يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


سفينة العدالة والتنمية في طريقها للغرق، هكذا تقول المؤشرات، والربان يقف الآن مضطرًا للتخلص من بعض حمولته، ليؤمّن للمركب بعضًا من الوقت قبل التلاشي في العاصفة. وأمامه 3 طرق، لابد أن يسير في ثلاثتهم معًا: الحكومة، والحزب، والنظام الرئاسي.

الرجل الذي نجح في كسب عداوة الجميع، مضطرٌ الآن لإقصاء عدد ممن يعتبرهم حلفاءه ورجاله من وزراء حكومته، بالإضافة لتعديلات لا مهرب منها في النظام الرئاسي الذي صممه على مقاسه قبل عامٍ واحد.

صحيفة "هالك تي في" التركية كشفت في تقرير لها اليوم الأربعاء أن إردوغان يستعد لمواجهة 3 موضوعات، أولها تغيير مجلس الوزراء الذي تسبب في الهزيمة الانتخابية خلال اقتراع البلديات بنهاية مارس الماضي، ولم يتمكن من علاج الأزمة الاقتصادية، وثانيها إجراء تعديلات في نظام الحكم الرئاسي، وثالثها التصدي لمحاولات بعض الأعضاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية إنشاء حزب جديد. 

إردوغان يعطي أولوية خاصة لقضية المنشقين واعتزامهم إنشاء حزب جديد، وبالرغم من أن كلًا من علي باباجان وعبد الله جول وأحمد داود أوغلو الذين يتردد أنهم يقودون محاولات إنشاء الحزب ليسوا أصحاب الانفصال الأول في تاريخ "العدالة والتنمية"، لكنهم يقودون ما يمكن تسميته "الانفصال الكبير" الذي يرعب الرئيس التركي، ويحدث انقسامًا كبيرًا داخل الحزب. 

احتفال على وقع الهزيمة
وعلى مدى 18 عامًا من تاريخ  "العدالة والتنمية" الذي يحتفل اليوم (14 أغسطس) بذكرى تأسيسه، لم يحدث شرخ كبير داخل الحزب مثلما يواجه الآن، بينما يسعى رئيسه إردوغان لوأد أية محاولات لإنشاء كيانات سياسية جديدة يقودها الرفاق القدامى، وهم من كبار الأسماء في الشارع التركي.

حسب تأكيد الصحيفة التركية، فإن الوضع الراهن في الحزب "مختلف كثيرًا" عما كان عليه في السابق، فأصوات التصدع التي ظهرت سابقًا كانت منخفضة لدرجة لا يمكن سماعها، أما الآن فالمعارضة من داخل الحزب باتت أعلى صوتا، وهو ما جعل القلق يتسلل إلى إردوغان، الخائف من القيام بأية تعديلات حتى لا يتسبب في استياء مزيد من أعضاء حزبه.

داود أوغلو وباباجان يدركان ضعف إردوغان، وبالرغم من أن الأول يدعم جهود إنشاء الحزب الجديد ولم يستقل بعد من العدالة والتنمية، فيما استقال الثاني رسميًا، إلا أنهما يجريان مجموعة من اللقاءات مع أعضاء الحزب ونوابه أمام أعين الجميع علنا، لضمهم إلى الكيان الجديد، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ العدالة والتنمية الذي يهيمن على الحياة السياسية منذ توليه رئاسة الحكومة التركية  في العام 2002. 

صحيفة "هالك تي في" تشير إلى أن القلق الأكبر يدور حول نواب البرلمان المنتمين للعدالة والتنمية والذين قد يقدمون استقالاتهم، وتتزايد المخاوف داخل الحزب الحاكم من نسبة هؤلاء وكيف سيأثرون في التصويت على القرارات داخل البرلمان، وهو ما يدفع إردوغان إلى اللجوء أكثر إلى حزب الحركة القومية، والتمسك بالتحالف معه، بالرغم من النقاط الخلافية. 

ولمواجهة المشكلات المتراكمة التي يواجهها العدالة والتنمية، تشير صحيفة "بيرجون" إلى أن إردوغان قد يجري تغييرات تتعلق بالحزب الذي يواجه ضعفا شديدا، فيما تؤكد التقارير أن إردوغان أضعف من أن يقوم بتعديلات على تشكيل مجلس الوزراء في سبتمبر المقبل أو إدخال تعديلات على النظام الرئاسي في أكتوبر. 

ووفق رؤية "هالك تي في" فإن حزب العدالة والتنمية تحول بعد 18 عامًا من تأسيسه "إلى كيان لا يمكن السيطرة عليه، ما يضع إردوغان أمام تجربة لم يتعايش معها أو يواجه مثلها قبل ذلك". 

يحاول التماسك
إردوغان الذي يعيش أسوأ أيامه، مع تزايد الأصوات المعارضة له في الداخل والخارج، نشر رسالة اليوم الأربعاء، بمناسبة الذكرى الـ18 لتأسيس حزب العدالة والتنمية في 14 أغسطس 2001، حاول فيها أن يظهر أكثر تماسكا، أمام حدة الانشقاقات التي تهدد بقاءه.
إردوغان قال في رسالته بمناسبة تأسيس الحزب: "أمتي العزيزة، حزب العدالة والتنمية ليس مجرد حزب، بل هو حركة قومية، نحتفل اليوم بعيد تأسيسه الـ18.. ومن أجل فهم طبيعة حزب العدالة والتنمية، يجب أولا فهم تركيا، ومسيرة الشعب التركي المقدسة".

رئيس الحزب المنهار أضاف: "أشقائي، اليوم لن نأسف على الماضي المظلم ولن نكتب ملحمات لنجاحاتنا بالأمس، سنناضل من أجل تركيا المشرقة ومستقبلها. بهذا المفهوم استمرت مسيرتنا طوال 18 عاما، وستستمر على هذا النحو، وسيبقى شعارنا (أمة واحدة، علم واحد، وطن واحد، دولة واحدة)، وسنواصل طريقنا بعزم وإصرار وجهد من أجل تحقيق أهداف تركيا 2023".

كلمات إردوغان التقليدية الباهتة، بدت معبرة عن حالة الفشل والإحباط التي يعانيها منذ خسارته القاسية في انتخابات البلديات الأخيرة، وفوز مرشحي المعارضة بالبلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول.

انشقاقات وانخفاض شعبية
يوماً بعد يوم، يتم الإعلان عن رموز جديدة داخل حزب العدالة والتنمية، تقفز من سفينة إردوغان، وينضمون إلى الحزب الجديد المنتظر تأسيسه قريباً، بقيادة علي باباجان.
 
البرلماني السابق عن حزب العدالة والتنمية، أمين شيرين، كشف عن انضمام أعضاء جدد من العدالة والتنمية إلى الحزب الجديد الذي أعلن باباجان الشروع في تأسيسه، بالتعاون مع عبد الله جول. أمين شيرين، الذي كان يمثل الحزب الحاكم في البرلمان عن إسطنبول، أوضح في أحد البرامج التليفزيونية، أن الكاتب الصحافي المخضرم فهمي كورو وعضو العدالة والتنمية بشير أتالاي يستعدان للمشاركة في فريق تأسيس حزب باباجان الجديد.
 
بشير أتالاي، هو الاسم الألمع داخل حزب العدالة والتنمية، خاصة أنه من الدائرة المقربة للغاية من إردوغان، وعمل نائبًا له (2011-2014)، كما عمل قبلها وزيرًا للداخلية (2007-2011).

الكاتب الصحافي في جريدة "قرار"، علي بايرام أوغلو أوضح، قبل أسبوع، أن القيادات المؤكد انشقاقها عن الحزب الحاكم للانضمام إلى حزب باباجان المنتظر، من داخل حزب العدالة والتنمية، هم الوزراء السابقون بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، ورئيس المحكمة الدستورية السابق هاشم كيليتش.

استطلاعات الرأي تشير إلى أن شعبية حزب العدالة والتنمية لاتزال في تراجع مستمر. بيكير أغديردير، رئيس مؤسسة الأبحاث المرموقة "كوندا"، قال إن الناخبين الذين يدعمون حزب العدالة والتنمية بغض النظر عن أي شيء تقلصوا من 38٪ إلى 27٪ منذ الانتخابات المحلية الماضية. فيما وجدت مؤسسة استطلاع رأي أخرى، في يوليو أن ثلث الناخبين من حزب العدالة والتنمية يعتقدون أن تركيا بحاجة إلى حزب وسطي جديد.

ارتفاع التضخم وبلوغه 15,7% واقتراب عدد العاطلين عن العمل من 4 ملايين شخص وعدم قدرة الليرة على اكتساب ما خسرته أمام العملات الأجنبية، يزيد من حالة السخط على حزب العدالة والتنمية، ويجعل الكثيرين يفكرون في البديل.

Qatalah