يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"ليبانتو" اسم لا يمحى من الذاكرة العثمانية، يوم تجرع الأتراك مرارة أكبر هزيمة بحرية في تاريخهم ودمرت السفن الأوروبية كامل أسطولهم، وكشفت وهم قوتهم التي اعتمدت على القراصنة فيما جرى إقصاء البحارة العرب، وأنتجت سياستهم الخرقاء هزيمة مذلة أعطت الأوروبيين السيادة على البحر المتوسط وأعالي البحار منذ نهاية القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم.
جلبت سياسة النهب والسلب العثمانية رد فعل أوروبيا ضد العالم الإسلامي، وساهمت في تشويه صورة الإسلام، فقد كانت الاعتداءات البربرية التركية البحرية على أوروبا السبب الأول في هجمات الأوروبيين الاستعمارية على العالم الإسلامي بهدف الانتقام.
اعتمد أسطول الأتراك على مجموعات القراصنة الذين استوطنوا الجزائر، بجانب الأساطيل المصنوعة في مدن الساحل الخاضعة للعثمانيين، ونجحوا في تكوين أسطول بحري كبير العدد، وصل عام 1571 إلى 400 سفينة حربية، تحت قيادة الوزير برتو باشا ومؤذنزاده علي باشا، بوجود أشهر قرصان في الجزائر وهو علج علي.
اشتبك الأسطول الضخم بآخر أوروبي أقل عدداً وعدة، إلا أن النصر كان حليف الأوروبيين بسبب غباء وجهل القادة الأتراك الذين رفضوا الاستماع إلى نصائح القادة المتمرسين على قتال البحر مثل علج علي وغيره.
عرض الأتراك مدن العالم الإسلامي لخطر شديد بعد هزيمة ليبانتو، فقد أصبح البحر المتوسط تحت رحمة أسطول أوروبي يحمل 30 ألف جندي قادرين على احتلال أية مدينة ساحلية، لكن كان القدر بجانب المستضعفين الخاضعين لسلطان الترك فكف عنهم انتقام الأوروبيين.

انتقام أوروبي لقبرص
كانت قبرص خاضعة لجمهورية البندقية التي كانت في سلام مع العثمانيين، حرصاً على المصالح التجارية المتبادلة، حتى أنها رفضت الانضمام للتحالف الإسباني الذي جمع الدويلات الإيطالية ضد السلطنة العثمانية، كما ذكر كتاب "قليج علي باشا ودوره في البحرية العثمانية"، وكانت إسطنبول تعتبر البندقية حليفها الأول في أوروبا.
إلا أن العثمانيين طمعوا في أملاك البندقية وقرروا غزو قبرص، وفي عام 1570 شنوا حملة عسكرية بحرية مكونة من 100 ألف جندي، تمكنت من إخضاع قبرص في خيانة للحليف البندقي، وكانت المدينة الإيطالية تعتبر أكبر قوة بحرية في المتوسط حينذاك.
أدى وقوع قبرص في قبضة العثمانيين إلى استنفار في أوروبا الغربية وتكاتف بين البندقية وإسبانيا بهدف مواجهة الخطر التركي، وتشكل حلف ضم دويلات ودوقيات أوروبية بجانب إسبانيا، وتجمع أسطول من 290 سفينة حربية و30 ألف جندي بقيادة دون خوان النمساوي.
كان وقف ممارسات القرصنة العثمانية دافعا مهما للتحالف الأوروبي، فقد كانت السلطنة ترعى أعمال القرصنة في ظل غياب استراتيجية عثمانية للسيطرة على البحر المتوسط، فقط أعمال قرصنة متقطعة تعود بالفائدة على قادة السفن الذين تحولوا إلى سلطة بينما إسطنبول خاضعة لنزواتهم.
وذكر كتاب "قليج علي باشا ودوره في البحرية العثمانية" أنه "أثناء توجهه بسفنه للانضمام إلى الأسطول العثماني الذي يحاصر قبرص، عرج على الشواطئ الأوروبية، فغزاها وأحرق كل ما وقع في طريقه من بيوت وأشجار وزرع"، وهي ممارسات لا تمت بصلة إلى شعائر الإسلام التي تشدق العثمانيون بها دوما.
الممارسات البربرية العثمانية دفعت دويلات أوروبا للانضمام في حلف عُرف باسم "العصبة المقدسة" تحت رعاية بابا روما بيوس الخامس، فيما كان الأسطول العثماني يتكون من الأساطيل القادمة من الجزائر وتونس وطرابلس ومصر واليونان وغيرها.
عمل 6 آلاف أسير مسيحي في التجديف على سفن الأسطول العثماني، ما مثل نقطة ضعف كبيرة، فلو انقلب العدد الضخم أثناء القتال مع التحالف الأوروبي لضمن هزيمة العثمانيين بكل سهولة، فيما جرى إقصاء العناصر العربية ذات الخبرة الواسعة في أمور البحر بسبب الكراهية التركية للعنصر العربي، ما دفع العثمانيون ثمنه غاليا.

الفرار خوفا من الأسطول الأوروبي
انتهت الحملة العثمانية على قبرص بسيطرة الأتراك على الجزيرة وطرد فرسان القديس يوحنا منها، ثم توجه الأسطول العثماني إلى ميناء ليبانتو الواقع على خليج باتراس - كورنثوس في اليونان.
كان السلطان العثماني على علم بتحركات التحالف الأوروبي، وأصدر أوامره للأسطول بالاستعداد لحماية قبرص من محاولة التحالف استعادتها مرة أخرى.
شن الأسطول العثماني غارات متفرقة على موانئ أوروبية في البندقية وزادار غرب يوغوسلافيا، وكريت، وكان في كل مرة ينهب القرى ويخطف السكان أسرى، لذا قرر الأسطول الأوروبي الخروج من البحر الأدرياتيكي قبل توغل العثمانيين أكثر، فقد بدأت استطلاعات العثمانيين في مهاجمة موانئ أوروبا.
تحرك الأسطول الأوروبي الموحد، ووصل إلى ميناء رأس الأعمدة على ساحل كلابر، ثم وصل إلى السواحل الألبانية في شهر أكتوبر بالقرب من خليج ليبانتو.
فر الأسطول العثماني من كوتور بمجرد علمه بتحرك نظيره الأوروبي، وتوجه إلى كورفو ثم انسحب إلى ليبانتو، خوفاً من مواجهة الأسطول المعادي، وسط تضارب القرارات بين قيادات الأسطول العثماني إذ حدث انقسام بين القادة حول طريقة المواجهة ما أدى إلى حالة فوضى عارمة.

سحق الأسطول العثماني
بعد مداولات عديدة داخل قادة الأسطول العثماني، قرر قائده علي باشا الخروج من خليج كورنث والتقى نظيره الأوروبي في 7 أكتوبر 1571في مكان واقع بين ليبانتو وباتراس.
كانت أكبر موقعة بحرية شهدها التاريخ حتى هذه اللحظة، يقول عنها أحد المؤرخين :"إن البحر كان مغطى بغابة من الصواري، ويظهر كأنه يرزح تحت ثقلها".
تسبب سوء القيادة في تغلب السفن الأوروبية على الأسطول التركي، ولقي "القبودان" علي باشا مصرعه وكان النصر حليف الأوروبيين.
أمسى الأسطول العثماني ما بين محروق أو غريق أو أسير، ولم ينج من الأسر إلا السفن التي كانت تحت قيادة القرصان الجزائري علج علي، الذي لم يسمع أي طرف نصائحه الثمينة.
كانت خسائر العثمانيين شديدة، غرقت 142 سفينة وأسرت 60 أخرى واستولى الأوروبيون على 117 مدفعاً كبيراً و256 صغيراً.
حرر الأوروبيون 30 ألف أسير كانوا بيد الأسطول العثماني، وسقط 20 ألفا ما بين قتيل وجريح وأسر 3500 جندي تركي، من بينهم ثلاثة من كبار قادة الأسطول، وحاز الأوروبيون على راية القائد مؤذنزاده المطرزة بالذهب.

جهل الأتراك سبب الهزيمة
يقول مؤلف كتاب "قليج علي باشا ودوره في البحرية العثمانية" :"إن السبب الأول في هزيمة العثمانيين القرارات الخاطئة التي اتخذها القادة الأتراك".
ويسرد عدد من الوقائع التي برهنت على فشل القيادة، منها أن الأسطول رغم علمه بالاستعدادات الأوروبية الكبيرة إلا أنه استمر في النهب والسلب والإغارة على سفن ومدن سواحل أوروبا الجنوبية، ما أدى لإنهاك الجنود قبيل المعركة.
وتسبب قرار السلطان سليم الثاني بتغيير قيادة القوات البحرية والبرية قبيل المعركة في ضعف الأتراك، فقد كان بياله باشا قائداً للأسطول ومصطفى باشا قائداً للقوات البرية، فقام السلطان باستبدالهما وتعيين علي باشا على الأسطول وبرتو باشا قائداً للقوات البرية، ما كان من أبرز العوامل التي تسببت في الهزيمة، لأن قائد الأسطول الجديد لم يكن من رجال البحر بل كان إنكشارياً ماهراً على البر ولا يملك خبرة في البحر، وكان طموحاً يريد أن يحقق انتصاراً سريعاً.
بجانب ذلك كان تسليح الجنود العثمانيين على السفن متخلفاً مقارنة بالأوروبيين، فقد استخدم الأتراك الرماح والسيوف والسهام بجوار المدافع بينما اعتمد الأوروبيون على الأسلحة النارية حصرا.
أدى تعنت القادة الأتراك وتفاخرهم الزائف بمجدهم العرقي المزعوم إلى الهزيمة الساحقة، فقد رفض القادة الجهلة بالبحرية نصائح القرصان المحنك علج علي.
ونصح علج علي القادة الأتراك بعدم الخروج للمواجهة في عرض البحر، فقد كان الأسطول التركي منهكاً ويعاني من نقص الذخيرة وقلة المؤن بجانب أنه محمل بآلاف الأسرى.
تمسك القادة الأتراك بموقفهم وقرروا الخروج للهجوم، ومجددا طالب علج علي بأن يكون الهجوم بعيداً عن الساحل في منطقة واسعة تتيح نشر الأسطول بشكل مناسب يحقق الاستفادة من قوة المدفعية، إلا أن القادة الأتراك أصروا على الالتصاق بالساحل، ما حرمهم من الاستفادة من القوة الكاملة للمدافع وأوقع سفنهم في مرمى النيران الأوروبية.
طلب القرصان علج علي إخفاء الفوانيس التي تستخدم للإشارة وتدل على سفن القيادة، لكن القادة الأتراك رفضوا من باب الثقة الزائفة بالنصر، فكانت سفنهم أهدافا سهلة للمدافع الأوروبية وسقط قائد الأسطول علي باشا صريعاً.

نهضة أوروبية مقابل اندحار عثماني
معركة ليبانتو نقطة فاصلة في تاريخ الصراع بين الشرق والغرب، فقد كسرت أسطورة أن الأتراك قوة عسكرية لا يمكن هزيمتها، ويرى العديد من المؤرخين أن السلطنة العثمانية أخذت في الاندحار بعد المعركة وبدأت موازين القوى تتغير لصالح الأوروبيين.
يقول محمد أركون في كتابه "الاستشراق بين دعاته ومعارضيه": حسمت مسألة الغلبة لصالح الغرب منذ معركة ليبانتو التي جرت عام 1571  بين العثمانيين والجيوش الغربية، بعدئذ بدأ النهوض الفكري والعلمي والتكنولوجي للغرب يتزايد أكثر فأكثر، في حين أن العالم الإسلامي راح يغوص أكثر فأكثر في وهدة التخلف والعجز.
وتبين المعركة زيف الفخر العثماني بالمجد العسكري والادعاء الحديث الذي يروجه العثمانيون الجدد بدفاع أجدادهم عن المسلمين، فقد كانت السلطنة العثمانية عاجزة أمام أوروبا.
يطيب للمؤرخين المسبحين بحمد تركيا أن يصوروا أعمال القرصنة التي رعتها سلطنة العثمانيين على أنها جهاد في سبيل الله، لكن البحث التاريخي يكذب الادعاء الزائف، فهل كانت مهاجمة السفن ونهب البضائع وخطف الآمنين من قراهم ومدنهم أعمالا تخدم الإسلام؟!.

Qatalah