يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يستمر النظام التركي في قمع الصحافيين ورسم صورة قاتمة عن تعامل السلطات مع حرية الصحافة في الألفية الثالثة، إذ تعرضت صحيفة جمهورييت أول أمس السبت لاستهداف جديد لإحدى السيارات التابعة لها، ما يرسم فصلا جديدا في سلسلة جرائم رجب إردوغان ضد حرية الرأي، والتي تنال "جمهورييت" القسط الأكبر منها.
الاعتداء وقع في الجراج الخاص بالصحيفة، إذ تعرضت لإطلاق نار من مجهولين، في حوالي الساعة 11 من مساء السبت، وسلم مسؤولو الأمن بالصحيفة فوارغ طلقات الرصاص إلى أجهزة الأمن، وفق موقع "أودا تي في" التركي.

ليلة مرعبة
لم ينته الأمر عند إطلاق الرصاص على سيارة "جمهورييت"، بل إن أحداثا أخرى وقعت لصحف وصحافيين تشير إلى مخطط يستهدف توصيل رسائل قمعية للصحافيين وأصحاب الفكر والرأي.
فقد تم اعتقال رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة تشاغداش قابلان، أول أمس أيضا، ووجهت له الاتهامات المعهودة من سلطات إردوغان، بالدعاية للتنظيمات الإرهابية، ما أثار احتجاجات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بالإفراج عن الصحافي التركي، بحسب موقع "صنديقة 2".
استهداف الصحافيين ليس أمرا جديدا، فقد شهد الشهر الماضي فقط محاكمة 110 صحافيين، ويقبع في سجون إردوغان 150 صحافيا ومفكرا، بينهم روائيون وكتاب وصحافيون عظام، مثل أحمد ألتان، الذي يصدر كتابه من داخل سجون إدردوغان، مارس المقبل، بعنوان "لن أرى العالم مرة أخرى".

"جمهورييت" موت إكلينيكي
ورصد تقرير الوضع المزري الذي وصلت إليه إحدى أكبر الصحف التركية العريقة "جمهورييت"، موضحا أنها ماتت إكلينيكيا، جراء قمع الرئيس التركي رجب أردوغان، الذي طال بطشه الصحافيين والمسؤولين ورئيس التحرير وناشر الجريدة، وفق صحيفة لوفيجارو الفرنسية.
دفعت "جمهورييت" الكثير مقابل الكلمة الحرة، ورفض سياسات إردوغان التي طالما اعتبرتها تهلك تركيا وتستنزف من دماء الأتراك، فقد حصل 13 صحافيا يعملون بها على أحكام بالسجن، في شهر أبريل الماضي، بالإضافة إلى سجن رئيس تحريرها أكثر من مرة، وسجن ناشرها.
ولم يرضخ صحافيو الجريدة العريقة في تركيا لتحويل دفتها من التعبير الحر إلى التأييد الكامل والأعمى لسياسات الطاغية التركي، فتقدم نحو 30 صحافيا باستقالتهم، بعدما أعاد نظام إردوغان، وفق تعبير الصحافيين الكبار المغادرين منها "إعادة ترتيب الصحيفة لتكون على صورتهم" عبر استبدال المسؤولين عن الجريدة بآخرين موالين لإردوغان ومعبرين عن خططه.
وانتهت الصحيفة التركية، ذات الـ 94 عاما، إلى ما وصفته "لوفيجارو" الفرنسية بـ "موت إكلينيكي" بعد تغيير إدارتها وفصل أفضل محرريها، والقبض على عدد كبير من صحافييها ورئيس تحريرها بعد كشفهم خطايا إردوغان.
"الموت الإكلينكي" جاء بعد معركة قضائية ساخنة، إذ أقام أعضاء سابقون بمجلس إدارة جمهورييت دعاوى قضائية بعد العام 2013، قالوا فيها إن انتخاب أعضاء آخرين يعتبر "باطلا ولاغيا"، وانتهت المعركة وفق رؤية النظام الإردوغاني، إذ قضت محكمة الاستئناف العليا في تركيا لصالح المدعين أليف كوسكان وشوكت توكوش ومصطفى باموك أوغلو ومصطفى بالباي.
والمدعون الفائزون الذين حكمت لهم الاستئناف التركية معروفون بنزعتهم "القومية" ما يدير دفة الجريدة الحرة من التعبير عن الرأي، إلى ما يراه ناشروها ومسؤولوها الجدد "مصلحة قومية"، ويعد تغييرا كبيرا في أيديولوجية الصحيفة.

إردوغان يترصد
القضاء على صحافيي "جمهورييت" ليس أمرًا بيت بليل، بل كان متوقعا، فنظام إردوغان يترصد الجريدة التي زاد نضالها مع تسارع خطوات إردوغان الشيطانية، بعد مسرحية الانقلاب عام 2016.
فقد ارتفعت وتيرات الحقائق والأسرار التي تكشفها الصحيفة بقيادة رئيس تحريرها في 2015 و2016، جان دوندار، والتي تمثل جزءا من فضائح نظام إردوغان، إذ كشفت على سبيل المثال تسليم أجهزة الاستخبارات التركية أسلحة إلى فصائل إرهابية في سورية، ما أثار غضب إردوغان وأتباعه.
واشتد الخناق على الجريدة بعد 2016، وكان بمثابة انتقام غادر من نظام إردوغان، الذي ألقى بعدد كبير من الصحافيين بين أكثر من 77 ألف شخص اعتقلوا منذ محاولة الانقلاب، ووجه إليهم تهما من قبيل دعم الإرهاب، ومساندة حركة فتح الله كولن، بحسب "العرب ويكلي"
ويكشف تقرير لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، أن تركيا تمارس سلوكيات تجاه الصحافة وحرية الرأي، ربما لم تذهب إليها دولة أخرى عبر التاريخ، إذ أغلقت نحو 150 وسيلة إعلامية، ووضعت المنظمة أنقرة في المرتبة 155 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة حول العالم في عام 2017، بينما اشتد القمع على الصحافة أكثر في 2018 بتركيا.

Qatalah