يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


19 أكتوبر 2018 مؤتمر «إصلاح عالمنا» بنيويورك.. شاهد على قصة تركيا الحزينة

 

حرب بلا هوادة استخدمت فيها قواته الأمنية الهراوات والقنابل المسيلة للدموع والعصى ناهيك عن استخدام أسلحة خاصة لاقتحام البوابات الحديدية والإلكترونية، هذا مقابل أسلحة الصحفيين المعروفة للجميع وهى الورقة والقلم.

ربما يظن البعض أن هذا الانقلاب العنيف ضد حرية الصحافة قد تزامن مع انقلاب إردوغان المزعوم فى 16 يوليو 2016 للقضاء على معارضيه ومؤيديه السابقين والانفراد بالسلطة، فهذا الظن ليس فى محله، لأن الحرب ضد الصحفيين وصحيفة «الزمان» المستقلة تحديدا بدأت يوم الجمعة 4 مارس 2016 فى واقعة ربما لم تشهدها تركيا من قبل و خطوة لم يكن يتوقعها أشد المعارضين لإردوغان، حتى إن عبد الحميد بيليجى اعتقد فى البداية أن قوات الأمن اقتحمت مقر صحيفته بالخطأ، فهو كان صديقا شخصيا للرئيس التركى وسافر معه على متن طائرته الرئاسية مرات عديدة، ناهيك عن المقابلات الصحفية التى أجراها معه

.بل إن بيليجى كان مؤيدا لإردوغان فى بداية عهده عندما كان ينادى بالديمقراطية والتقارب مع الاتحاد الأوروبى حتى أصبحت تركيا النموذج الإسلامى المعتدل فى العالم ولطالما طالب زعماء الدول الكبرى بتطبيق هذا النموذج الديمقراطى والاقتصادى الواعد فى بقية العالم الإسلامي.

أخلاق الطغاة
اضطر إردوغان بيليجي، إلى الفرار من بلاده هو وعائلته الى الولايات المتحدة بعد رحلة نفسية صعبة للغاية، ولم لا؟ وهو رئيس تحرير أكبر صحيفة فى بلاده كانت توزع عشية اقتحامها ومصادرتها وتخريب أرشيفها الضخم، ما يفوق المليون نسخة يوميا فى تركيا وحدها بخلاف طبعاتها الدولية المتعددة، فى حين هبط توزيعها إلى 5 آلاف بعد اخضاعها للإشراف الحكومى وتعيين رئيس تحرير موال لإردوغان، حيث ضغط على جميع الصحفيين بها لكى يخضغوا لسياسة التحرير الجديدة، فرفض معظمهم وتم طردهم بلا أى عائد مادى يعينهم على الحياة.

«لقد اشتقت لرائحة الحبر والورق واجتماعات مجلس التحرير ونقاشات الصحفيين ومواعيد الطبع».. لم يبالغ عبد الحميد بيليجى فى شرح حالته النفسية وهو يسرد ما جرى له ولـ «الزمان» فى يوم الجمعة الحزين، خلال كلمته المؤثرة فى الجلسة الثالثة التى سبق أن أشرنا إليها. المثير للدهشة أن بيليجى قد بدأ حياته المهنية كصحفى متابع لحملة إردوغان عندما كان مرشحا عمدة لمدينة إسطنبول، وهو الذى انضم للصحيفة عام 1993 أى بعد تأسيسها بـ7 سنوات لم يكن رئيس تحرير «الزمان» السابق بعيدا عن فكر إردوغان فهو أحد مؤيدى نظرياته السياسية التى قربت بين العلمانية والدينية، وهو ما قربه من الغرب الذى بات على قناعة تامة به واعتبر أن وجوده على رأس السلطة فى تركيا سيعجل بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن إردوغان سرعان ما كشف عن وجهه القبيح وفكره التآمري.

يصف بيليجى إردوغان فى هذه المرحلة بقوله: «نظر للديمقراطية كقطار يستخدمه لحين وصوله إلى محطته المرغوبة ثم يحرق القطار، فهو إنسان استغلالى خدع الجميع، حتى إنه قد خلع قبل تأسيس حزب الحرية والعدالة عام 2001 عباءة الإسلام السياسى وتركها وراءه، ولهذا ناصرته واعتقدت أنا وجميع صحفيى «الزمان» وغيرنا أنه أصبح سياسيا إصلاحيا ومخلصا فى ترك التخلص من إرثه القديم».

ويواصل الصحفى الذى يندم بشدة على وقوفه يوما ما بجانب الطاغية حتى استغلهم جميعا ليصبح «زعيم الفاسدين» فى بلاده: «اعتقدت آنذاك أن تركيا ستكون جسرا بين آسيا وأوروبا، بين المسيحيين وبين العالم الإسلامي، بين القيم التقليدية والحداثة، ولقد عايشنا هذه المرحلة بحماس قبل انقلاب الطاغية علينا وعلى أفكاره التى خدعنا بها».


دوام الحال من المحال، أو هكذا يقول المثل الشعبي، وهو أيضا حال الأتراك مع إردوغان، فبعد العصر الذهبى للاقتصاد والنموذج المشرق للغرب والعالم الإسلامى تغير الرئيس التركي، وبعد أن كان يجمع على طاولته الأطياف السياسية كافة ليتداولوا الآراء الرشيدة، تبدل الحال لينفرد الرئيس بالقرار ويتبنى شعار يوليوس قيصر (أنا الدولة والدولة أنا) ويصبح الرجل الأكثر قوة وسيطرة فى البلاد.

ليس هذا فقط، ويواصل عبد الحميد بيليجي: «أصبح إردوغان الذى تحول إلى طاغية وكأننا نعيش فى عصر الدول الشمولية صعبا جدا حيال الآراء المعارضة، وتحدث مع كل مالكى الصحف وقنوات الأخبار لطرد كتاب الأعمدة الذين يهاجمونه، ونجح فى تحقيق مراده فى طرد الكثير من معارضيه إثر ضغوطه اللعينة وتهديداته لمالكى الصحف والقنوات الإخبارية بإغلاق منصاتها الإعلامية وحجب الإعلانات عنهم بعد تهديد رجال الإعلام بمقاطعتهم فعلا. ليست هذه وسيلة الضغط الوحيدة لإسكات وسائل الإعلام المعارضة، فقد تعمد سحب البطاقات الصحفية للصحفيين الذين يغطون أنشطته السياسية وأولئك الذى يحرجونه بأسئلتهم، كى يرتاح منهم تماما، ولكن الصحف لم ترضخ لضغوطه فاستمرت فى فضح فساده رغم تهديداته بإغلاق أى صحيفة تنتقده.

كما استخدم سلطة أخرى للضغط على الصحف وهى مضاعفة الضرائب عليها للتأثير عليها ماليا، ثم أمر القضاة التابعين له بإصدار قرارات مصادرة للصحف».

لم يغب عام 1993 عن ذاكرة بيليجى مطلقا، تاريخ انضمامه لـ«الزمان» التى قضى فيها 23 عاما ترقى خلالها حتى أصبح رئيس تحريرها لتوزع فى عهده أكثر من مليون نسخة يوميا، ليهبط هذا الرقم الى 5 آلاف نسخة فقط عندما صادرت الحكومة الصحيفة وعينت رئيسا جديدا للتحرير لم يعمل بها من قبل الى أن تم إغلاقها تماما. لقد حاول الصحفى التركى الذهاب الى صحيفته صباح اليوم التالى لاقتحامها، إلا أن قوات الأمن منعته من الصعود لمكتبه وأبلغته بأنه مفصول ولم يعد يحق له العمل بها، فأسقط فى يده وماذا يفعل حيال هذا المأزق، فهو صحفى ولن يكون غير هذا، حتى تلقى مكالمات غريبة تضعه بين خيارين: إما السجن أو الهروب فورا من تركيا، ومن حسن حظه كان يحمل تأشيرة لأمريكا فهرب إليها مع أسرته، ولكنه لا يزال حزينا لوضع50 من أصدقائه فى عتمة زنزانات النظام أو قيد الإقامة الجبرية، هذا بخلاف 200 صحفى يقضون عقوبة السجن بلا تهم لتصبح بلاده أكبر سجن للصحفيين فى العالم.

خيارات تركيا
«ليس أمام بلادى سوى خيارين لا ثالث لهما..يتساءل عبد الحميد بيليجى ثم يجيب بنفسه على سؤاله.. فالاستبداد الذى خلقه إردوغان سيحول بلادى إلى دولة دينية على غرار إيران وغيرها وعلينا انتظار اشتداد الأزمة الاقتصادية الخانقة حتى تدفع مؤيديه للتخلص منه..مشكلة تركيا أنها الدولة الاستبدادية الوحيدة فى حلف الأطلنطي، فكيف يستقيم هذا الوضع، أى تنتمى للغرب وهى مستبدة فى ذات الوقت».

لم تنته بعد حكاية الصحفى التركى المفصول من عمله، فهو ومثلما سرد فى المؤتمر الذى نظمته «مؤسسة الصحفيين والكتاب الدولية»، يعتقد أن بلاده أجهضت حرية الصحافة، ويشير إلى نقطتين مهمتين للحفاظ على أى ديمقراطية فى العالم، وهما ضرورة حماية حرية الصحافة واستقلال القضاء، كما أن على المواطنين أنفسهم حماية حرية الصحافة وعدم التفريط فيها كحق أصيل للمجتمع الذى يريد أن ينتج فكرا واقتصادا حرا.


انتهت قصة عبد الحميد بيليجي، ولكن تستمر قصة تركيا الحزينة.

 

Qatalah