يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في قصور آل عثمان لم يعل صوت على منجم القصر، كانت الجيوش تنتظر إشارته لتحديد موعد الحرب، ولا يقرر السلطان أمرا إلا بعد ضرب الودع، حتى كان أشبه بسلطان الظل، كما رهنت نساء الحرملك حياتهن بأوامر المشعوذين والسحرة والدجالين، وكانت الحياة في ظل العثمانيين عنوانا للخرافة والجهل والشعوذة في سلطنة سجلت اسمها في صفحات التاريخ بأنها دولة المنجمين الذين كذبوا ولو صدقوا.
ظهرت لدى سلاطين آل عثمان رغبة جامحة في قراءة الغيب لمعرفة مستقبل دولتهم، إذ زرع المنجمون الوهم بعقولهم وادعوا الاتصال بالنجوم، فقيدوا تحركاتهم بتكهنات للمستقبل، وأعدوا تنبؤات بالأوقات السعيدة للسلطان التي يسطع فيها نجمه، وبسببها تراجع السلاطين عن قرارات مصيرية لحين استشارة المنجمين، وانتشر ذلك المرض بين الأمراء والحريم والصفوة التركية، وهو تقليد نابع من التأثير البعيد لواقع حياتهم البدوية في وسط آسيا عندما كانوا على الوثنية يؤمنون بعبادة الشامان القائمة على ترك أمور الحياة لساحر القبيلة.
ورغم أن جمهرة العلماء والفلاسفة المسلمين يجمعون على إنكار التنجيم، إلا أن فقهاء العثمانيين اعتبروه من علم النجوم (الفلك)، وأطلقوا عليه علم أحكام النجوم، وفي رأيهم أن الفلك وأحكام النجوم يؤديان إلى التنجيم، وأطلقوا على المشتغل به "الأحكامي" أو "المنجم"، وفي اعتقادهم أن "جميع ما يقع من أحداث جسام في العالم يتصل اتصالا وثيقا بتحركات الأجرام السماوية، وأن الإنسان خاضع لتأثيرات النجوم، وينحصر عمل المنجم في معرفة هذه التأثيرات".
 

كبير المنجمين يحكم القصر

يذكر عبدالعزيز الشناوي في كتابه "الدولة العثمانية" أن سلاطين آل عثمان شجعوا فريقا على امتهان التنجيم وضموهم لهيئة علماء الدين بالسلطنة، وأصبح المنجم باشي (كبير المنجمين) موظفا في القصر العثماني من المحسوبين على العلماء، ووظيفته اختيار الوقت المناسب لإعلان جلوس السلطان على العرش، ثم ذاع صيته وتدخل في اختيار ولي العهد والصدر الأعظم والولاة، وطلب منه السلاطين رأي النجوم في إعلان الحرب وعقد الصلح والمعاهدات. 

ترصد ثلاثة مصادر تاريخية علاقة سلاطين آل عثمان بالمنجمين في القرنين الـ15 و16، المقدمة لابن خلدون، والخطط المقريزية، ومفتاح السعادة لطاشكبري زاده، ويرصد الأخير إيمان سلاطين آل عثمان بأصناف التنجيم، الرمل، الفال، الطيرة، العزائم، الحيل الساسانية، الطلسمات. 
رصد ابن خلدون في "المقدمة" عادة تركية قديمة لازمتهم طوال تاريخهم هي الاعتقاد في التنجيم وقراءة الطالع، فيقول: "من خواص سلاطين الأتراك التشوق إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت وخير وشر، ومعرفة مدة بقاء الدولة وعدد الملوك فيها، والتطلع إلى هذا طبيعة مجبولون عليها، ولذلك انصرفت العناية من أهل العلم إليه، وكل سلطان يوجد له كاهن أو منجم أو ولي".
كما انتقد ابن خلدون أفعال سلاطين آل عثمان الأوائل، عثمان، وأورخان، وبايزيد الأول، بالإضافة إلى سلاطين المماليك الأتراك، ووصفها بالخروج عن الإسلام "إن تأثير الكواكب في ما تحتها باطل، إذ قد تبين في باب التوحيد أن لا فاعل إلا الله، وأن الشرع يرد الحوادث كلها إلى قدرة الله، والنبؤات أيضا منكرة لشأن النجوم وتأثيرها".
 

المنجمون أسياد السلطنة
تؤكد الدكتورة بديعة عبدالعال في كتابها "الفكر الباطني في الأناضول" التداخل بين التصوف والسياسة في الدولة العثمانية عن طريق احتراف دراويش الطريقة البكتاشية للتنجيم، وتقول: "عادة سلاطين الأتراك كانت اللجوء لشيوخ التصوف لأخذ مشورتهم، فلم يكن السلطان ليقدم على حرب أو غزو بلد دون أن يرجع لشيوخ المتصوفة أولا".

وسار آل عثمان على ذلك النهج لقرون، فكل سلطان يعتلي العرش يبدأ حكمه بمنح البكتاشية المزيد من الأوقاف ليضمن ولاءهم، واستهل السلطان سليمان القانوني عهده بافتتاح العشرات من الزوايا للبكتاشية ومنحهم العشرات من الإقطاعيات.
كانت العلاقة بين سليمان القانوني والمنجمين قوية جدا، إذ جمع حوله مجموعة كبيرة من المشعوذين ليقرأوا الطالع ويضربوا الرمل، وصار لا يمر يوم إلا ويستشير منجميه في أموره اليومية، ويقول طاشكبري زاده "تعتبر فترة حكم سليمان خان ذروة فتنة التنجيم، وصار المنجمون أسياد السلطنة".

ولما تولى أبو السعود أفندي منصب شيخ الإسلام وأراد أن يحافظ على منصبه لأطول فترة ممكنة، أقنع السلطان بأنه متمكن في أمور التنجيم، ويذكر رستم باشا في كتابه "تواريخ آل عثمان" أن "سليمان اعتقد أن ما يقوم به أبو السعود أفندي من أمور النجوم يجلب الحظ والتوفيق".
 

سلطنة التنابلة
استمر تبجيل السلاطين للمنجم باشي، ونظروا إليه باعتباره صاحب الفضل والبركة على الدولة، لذلك كانوا يستشيرونه في مسائل الحكم المهمة، وعند تعيين الوزراء ورجال الدولة، حتى قيل إنه صار يحضر جلسات الديوان الهمايوني.

كان السلاطين في القرن الـ16 و17 يتولون الحكم في سن مبكرة ولم يكونوا من ذوي الخبرة والموهبة والكفاءة، ما شجع المشعوذين من التقرب من قصر طوب قابي سراي للحصول على الهدايا والمكافآت بالتكهن والتطير للسلطان الصغير الذي لا يعلم مصيره ومستقبله على العرش، وهو على استعداد لبذل كل ثروات آل عثمان لمن يبشره بنجاته من مؤامرات الحريم.
كما عبر السلاطين عن محبتهم للمنجمين عن طريق الهدايا والهبات، وإذا حدث انتصار في حرب أو تمكنت القوات من إخماد ثورة في إحدى الولايات، فإن هدية المنجم الذي بشر بالنصر تكون حصانا عربيا مثل كبار رجال الدولة.
وذاع صيت الكثير من المنجمين الذين صاحبوا السلاطين في حلهم وترحالهم، وأشهرهم أحمد بن لطف الله السلانيكي، واشتهر بدرويش أحمد ده ده أفندي، وهو مؤرخ تركي من أهل سلانيك، ودرس التنجيم والفلك على يد رئيس المنجمين في البلاط السلطاني محمد أفندي، وعُين في منصب منجم باشي بعد وفاة رئيس المنجمين شكيبي محمد شلبي عام 1667 بأمر من السلطان محمد الرابع.
ظل أحمد ده ده أفندي رئيس المنجمين والرجل الأول في قصر طوب قابي سراي في عهد أربعة سلاطين هم محمد الرابع وسليمان الثاني وأحمد الثاني ومصطفى الثاني، وسيطر على قصر طوب قابي 33 سنة من عام 1667 حتى 1700.

 
الشعب جائع والسلطان يضرب الودع
أبدى السلطان مراد الثالث اهتماما بالغا بالتنجيم وتفسير الأحلام، وعُثر على كتاب بعنوان "المنامات" من تأليف نوح أغا يحتوي على 1858 رسالة تروي كل واحدة منها حلما لمراد الثالث، وسجلها السلطان بخط يده وأرسلها إلى "شجاع" شيخ الطريقة الخلوتية الذي اشتهر بتفسير الأحلام، وذكر نوح أغا أن من عادة السلطان مراد اليومية استدعاء المنجمين ومفسري الأحلام لتفسير رؤياه.

يذكر المؤرخ العثماني مصطفى عالي الغاليبولي الذي عاش في عهد السلطان سليم الثالث ورصد كيف استغل العثمانيون المنجمين والمشعوذين في الترويج لحكمهم حتى أثناء الأزمات والمجاعات، بعدما اتبع  السلطان سياسات اقتصادية فاشلة وانتشر الفساد والرشوة، وكان الجشع وحب المال من أعظم مساوئه، ما أثار غضب الرعية بالولايات الذين اعتبروا عصره فاتحة انهيار حكم آل عثمان.
يضيف مصطفى عالي أن سليم الثالث جمع المنجمين وطلب منهم التدخل قبل تفاقم الأوضاع بإسطنبول، ووجد هؤلاء الحل في واقعة حدثت في أول يوم لتوليه الحكم، إذ كانت أول كلمة نطق بها مراد عند اعتلائه العرش "أنا جوعان"، وروج المنجمون أن سبب انتشار الجوع في عصره هو تلك العبارة التي أصبحت نذير شؤم على السلطنة.
ظلت دولة المنجمين قائمة في ظل دولة العثمانيين، فانتشر الجهل في الأقطار التي سقطت تحت الاحتلال العثماني فدخلت في قرون من التخلف، فيما نقلت أوروبا علوم الفلك عن المسلمين في عهد الخلافة العربية وعلى أسسها بنوا حضارة علمية رفيعة الطراز، وبينما كان جاليليو جاليلي وكوبر نيكوس يقودان ثورة علمية بإثبات كروية الأرض في القرن السابع عشر الميلادي، كان العثمانيون يضربون الودع ويصاحبون المنجمين ويسألون الرمال عن مصير دولتهم.

Qatalah