يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


صفعت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الرئيس التركي رجب إردوغان وأصدرت أمس قرارا  يدين أنقرة ويثبت تعرض البروفيسور باسكين أوران والأكاديمي إبراهيم كاب أوغلو لازدراء متعمد واضطهاد وممارسات عنصرية، تجلت في اتهامهما بالخيانة ومحاكمتهما بدعوى تحريض الشعب على معاداة النظام، على خلفية مشاركتهما في تحرير "تقرير الأقليات" عام 2004.
وأكدت المحكمة  أن صحافيا أرمنيا قتل بعد تلقيه جملة من تلك الممارسات التي ازدرته ما يهدد حياة المفكرين التركيين بالخطر، وأشارت المحكمة إلى وجود مجموعات من الصحافيين في الجرائد الموالية للحكومة تتعمد انتهاك الحقوق الأساسية لمن يعتبرهم النظام خصوما سياسيين.

فضح عنصرية النظام
كان إبراهيم كاب أوغلو رئيسا للجنة الاستشارية لحقوق الإنسان، وأوران رئيسا لمجموعة العمل على الحقوق الثقافية والأقليات باللجنة، التي تأسست في مقر رئاسة الوزراء عام 2003 عقب صعود إردوغان السلطة، ووظيفتها عرض الآراء والاقتراحات والتقارير الخاصة بحقوق الإنسان على الحكومة.
حسب موقع دويتشه فيله، النسخة التركية، ورد في تقريرهما أن حكومة إردوغان ترى أن مفهوم "تركي" يطلق على فئة واحدة من بين فئات عدة في الجمهورية، في إشارة إلى عدم اعتبار الأكراد والعلويين مواطنين أصليين، وأن مفهوم المواطنة بإمكانه منع صراع الهوية الموجود في البلاد.
وأكد التقرير ضرورة حماية الأقليات الدينية والعرقية وهويات أفرادها ومعاملتهم بمساواة، كونهم مواطنين في الدولة، مشددا على أن الحكومة التي يرأسها إردوغان لم تطبق توصيات المواطنة على أرض الواقع.

المحاكم.. ألعوبة إردوغان
جرت محاكمة كاب أوغلو وأوران بسبب التقرير وحصلا على البراءة عام 2006، وفي 2008 لم يدن أوغلو في قضية "تحريض الشعب على الضغينة والعداء"، لكن جرى إقصاؤه عن وظيفته في جامعة أنقرة، فيما رفع الاثنان قضايا ضد من حرض عليهما من الكتاب التابعين للسلطة لكن القضاء التركي رفض القضايا جميعها بدعوى "حرية الفكر والصحافة".
وانتقدت المحكمة الأوروبية رفض القضاء التركي نظر الدعاوى التي رفعها الضحيتان ضد المقالات التي تتضمن الازدراء بحقهما وتوجيه تهديدات لهما، واتهمت المحاكم التركية بعدم القدرة على التمييز بين انتهاك حقوق الأشخاص وبين حرية الصحافة. 
كان الاثنان قالا في طلب تقدما به إلى المحكمة الأوروبية إن حقوقهما انتهكت في حرية التعبير والمساواة واحترام الحياة الشخصية، بينما رفضت المحكمة دفاع الحكومة التركية عن عدم تعرضهما للعنف، ورأت أن الدفاع في غير محله، وقررت دفع تعويضات قدرها 1500 يورو لكل واحد منهما. 

قمع الحرية من ميليشيا رجب
الشحن الحكومي ضد كاب أوغلو وأوران، تسبب في إثارة مشاعر عداء كبيرة ضدهما، وحسب صحيفة حرييت التركية، عند إعلان رئيس اللجنة الصورة النهائية للتقرير في المؤتمر الصحافي في 22 أكتوبر 2004 تعرض إلى مداخلة منعته من مواصلة القراءة من السكرتير العام لاتحاد نقابات عمال القطاع العام، فخر الدين يوكوش، إذ قام بسحب الأوراق من يد كاب أوغلو وتمزيقها، قائلا: ليس عادلا، ليس قانونيا، تخدعون من؟. بعدها ألغى أوغلو الاجتماع بسبب "تعرضه للعنف البدني ومقاطعة حديثه".


قال يوكوش إن ما فعله لا يعتبر عنفا وأنه مزق تقريرا غير قانوني. وأضاف أن تركيا انشغلت بما يدعى "تقرير الأقليات"، واتهم عبد الله غول بممارسة سياسة النفاق لموافقته على التقرير وطالب بإعادة تشكيل اللجنة، وقال إنهم لن يسمحوا بالاعتداء على الوحدة الوطنية.
كما كتب أوزجان يانيتشري، الصحافي في جريدة يني تشاغ :"إنهما عناصر الأقليات التي تتغذى من خارج تركيا، وتعتبر وسيلة لتحقيق آمال الأجانب، إنهم عصابة منظمة، إنه اتفاق الشر"، وقال نامق كمال زيبك وزير الثقافة السابق :"يقولون إن الخونة جبناء، من أين أتى هؤلاء بهذه الجرأة؟ خذوا الأقليات التي تختلقونها واهربوا. اذهبوا إلى أوروبا". 
قال عبد الله بوسكور رئيس جمعية حقوق الإنسان التركية إن "التقرير لا يحتوي على مفاهيم مثل حقوق الإنسان والديموقراطية ويمتلئ بالتحريض"،  بينما زعم إسماعيل كوكصال رئيس اتحاد الغرف والبورصات أنه "لا يمكن رفع دعوى قضائية من أجل تقرير في حكم العدم".

كاب أوغلو يخرس أعداء الحرية
رد كاب أوغلو في 25 أكتوبر 2004 على جميع الانتقادات بتصريحات كتابية، قائلا إنه جرى إخبار أعضاء اللجنة بموعد الاجتماع أول أكتوبر، وقدم دعوة لعبد الله غول نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية في ذلك الوقت لحضور المؤتمر، مشيرا إلى مناقشة سؤال: هل توجد مشكلة ثقافية في تركيا أم لا؟ وهل يتم الحديث عن حقوق الأقليات أم لا؟
تابع كاب أوغلو وقتها أن جميع مؤسسات حقوق الإنسان التي تم الرجوع إليها لإعداد التقرير رسمية ومقننة، وأن فعاليات اللجنة قانونية ومناسبة للائحة، ومن يقول غير ذلك يمكنه الرجوع إلى المحاكم العليا والجهات القضائية المختصة، لافتا إلى أنه تعرض إلى قوة غاشمة، ما يعد انتهاكا لحقوق الإنسان، وفي تصريح لموقع "سي إن إن ترك" قال "إن الأشخاص الملطخة أيديهم بالدماء هم من يفعلون ذلك". 


حسب صحيفة ديكان التركية، لفتت المحكمة الأوروبية الانتباه إلى أن الصحافي الأرمني هرانت دينك قتل نتيجة حملة قومية متطرفة مشابهة لما حدث مع محرري تقرير الأقليات، مؤكدة أن استخدام تعبيرات مثل "الخائن والعميل" في نقاش الموضوعات الحساسة يمثل تهديدا للأشخاص، واعتبرت المحكمة "دينك" مثالا للاستهداف بتلك الاتهامات قبل قتله، مؤكدة ضرورة اتخاذ الدولة تدابير من أجل منع تعرض الأشخاص إلى "قتل مجتمعي" بسبب آرائهم.

Qatalah