شرح قصيدة أبو شادوف" ،"إن الملتزم إذا أخذ قرية أو كفرا في الريف يأمر الغفير أن ينادي العونة يا فلاحين العونة يا بطالين فيخرجون عند صبيحة النهار ويسرحون للحفر والزرع، ومن تخلف لعذر أحضره الخفير وسحبه من شنبه وأشبعه سبا وشتما وضربا". 
ويصف يوسف نحاس في كتابه "الفلاح" حياة المزارع حينها "عاش الفلاحون حياة بائسة في ظل الاحتلال العثماني لمصر، ومما ضاعف من سوء أحوالهم الأعباء الضخمة التي فُرضت عليهم، كما أصبح الملتزم سوطا مسلطا على الفلاحين، ولم تفرض الضرائب على الفدان لكن على القرية جميعها، بمعنى التزام جميع السكان في تسديدها، وإذا حاول أحدهم الهرب أو تأخر في الدفع فأقل جزاء يلقاه هو إلقاؤه على الأرض وضربه بالنبابيت وسحبه من شنبه فيزداد بذلك ذلا ومقتا وإهانة".
كما فرض الملتزم على الفلاحين ضريبة "البراني"، وتشمل العديد من منتجات الريف مثل الأغنام والدجاج والسمن والشعير، ما سجله يوسف الشربيني "الفلاح يربي الدجاج ولا يأكل منه شيئا ويحرم نفسه وعياله بسبب خوفه من الضرب والحبس، وصارت (الوجبة) على الفلاحين حكم الأمر الواجب عليهم للملتزمين، وإذا نزل الملتزم القرية يُسرع الفلاحون في تقديم  الأكل والشرب والإتاوات على ما جرت به العادة".
تعرض الفلاحون للكثير من المظالم على يد الملتزمين، فكانوا لا يتحرون العدل في معاملتهم، فإذا حدث خلاف بين فلاح وأحد الأتراك بادر الأخير بالحضور إلى الملتزم متهما الفلاح بالاستيلاء على مبلغ من المال، وعلى الفور يكتب الملتزم إلى شيخ البلد لإحضار المزارع ويسطو منه على المبلغ أو يحبسه ويضربه حتى يدفع النقود ويُرسل الورقة مع أحد أتباعه، ويكون للرسول إتاوة تسمى "حق الطريق" وتدفع لممثلي الحكومة الذين يأتون إلى القرى حاملين تعليمات أو رسائل إدارية.
نظر العثمانيون إلى الفلاحين نظرة متدنية، حتى أصبحت كلمة مزارع سُبة تعني مواطن من الدرجة الثانية، وكثيرا ما وصفهم الأتراك الأجلاف بالحيوانات والبهائم، ما سجله يوسف الشربيني في كتابه "هز القحوف في شرح قصيدة أبو شادوف" فيقول: لا تسكن الأرياف إن رمت العلا - إن المذلة في القرى ميراث/ أهل الفلاحة لا تكرمهم أبدا - فإن إكرامهم في عقبه الندم/ يبدو الصياح بلا ضرب ولا ألم - سود الوجوه إذا لم يظلموا ظلموا.
 
 
جحيم "السباهية" على الفلاحين 
ارتبط الاحتلال العثماني بدخول فرق الخيالة "السباهية" إلى الريف، وكانوا من أكبر أسباب التأخر والتدهور، فقد أرهقوا الفلاح بمطالبهم المتكررة والمظالم المتعددة وارتكبوا الكثير من الموبقات حتى اضطر الفلاحون إلى هجر قراهم.
كان جنود السباهية منوطا بهم حفظ الأمن في الريف، لكنهم أصبحوا مصدر إزعاج وخوف للسكان وسلبوا ونهبوا الأموال، وأرجع أبي السرور البكري في كتابه "كشف الكربة في رفع الطلبة" أسباب الخراب والفساد ونقص الأموال والغلال وانتشار الموبقات وضعف الفلاحين وسوء أحوالهم المعيشية إلى ما كان يرتكبه أفراد السباهية من المظالم وما يفرضونه من مغارم لم يستطع الفلاح منها فكاكا، حتى أصبح غير آمن على أمواله وأولاده وأصبح مجرد اقترابهم من القرية مصدر إزعاج لسكانها لأن ذلك يعني طلب الأموال وهتك الأعراض.
فرضت السباهية ضريبة ظالمة أطلقوا عليها "الطلبة"، وهي مبالغ من المال كان الجند يطلبون من كاشف الإقليم أن يكتبها دون وجه شرعي، وأشار أبو السرور البكري في كتابه السابق إلى أن الجنود يقولون: "اكتب أن فلانا اشتكى فلانا من أهالي الناحية الفلانية" فيأمر الكاشف بكتابة ما يقولون، وقد غالى جند السباهية في عدد مرات فرضها، كما غالوا في قيمتها حسب أهوائهم وأصبحوا يأخذون من الكشاف أوراقا تجيز فرض الضريبة الظالمة.
أكدت المصادر التاريخية فداحة الضريبة ومدى الضرر الذي عاد على الفلاح من جراء فرضها حتى زادت عن قيمة الضريبة الأصلية، فيذكر أبي السرور البكري "بلغ الأمر بجند السباهية إلى الاعتداء على نساء الفلاحين، بل وقتل بعضهم وسلب ما معه، وقد وصل أحد العسكر برسالة وطلب حق طريق ألف نصف فضة (عملة عثمانية) ففر أهل القرية ولم يعثر سوى على امرأة معها ولدان صغيران، فأخذهما منها حتى أتت بمصاغها وكان يزيد على الألف نصف فضة فأخذ المصاغ وأعطاها الولدين".
 
 
أصبحت إتاوة "حق الطريق" مثالا للظلم الواقع على الفلاح، ولقد انتقد عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ذلك الوضع بقوله: "ابتدع آل عثمان أحكاما وأمورا غير معقولة المعنى قد ربوا عليها واعتادوا لا يرون فيها بأسا ولا عيبا، فإذا دفع الفلاح ما عليه من حق الطريق أطلق سراحه، وإذا لم يدفع حبس وضرب، ويطالب كذلك بالحضور للملتزم، فإن لم يحضر أرسل له آخر، وبالتالي حق طريق آخر ويسمى (الاستعجالة)".
تفنن العثمانيون في اختراع ضرائب لا يستوعبها العقل، وأشهرها "ضريبة كراء الأسنان"، ويدفعها الفلاح إذا مر بقريته جماعة من العسكر، وذلك قبل دعوتهم للطعام كأجرة لقيام أسنانهم بمضغ الطعام، وأصبحت ضريبة الكرا واجبة بحكم القانون العثماني، ويؤكد ذلك ما ذكره أحمد شلبي بن عبدالغني في كتابه "أوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات" فيقول: "كان عبدالرحيم السلموني رجلا غنيا فعمل فرحا ليزوج ابنته، ودعا إليه العسكر فامتنعوا عن الأكل، فسألهم عن السبب فقالوا له نحن عادتنا لا نأكل حتى نأخذها، فقال وما هي فقالوا لكل واحد منا ريال كرا، فأعطاهم ما طلبوا وصان نفسه من البهدلة".
 
أهوال يوم الحساب
أما وقت مجيء "الديوان" أي حلول ميعاد سداد ضريبة الديوان "فيكثر الخوف والحبس والضرب لمن لا يقدر على الدفع، فمن الفلاحين من يقترض الدراهم بزيادة أو يأخذ على زرعه إلى أوان طلوعه بناقص عن بيعه في ذلك الزمن، أو يبيع بهيمته أو يأخذ مصاغ زوجته يرهنه أو يتصرف فيه بالبيع ولو قهرا، ومنهم من ينجو بنفسه فيهرب فلا يعود إلى بلده قط، ويترك أهله ووطنه من هم المال وضيق المعيشة، حتى اشتهر بين الناس (مال السلطان يخرج من بين الظفر واللحم، ومادام على الفلاح شيء من المال فهو في هم شديد، ويوم السداد عند الفلاح عيد)".
وصف يوسف الشربيني في كتابه "هز القحوف في شرح قصيدة أبو شادوف" إحساس الفلاحين بالظلم خلال تحصيل الضرائب والإتاوات فيقول: هم الفلاحة حيرني - وكل ساعة في نقصان/ ما أنفك من هم الوجبة - لما يجي مال السلطان/ ومن نزلة الكشاف شابت عوارضي - وصار لقلبي لوعة ورجيف/ ويوم يجي الديوان تبطل مفاصلي - وأهر على روحي من التخويف/  وأهرب حدا النسوان وألتف بالعبا - ويبقى ضراطي شبه طبل عنيف/ ويوم تجيء العونة على الناس في البلد - تخبيني في الفرن أم وطيف.
تعرض الفلاح لمظالم كثيرة على يد المحتل التركي، ونظرا للقسوة التي ارتكبها رجال الإدارة العثمانية هجر الفلاحون قراهم ومزارعهم خوفا من الاضطهاد والعقاب، ويذكر عبدالرحيم عبدالرحمن في كتابه "تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني" واصفا بشاعة محصلي الضرائب بالريف "الابن يفر هاربا إذا انكسر مال السلطان (الضرائب) على أبيه، وإلا أُخذ رهينة حتى يدفع أبوه ما عليه من مال، وكان سماع الفلاح لكلمات مال السلطان، والعونة والوجبة ونزلة الصراف، كفيل بإثارة الرعب في قلوبهم، خوفا من المصير المظلم لعشرات الفلاحين مع كل زيارة لممثلي السلطة، فحلول واحد منهم معناه طلب المال والعوائد من الفلاح رغم سوء حالته الاقتصادية البائسة".
وإذا كان الهروب رد فعل الفلاحين لقلة حيلتهم فقد دفعهم ما أثقل كاهلهم من المغارم إلى التمرد، وعلى سبيل المثال ثورة 1778 في منطقة طهطا، حيث امتنع الفلاحون عن دفع الضرائب وإزاء ذلك حشد الملتزم قوات السباهية وانتصر الفلاحون ودمروا القوة العسكرية التي جاءت للقضاء عليهم، ما أدى إلى ارتفاع الروح المعنوية لديهم بعدما تركوا الفأس والمحراث وحملوا السلاح.

Qatalah